رواية جديدة


لتتأمله بنظرات سريعة فرأت مظهره الكلاسيكي المنمق الذي يختلف عن أغلب الشباب العصري فخمنت أنه ربما يكون محاميا أو يعمل في هيئة قضائية .. واستمعت إلى نبرته الهادئة الرزينة .. وأدركت أنها شردت فيه فتداركت الموقف سريعا وردت عليه بجمود 
شكرا أنا عرفت العيب فين وخلاص هاظبط الفيوز وهاتشتغل إن شاء الله !
مط الشاب فمه ليرد عليها بإعجاب طفيف 
مممم .. شكلك بيفهم
في العربيات ولو محتاجة أدلك على ميكانيكي قريب أنا ممكن حتى أوديكي عنده أصلي انا ساكن قريب من هنا وآآآ..
تعجبت إيناس من طريقته التي يفرض بها نفسه عليها فقاطعته بصلابة 
شكرا أنا لو احتاجت حاجة هاطلبها من أخويا أو بابا !
هز رأسه بتفهم ورد عليها بنبرة دبلوماسية 
تمام عموما دي كانت فرصة سعيدة إني شوفت حد زيك !
ابتسمت بتصنع واضح وهي ترد عليه بإقتضاب 
ميرسي
أضاف قائلا بهدوء 
أنا الأستاذ خالد رضوان وحضرتك !
كټفت إيناس ساعديها أمام صدرها وردت عليه بتأفف 
أنا مش من النوع اللي بأتعرف طياري !! ومتشكرة تشرفنا !
شعر خالد بالحرج من أسلوبها الفظ فأطرق رأسه وتنحنح بخفوت وغمغم بإبتسامة مهذبة نجح في رسمها على وجهه 
احم .. سوري إن كنت أزعجتك ! عن اذنك
لوت ثغرها وهي تجيبه 
مع السلامة !
ثم تابعته بنظراته الحادة وهو يبتعد عنها وتابعت بضيق مع نفسها 
هو أنا ناقصة تلائيح جتت !!!!
يتبع التالي
الفصل الثامن والعشرون 
في منزل باسل سليم 
ولج خالد سليم رضوان إلى داخل منزل أخيه بعد أن فتحت له الخادمة الباب وتوجه إلى غرفة المعيشة حيث استمع إلى صوت باسل وهو يتحدث هاتفيا بغموض 
اوكي ناتالي مش هانختلف اتفقنا 
جلس خالد بأريحية على الأريكة بعد أن حل زرار سترته ووضع ساقا فوق الأخرى وظل يتابعه في صمت ..
شرد لوهلة فيما دار قبل قليل مع تلك الفتاة الغامضة .. 
وبدا منزعجا من ردها الفظ .. فهو قد اعتاد على الردود المجاملة والمدح والثناء خاصة من النساء اللائي يظهرن إعجابهن بلباقته .. ولكن تلك الصغيرة جعلت من بريقه الماسي وهما لا قيمة له ..
أغمض عينيه مجبرا ليجبر عقله على عدم التفكير في الموقف برمته .. وأخذ نفسا عميقا ثم نفسه على مهل ورفع رأسه في اتجاه أخيه ونظر له بنظرات خاوية إلى أن أنهى المكالمة فالټفت الأخير نحوه وهتف مبتسما وهو يتساءل بقلق بعد أن أخفى تلك النزعة العصبية من وجهه 
خالد انت هنا من بدري !
هز خالد رأسه نافيا وأجابه بهدوئه المعتاد 
لأ لسه جاي من شوية 
ثم اختطف نظرات سريعة حوله وتساءل بإهتمام 
أومال باقي العيلة الموقرة فين 
وضع باسل يده على فروة رأسه ليحكها قليلا ثم أجابه بتنهيدة مطولة 
ماما راحت مع بابا النادي شوية عندهم تقريبا ندوة هناك وهما مش بيحبوا يفوتوا أي حاجة من الحاجات دي
هز خالد رأسه متفهما وغمغم يإيجاز 
أها وأحمد 
رد عليه بهدوء حذر وهو يتفرس تعابير وجهه المنهكة 
في العيادة بتاعته !
