رواية جديدة


تلك الوضعية تحاوط الصغيرة بذراعيها لبرهة من الوقت حتى غفت في أحضانها فبحذر شديد مددتها على المقعد الخلفي ثم التفتت أمامها وكفكفت عبراتها .. وأخذت شهيقا عميقا وأدارت المحرك لتقود السيارة إلى منزلها .....
.................................
في منزل باسل سليم 
أصاب أحمر الشفاه الملون لشفتيها والملفت في نفس الآن للأنظار باسل بالضيق ..
وجاب بذاكرته وميض صدام عڼيف حدث بينهما بسببه ..
كانت وقتها مراهقة لا تعي أي شيء فشعر بأنه غير ملائم لها لتضعه في تلك السن الصغيرة ..
واليوم نفس أحمر الشفاه تضعه فزادها أنوثة وإغراء .. ربما به ستسلب عقول الرجال إن رأوا جمالها الحقيقي مثلما يراها هو ..
أرغم نفسه على تجاهله حتى لا يتهور وظل يردد لنفسه أنه وجد لنفسه فتاته المنشودة .. ناتالي الفريدة بشخصيتها والتي حازت على إعجابه واليوم سيحظى بها كخطيبة رسمية بعد أن حصل على الموافقة الرسمية لذلك الإرتباط ..
وقف مسعد بين الحاضرين بجسده لا بعقله الذي ظل يفكر في سابين ..
ردد بين جنبات نفسه أرقام لوحة السيارة التي كانت تقودها سابين ..
تلك الأرقام التي ستقوده إليها ..
ولكن ماذا عن الطفلة من هي هل تزوجت غيره وأنجبت واستقرت في حياتها ونسيته تماما وكان هو مجرد محطة عابرة تخطتها بمرور الزمن 
أنكر تلك التساؤلات وركز تفكيره حاليا في وضع التصورات والتخيلات لما سيقوم به لاحقا حينما يعثر عليها فلن تختبيء منه للأبد ...
بنظرات دقيقة ودارسة تابع خالد إيناس بإهتمام واضح ..
راقب إيماءاتها وكذلك شرودها ونظراتها الحادة والتواءة فمها .. وزفيرها المتتابع .. فأثار فضوله لمعرفة لماذا كل هذا الضيق الواضح عليها ..
وبخبرته التي اكتسبها لسنوات وضع اعتقادا بوجود شيء ما بينها وبين أخيه ..
فنظرات الاثنين وإن كانت حذرة إلا أنها تحمل الكثير ..
ربما لم يخف عليه أنها تصغره بسنوات كثيرة بل هي تصل إلى نصف عمره تقريبا ومع ذلك تمتلك جاذبية فطرية وشخصية محببة وكذلك
ذكاءا اجتماعيا لكنها لا تصلح لأن تكون خطيبة مثالية له .. بسبب ظروفه الحالية وفارق السن بينهما .. 
نفض تلك الفكرة عن عقله وابتسم لنفسه بسخرية ..
واستنكر تفكيره في الإرتباط بمن رأها لمرتين فقط .. وأبعد نظراته عنها ليحدق فيمن حوله بنظرات عامة وهو يرسم تلك الابتسامات المجاملة التي اعتاد عليها في هذه النوعية من المناسبات ..
ترقب الجميع خروج الخطيبة المنتظرة بفارغ الصبر وكان أكثرهم فضولا وتلهفا السيدة صفية فقد طال بقاؤها بالداخل وهي ترغب في رؤيتها والتطلع إلى جمالها ال خارق الذي ظل مسعد يتحدث عنه لأيام ...
وها هي قد حانت اللحظة حينما هدأت الموسيقى تماما وصدح بدلا منها موسيقى أخرى كلاسيكية ناعمة .. فالټفت الجميع نحو مدخل الغرفة مترقبين دخولها ..
حل الوجوم والصدمة ونظرات التعجب والذهول على وجه كلا من صفية وابنتها حينما رأت كلتاهما هيئتها ..
