رواية جديدة


فترجلت على مضض منها ورمقته بنظرات معاتبة ولكنه لم يعبأ بها ولا بتوسلاتها و انطلق مسرعا بالسيارة نحو العنوان المذكور ..
ظلت أنظار إيناس متعلقة ببقايا أثر سيارة أخيها وهي تدعو الله في نفسها أن يمر الأمر على خير..
تحركت في اتجاه مدخل بنايتها ولكن استوقفها ذلك الصوت المألوف الذي بات كابوسها مؤخرا وهو يهتف باسمها 
إيناس !
أسئلة كثيرة دارت في رأس مسعد محاولا الوصول لتفسير مقنع لها ..
لم يكن يرى أمامه سوى صورة وجهها وتلك الطفلة الصغيرة التي كانت معها ..
ظل يكرر لنفسه متساءلا بحيرة 
طب ليه عملت ده واشمعنى أنا ليه !!
ضغط على المقود بكفيه مفرغا فيه شحنته العصبية لعجزه عن الإجابة عنهم ..
قطع أشواطا مخترقا الزحام المروري بصعوبة حتى وصل أسفل بنايتها .. ثم رفع رأسه للأعلى ليحدق بالطابق المتواجد به منزلها ..
طالت نظراته الممعنة وفي النهاية تحرك بالسيارة ليبحث عن مكان شاغر ليصفها به ..
ترجل منها وجاهد ليضبط انفعالاته بالرغم من التشنجات الظاهرة على قسمات وجهه ..
اتجه إلى مدخل البناية فأوقفه حارسها متساءلا عن هويته فرد عليه بصرامة 
مقدم مسعد غراب ! قوات مسلحة ! 
ظن حارس البناية أنه يستخف به فسأله بأدب 
ممكن بطاقتك لو سمحت 
أشهر له مسعد هويته وهو يرد بتهكم 
ولو تحب أجيبلك الكتيبة كلها هنا عشان تتأكد معنديش مانع !
اضطرب الحارس بعد أن تحقق منها وأدى له التحية وهو يقول بصوت شبه مرتجف 
اتفضل يا باشا 
ولم يسأله المزيد فيكفيه إطلاعه على هويته وربطه بهوية الساكنة بالطابق العلوي ليخمن من هو ....
وبالفعل ولج مسعد إلى داخل بهو البناية الحديثة واستقل المصعد ليصل إلى الطابق المتواجد به منزل سابين ..
ومع كل خطوة كان يخطوها نحوها تتسارع فيها دقات قلبه ..
ورغم حنقه منها إلا أنه لم يستطع إنكار حالة التخبط التي أصابته في مشاعره ..
لا يعرف هل يحق له الڠضب منها أم عليه الصبر والتريث لفهم كل شيء .. 
وقف أمام باب منزلها وحدق فيه بنظرات مطولة قبل أن يمد يده ليقرع الجرس ..
انتظر للحظات قبل أن يسمع هتاف طفلة صغيرة مصحوبا بخطواتها وهي تركض ناحية الباب لتفتحه دون تردد ..
فتحت هي الباب على مصراعيه ووقفت على عتبته وهي تهز جسدها ببراءة وهتفت بإبتسامة 
أنا !
ابتسم لها مسعد بعد أن أخفض بصره نحوها وتفرس في ملامح وجهها البريء الذي كان مختلفا كليا عن
وجه سابين وسألها بنبرة هادئة 
ماما فين 
أشارت الصغيرة بيدها للخلف وهي تجيبه ببراءة 
جوا !
استمع هو إلى صوت سابين وهي تهتف بإنزعاج من الداخل قائلة بلكنتها الغريبة 
جينا انتي افتحي بدون أنا again مرة أخرى !
كانت محدقة في وجه الصغيرة بنظرات غاضبة وعلى تعابيرها علامات استنكار لفعلتها المتهورة ثم دفعتها برفق للخلف ..
رفعت تلقائيا عينيها للأعلى لتنظر في وجه الشخص المتواجد أمامها فتجمدت نظراتها عليه بعد أن انفرج فمها مفتوحا من الصدمة الغير متوقعة بالمرة ...
تسمرت مذهولة في مكانها وظلت محدقة به دون أن ترمش للحظة ..
التقت أعينهما معا وامتزجت نظرات الڠضب الحانقة مع نظرات الإندهاش والصدمة
صمت رهيب ساد بينهما للحظات معدودة قبل أن يقطعه مسعد قائلا بصوت متحشرج يحمل التهكم والسخط 
اهلا يا سابين ! ولا أقولك أحسن مدام صابرين موسأد أوراب !!!!
لم تتحمل هول المفاجأة المباغتة من قبله وشعرت بعجز ساقيها على الصمود وبتراخي قواها كليا فجأة ..
ارتجفت بشدة وجف حلقها وتشوشت الرؤية في عينيها وترنح جسدها للأمام والخلف وبدت كمن على وشك الإغماء ..
أسرع مسعد بإسنادها من ذراعيها قائلا بغلظة 
مش هتخيل عليا الحركات دي !