هز خالد رأسه بإيماءة خفيفة ثم ردد بفتور 
تمام 
تابعه باسل بنظرات فاحصة وراقب تنهيداته المنزعجة المصحوبة بطرقعة لأصابع كفيه فسأله بفضول 
مالك بتنفخ ليه 
أخذ خالد شهيقا مطولا وزفره مرة واحدة ثم أجابه بضيق 
الناس هنا عندكم عجيبة أوي !
رد باسل متساءلا وهو يعقد ساعديه أمام صدره 
اشمعنى يعني 
أجابه أخيه الأكبر بضجر 
عادة الواحد لما بيحب يساعد حد بيتوقع كلمة شكر ده الطبيعي والمفروض زي أما كنت عايش برا بس بأشوف العكس هنا !
قطب باسل جبينه وسأله مهتما 
في حد ضايقك 
لوى خالد ثغره للجانب قليلا وأجابه 
مش ضايقني بس ردها كان قليل الذوق 
لمعت عيني باسل نوعا ما ومط فمه قائلا 
ممم .. دي واحدة !!
ايوه 
تابع باسل قائلا بسخرية 
وطبعا إنت مش متعود على البنات التنكين بتوعنا الظاهر إنك نسيتهم !
رد عليه خالد بتبرم 
أنا كان قصدي أساعدها وبس مش تطفل ولا فضول !
برر له باسل تصرف الفتيات قائلا بعد أن حل ساعديه من تشابكهما 
البنات هنا لو حد عبرهم بيسوقوا فيها فكبر منهم وبعدين شكلك كده بتدور على جوازة جديدة بعد ما طلقت مراتك !
عبس خالد
بملامح وجهه ورد عليه بحدة بائنة في نبرته 
وايه العيب في كده من حقي أشوف نفسي الحياة مش هاتقف عليها
طب وولادك وقصة الحب الكبيرة اللي كانت بينكم وآآ...
قاطعه خالد بجدية 
الأولاد عايشين مع مامتهم ! وأنا بأزورهم باستمرار ومتفق معاها على كل حاجة أما قصة الحب فانتهت بانشغالها عني وبإهتمامتها الكتير !
أومىء باسل برأسه متفهما 
أها .. واضح إن السلك الدبلوماسي فرق معاك جامد في حياتك
رد عليه أخيه بجدية 
اها بصراحة غير نمط حياتي !
اعتدل خالد في جلسته ثم تساءل بصوت هاديء 
المهم سيبك مني ومن مشاكلي أنا كفيل بيها وقولي هاتعمل ايه مع عروستك 
فرك باسل وجهه بكفه وأجابه بإمتعاض ظاهر في نبرته 
هي مش حابة جو الأفراح والهيصة والدوشة عاوزة حاجة سيمبل بسيطة ويدوب عيلتي وعليتها وبس !!!
غمز له خالد وهو يمازحه 
ممممم .. شكل عروستك بخيلة 
أوضح له باسل موقفها قائلا 
مش مسألة بخل بس هي ليها نظام وفكر معين كده وآآ...
قاطعه خالد وهو يشير بكف يده 
عامة اعملوا اللي يريحكم محدش بيفرض عليكم رأيه إنتو اللي هاتجوزوا مش حد تاني !
هز باسل رأسه بإقتناع وهو يضيف 
بالظبط ودي الميزة في الأجانب تحكمات الأهالي وغيرها مش موجودة زي هنا عندنا كل اللي احنا عاوزينه بنعمله من دماغنا وبس !
اها .. ربنا يتمملك على خير يا بسول اتجدعن بقى وخلينا نفرح فيك 
ثم تصنع الضحك وصحح قائلا 
قصدي نفرح بيك !
لاح شبح ابتسامة خفيفة على ثغره وهو يقول 
وماله يا خالد اتريق براحتك بكرة نشوف هاتعمل ايه لما تتجوز تاني
تشكل طيف تلك الفتاة التي قابلها خالد في مخيلته ورد عليه بصوت رخيم 
والله لو زي اللي قابلتها يبقى مش عاوز !!
في منزل مسعد غراب 
التهمت إيناس ما تبقى من ثمرة التفاح وهي تكمل حديثها مع أخيها قائلة 
وفكيت الفيوز وطلع العيب منه !
لوى فمه في اعجاب وهو يردد متفاخرا 
والله برافو عليكي عرفتي تتصرفي
تباهت إيناس بنفسها قائلة 
أومال ايه لاحسن تكون مفكرني من البنات السايحة النايحة 
رد ضاحكا 
لأ ده انتي أنشف منهم ! ولا العساكر اللي في الميس عندنا
تجهمت ملامحها وهي ترد بغيظ 
متتريقش عليا أنا هاكون سفيرة !
رد مازحا 
أكيد طبعا السفيرة عزيزة 
اغتاظت إيناس من ردوده المستفزة وهتفت بحنق 
يووه يا مسعد إنت رخم بجد !
أمسك بها من كتفها ورد بهدوء 
خلاص ماتقفشيش أنا بأهزر يا نوسة معاكي 
نزعت كتفها من قبضته بقوة ونهضت من جواره واسندت الصحن الفارغ على الطاولة وصاحت بتذمر 
لأ أنا قافشة وحاسب خليني أروح أذاكر !
هتف بنبرة مرتفعة نسبيا 
يا بت استني !
عبست أكثر بوجهها وهي ترد 
لأ 
انضمت إليهما والدتهما وابتسمت لابنتها وهي تقول 
روحي يا نوسة كملي يا
حبيبتي مذاكرتك !
ردت عليها إيناس بتبرم 
ما أنا رايحة من غير حاجة !
تابعتها صفية حتى غابت داخل غرفتها وجلست إلى جوار ابنها وأخفضت نبرة صوتها قائلة 
عاوزة أقعد معاك يا مسعد شوية !
الټفت مسعد برأسه نحوها وسألها بهدوء
خير يا ماما 
تهللت أساريرها وهي ترد 
بص يا حبيبي عندي ليك حتة عروسة إنما آآ....
زفر مسعد بضيق وقاطعها قائلا على مضض 
الله يكرمك يا ماما مش عاوز سيرة في الموضوع ده أنا مبسوط كده !
قطبت صفية جبينها وتجهمت قسماتها بشدة ورفعت حاجبها للأعلى مستنكرة ثم ردت بضجر 
مبسوط!! بس أنا وأبوك لأ هو انت صعبان عليك نفرح بيك ونشوف عيالك !!!!
هز رأسه نافيا 
لأ يا أمي مش كده الموضوع بس أنا مش في دماغي حد وبعدين اللي اتجوز خد من الجواز ايه غير الهم والغم !!
لطمت على فخذها قائلة بضيق 
يا غلبي ياني أكيد في واحدة عملالك عمل مخلياك كاره الجواز وسيرته ماهو الكلام اللي بتقوله ده مش طبيعي 
استنكر مسعد ما قالته توا ورد عليها بإستخفاف 
عمل هو في حد لسه بيتكلم في التخاريف دي 
أجابته بجدية غريبة 
اه يا حبيبي إنت بس اللي طيب وغلبان ومتعرفش حاجة !
تمتم مع نفسه بخفوت 
واضح كده إن الحاجة صفية دماغها زي ما هي ! أحسن حاجة أعملها أخلع منها بدل ما تحضرلي عفريت وتجيبلي شيخ منصر يقرى عليا !!