لكنها لم تكن تدعي ذلك فقد فقدت وعيها بالفعل وإنهار جسدها وسقطت في أحضانه مغشية عليها فخفق قلبه خوفا عليها وهو يضمها بذراعيه ممسكا إياها بقوة وهاتفا بقلق 
سابين !!!!
أسفل البناية 
التفتت إيناس برأسها للخلف لتجد باسل مقبلا عليها وهو يحمل في يده باقة ورد صغيرة ..
عبس وجهها فور وقوع عينيها عليه وزادت حدة نظراتها المحتقنة نحوه ونفخت بغيظ منه ..
تفهم هو تصرفاتها الطبيعية تجاهه ولما لا فهو قد أساء إليها بصورة مبالغة وترك في نفسها أثرا سيئا ..
اقترب ببطء منها حتى وقف قبالتها ثم أردف متساءلا بصوت رخيم 
عاملة ايه 
نظرت له شزرا وردت عليه بنبرة محتدة ومنفعلة نسبيا
أفندم إنت جاي هنا عشان تسألني السؤال الغبي ده !
ضغط على شفتيه بقوة مسيطرا على نفسه فلا داعي للاشتباك أو التشاجر معها أمام المارة بسبب فظاظتها واجتذاب الأنظار نحوهما .. 
تصنع الابتسام وهو يرد عليها بهدوء عجيب 
على فكرة أنا واقف مستنيكي من بدري !
ثم أخفض نبرة صوته وأسبل عيناه وهو يتابع موبخا إياها بحذر 
فعيب عليكي تردي عليا بقلة أدب !
استشاطت ڠضبا من تعنيفه الغير مبرر لها واستنكرت ما قاله فهو أكثر من تبغضهم في حياتها ولذلك ردت عليه بإستهجان وهي ترمقه بنظراتها المشټعلة ومشيرة بكف يدها في الهواء 
عيب عليك إنت لما تقف كده في الشارع وتستنا أخت صاحبك زي الشباب الصيع !
نظر لها مشدوها واصطبغ وجهه بحمرة غاضبة من هجومها اللاذع عليه ولكنها لم تتوقف عند هذا الحد حيث أضافت بوقاحة متعمدة اهانته 
إنت كبرت على حركات العيال دي يا
أبيه 
أغمض عيناه للحظة ليسيطر على نوبة ڠضب توشك على الانفجار في وجهها فتطيح بها .. ربما هي محقة في جزء مما قالته ولكنه لا يستحق كل هذا التطاول منها .. 
فتح عينيه ورمقها بنظرات ثابتة وأخذ شهيقا عميقا كتمه في صدره و أخرجه دفعة واحدة ليرد عليها بعدها من بين أسنانه 
مش قولتلك تبطلي الكلمة دي ! 
نظرت له بإستخفاف وسألته بعدم اهتمام بتلك النيران التي تراها تتراقص متأججة في عينيه 
جاي هنا ليه 
تجاهل نظراتها متعمدا وأجابها بجدية وهو مكور لقبضة يده 
كنت عاوز أقولك إني فركشت مع ناتالي !
لوت ثغرها مستهينة بما صرح به وردت عليه بعدم اكتراث 
وأنا مالي ما تخطب ولا تتجوز ولا تفركش !
رد عليه بإمتعاض 
انا قولت الموضوع يهمك !
صاحت به بعدم مبالاة وهي تشيح بيدها في الهواء 
بتاع ايه يهمني أنا ماليش دعوة باللي يخصك !
حذرها بعينيه قائلا بصرامة 
لمي ايدك وانتي بتكلمي معايا 
نظرت إلى حيث أشار وبرزت عروقها الغاضبة من أمره الحاد إليها وتفاجئت به يمد يده نحوها ليعطيها باقة الورد وهو يقول بنبرة شبه هادئة 
اتفضلي ده عشانك !
نظرت إلى الباقة بإزدراء وتمتمت بإستغراب 
نعم 
أضاف قائلا بسخط قليل 
يا ريت بس يعجبك ! ولو إني عارف إنك مش بيعجبك العجب ! 
ثم ابتسم بسخرية وهو يتابع قائلا 
بس يالا أنا قولت الصلح خير وأهو نبدأ مع بعض من أول وجديد وننسى اللي فات !
شعرت إيناس بأنه يتفضل عليها بما يفعله وأن تلك الباقة ما هي إلا وسيلة رخيصة لإشباع غروره وتعاليه وليس إعتذارا حقيقيا منه .. 
لذا جذبتها منه عنوة دون أن تنطق وألقتها على الأرض بعصبية فصدم مما فعلته بها وقامت بدهسها بقدمها لتفسدها وهي ترد بعصبية 
وأدي الورد اللي انت جايبه ده مصيره !
تحولت حدقتيه لشرارتين متقدتين وكان على وشك ټعنيفها لولا انفعالها قائلة 
أنا بأكرهك وبأكره أي حاجة منك فيا ريت ما أشوفكش ولا تشوفني تاني ! 
ركلت بعدها ما تبقى من الباقة بقدمها لتطيح بها في الهواء وتابعت بفظاظة محدثة نفسها بصوت عالي وهي توليه ظهرها
كفاية بقى كانت معرفة سودة جت على دماغي في الأخر !
تجمدت قدماه في مكانه وعجز عن الرد عليها ..
تساءل مع نفسه بحزن واضح وهو يراها تختفي من أمامه 
ألهذا الحد تبغضه هل أذاها بشكل بشع جعلها لا تتقبل العفو عنه مهما فعل وهل بالغ في تحطيم ثقتها بنفسها بالشكل الذي جعلها تشعر بالنفور الشديد منه 
أدرك باسل وهو يقف في مكانه أن الطريق إلى قلب إيناس أصعب بكثير من الطريق إلى تحقيق النصر في المعارك .. ولكنه لن يستسلم بسهولة .. فقد اعتاد على اتمام ما يكلف به من
مهمات حتى لو كانت مستحيلة وهي أصبحت مهمته الحالية بل أهم تكليف في حياته القادمة..!!
يتبع التالي
الفصل الرابع والثلاثون الجزء الثاني 
في منزل سابين 
أسرع مسعد بتلقي جسد سابين المغشي عليه بذراعيه وأسند رأسها على كتفه ثم حاوط بذراعه خصرها وتحرك بها بحذر للداخل ليتمكن من غلق باب المنزل قبل أن يراهم أي أحد ويظن به السوء ..
استغربت الصغيرة جينا مما أصاب والدتها وتساءلت ببراءة وهي تجذب بنطال مسعد بأصابعها 
مامي نامت 
نظر هو لها بتعجب ورافعا حاجبه للأعلى ثم هز رأسه إيجابا وهو يقول 
اه !
انحنى قليلا ليتمكن من حمل سابين ثم بحث عن أقرب أريكة ووضعها عليها برفق ..
تلفت حوله ليفحص المكان بنظرات سريعة شمولية ..
لمح الصغيرة وهي تقترب منها وتجثو على ركبتيها أمامها وتمد يدها لتعبث بخصلات شعرها المتدلية على وجهها واستمع إلى صوتها وهي تهزها قائلة 
مامي wake up اصحي 
ضغط على شفتيه بضيق ثم بحث بعينيه عن المطبخ فوجده واتجه ناحيته ليحضر ما يستعين به لإفاقتها ..
غاب للحظات بالداخل ثم عاد وهو يحمل بصلة في يده 
نظرت إليه الصغيرة جينا بإندهاش وسألته بفضول 
دي آمل اعمل ايه 
أجابها مسعد بإمتعاض 
هافوقلك أمك بيها ! ماهو الجيش بيقول اتصرف !!
قام مسعد بتقشير أوراق البصلة الخارجية ثم جلس على الطاولة المنخفضة المقابلة للأريكة وتذكر أنه لم يحضر سکينا لتقطيعها وأخفض بصره للأسفل وضړب البصلة پعنف على زجاج الطاولة بكفه فانقسمت إلى عدة أجزاء ثم انحنى للأمام في اتجاه سابين ولف ذراعه خلف عنقها ليرفعها إليه ووضع بيده الأخرى البصلة على أنفها وأجبرها على استنشاقها ..
ضحكت الصغيرة مما يفعله ثم نهضت من مكانها وركضت مسرعة نحو رواق ما وهي تغمغم بمرح ..
قرب مسعد البصلة مجددا من أنف سابين هاتفا بضجر 
فوقي يا صابرين بلاش شغل الأموات ده إنتي مش شوفتي عفريت يالا يا ماما !
تجهم وجهها وبدت علامات النفور واضحة على قسماتها وهي تجاهد لتستفيق من اغماءتها المؤقتة ..
انتبه مسعد إلى الصغيرة جينا وهي تركض عائدة إليه وجلست إلى جواره على الطاولة حاملة دميتها باربي الشهيرة ثم قامت بمحاكاته وتقليده ولكن مع لعبتها ..
قطب جبينه متعجبا من تصرفها الطفولي وعاود النظر إلى سابين التي كانت تستعيد وعيها بالفعل .. وأصدرت أنينا خاڤتا وتأوهات خفيضة وهي تحرك رأسها عفويا للجانبين ..
بدت الرؤية مشوشة في البداية ولكن قوة الرائحة النفاذة لثمرة البصل جعلتها تشعر بالنفور والضيق ..
لم يتوقف مسعد عن إجبارها على شم رائحتها حتى تأكد من استعادتها كليا لإدراكها ..
هبت هي مذعورة من نومتها ونظرت إليه پصدمة وانكمشت على نفسها في مكانها وهي محدقة فيه پخوف واضح ..
لم تكن تتخيل أنه سيتمكن من الوصول إليها بتلك السرعة ..
كانت معتقدة أنه سيستغرق وقتا على الأقل شهرا حتى يصل إلى مقر سكنها لكنه خالف توقعاتها ووصل إليها في غضون