نهض هو من جوارها وتابع حديث نفسه بكلمات مبهمة بينما تعجت صفية من تصرفات ابنها الغير مقنعة وأصرت قائلة 
مش هاسيبك تخيب نفسك أنا هاتصرف بطريقتي ! 
خلال اليومين التاليين كان باسل قد أعد كل شيء لإقامة حفل خطبة بسيط داخل منزله ودعا إليه رفيقه مسعد وعائلته لمشاركته تلك المناسبة المميزة ..
ربما أراد أن يثبت لنفسه شيئا أن حب الماضي لم يكن إلا وهما ومن طرفه فقط وأن وجود إيناس في حياته ان لن يشكل فارقا معه .. لذلك أصر على دعوة العائلة بالكامل ولم يقبل بإعتذار أي فرد منها بإعتبارهم المقربون إليه .. 
وبإمتعاض واضح على تصرفاتها وتعابير وجهها المتشنجة اضطرت إيناس أن تذهب مرغمة مع أسرتها إلى تلك الخطبة المزعومة ..
وبالرغم من رفضها للذهاب إلى هناك والتواجد مع باسل في أي مكان إلا أنها رضخت لإلحاح والدتها وإصرار أخيها .. فلا مفر من الهروب مما هو محتوم .. ومع ذلك تأنقت في هيئتها وارتدت فستانا ملائما لتلك السهرة من اللون الأزرق النيلي يلامس طرفه الأرضية بينما يمتد ذيله الحريري لمسافة عليها .. وعقصت شعرها كعكة وأسدلت خصلة كبيرة أمامية لتغطي جبينها ووضعت لمسة من مساحيق التجميل وتعمدت المبالغة في وضع أحمر الشفاه ليظهر تميزها أكثر ..
ارتدى مسعد حلة سوداء وقميصا نبيذي اللون من
أسفلها ولم يضع رابطة عنق .. 
وحينما رأى أخته بتلك الصورة الجميلة أبدا إعجابه الفوري قائلا 
ايه الجمال ده ! 
ابتسمت له بثقة بينما تابع هو بمزاح 
شكلك ناوية تضيعي العروسة ! وهي مش ناقصة ضياع أصلا !!
زادت ابتسامتها المغترة وهي ترد عليه 
وأنا مالي بيها دي أقل حاجة عندي 
رفع حاجبه للأعلى ليرد بإستغراب 
واضح فعلا ! 
ها يا ولاد جهزتوا 
تساءلت بتلك العبارة السيدة صفية وهي تسحب شالها على كتفها لتخفي تلك الفصوص الفضية اللامعة ..
ردت عليها إيناس بنبرة رقيقة 
أنا تمام يا ماما
نظرت لها والدتها وردت بحماس 
النبي حارسك وصاينك زي القمر يا نوسة 
وهي تضيف لنفسها 
مش كان عمل الفرح في قاعة كان العرسان شافوكي وجالك عدلك !!
هتف اللواء محمد قائلا بجدية 
يالا بينا احنا مش عاوزين نتأخر هتبقى قلة ذوق إن صاحبك عازمك ونيجي كمان بعد الميعاد بفترة المفروض تكون معاه من بدري
رد عليه مسعد قائلا بهدوء 
البركة في اخواته هما معاه ! 
ثم ولج الجميع بعدها من المنزل ليستقلوا السيارة ويتوجهوا إلى منزل باسل حيث تنتظرهم عدة مفاجآت سارة..!!
يتبع التالي
الفصل التاسع والعشرون الجزء الأول 
أبطأ مسعد السيارة حينما أوشك على الاقتراب من البناية القاطن بها باسل .. وظل يتفقد الطريق بحرص حتى يتجنب التصادم مع أي سيارة خاصة أن مساحة الطريق كانت ضيقة للغاية .
ورغم الهدوء الحذر الواضح على وجه إيناس إلا أن روحها كانت