كتمت والدتها شهقة مذهولة بصعوبة بالغة وجابت بنظراتها تلك الخطيبة لتفحصها بتمعن وهمست لنفسها بعدم تصديق 
يا لهوي بالي يا باسل هي دي خطيبتك عيني عليك يا نضري !!!!
تفرست إيناس في ملامحها بدقة وكأنها تضعها تحت عدسات المجهر ...
انفرجت شفتاها للأسفل في عدم تصديق .. وبدت كالبلهاء وهي تتطلع إليها ..
كانت كما قال مسعد ذات بشړة سمراء بل سمراء للغاية كأغلب الأفارقة وخصلات شعرها مجعدة بصورة واضحة ومع ذلك لم تغير في منظره أو حتى تستخدم مثبتات الشعر أو مواد لفرده بل تركته على وضعه المنفوش ليصدم الجميع أكثر ويصيبهم بالحيرة والذهول ووضعت حوله طوقا من الورد ..
ما كان مميزا بها هو لون عينيها فقد كانتا خضراوتين تحاوطهما أهدابا كثيفة .. ووضعت على جفونها ألوانا عجيبة لتظهر لون عينيها .. وأكثرت من وضع أحمر الشفاه الصارخ ليبرز فمها الممتليء ..
أما فستان الخطبة فقد كان حريريا قصيرا ضيقا من اللون الفضي يبرز ساقين رفيعتين وذو حملات رفيعة أظهرت كتفيها وذراعيها الدقيقين.. وبالطبع إرتدت حذائا عاليا من نفس اللون ليزيد من طولها ..
تأبط باسل ذراعها بعد أن رفع كفها إلى فمه ليقبله فأصاب بفعلته تلك إيناس بالنفور والضيق ..
ابتسم بتكلف وهو يصطحبها للداخل .. ورفع عينيه لېختلس النظرات نحو إيناس ليرى ردة فعلها .. فشعر بغصة قوية في نفسه .. وبآلم رهيب يجتاح صدره ..
لم يتصور أن يؤثر ما فعله على نفسه قبلها ..
بل إنه استحقر نفسه لدناءته ..
وعاتب نفسه بقسۏة لإيلامها .. فيكفيه تلك النظرات لمعرفة شعورها الداخلي ..
حافظ على ثبات ابتسامته وتحرك بها نحو الجميع فأفسحوا له المجال . وتراجعوا للخلف ..
أجلس باسل عروسه إلى جواره ونظر لها بفتور وضيق ..
فقد تعمدت تبديل فستان الخطبة بأخر غير الذي اتفقا عليه لتصدمه .. 
ولم يرد هو أن يحدث جدلا في هذا الوقت
الحرج .. فاكتفى بالعبوس ..
وقفت أمامه والدته لتحجب عنه وجه إيناس المصډوم .. وهنأت ابنها وخطيبته ..
تمتمت صفية بإستنكار وهي تميل برأسها ناحية زوجها 
وهي دي محتاجة تصريح للجواز يا ساتر يا رب !
شششش اسكتي يا صفية
همس بتلك العبارة اللواء محمد محذرا زوجته للمرة الأخيرة فامتثلت مضطرة لأمره ..
صفق الحاضرون للعروسين فيما عدا إيناس التي كانت في حالة صدمة ..
كانت تتخيل أن أخيها يمازحها بشأن تلك الخطيبة السمراء لكنه كان صادقا في وصفه لها ولم يبالغ ..
ما آلمها حقا أنه كان ېهينها بطريقة ټجرح الفؤاد والروح في وقت لم تفعل له أي شيء ..
لسنوات عانت من عقدته .. وكافحت لكي لا يؤثر هذا على أحلامها ..
ترقرقت العبرات في عينيها دون سبب محدد لمجرد التفكير في الأمر ..
وتساءلت مع نفسها بحسرة أتلك التي فضلها على جميع الفتيات الجميلات وفي نفس الوقت كان يحط من شأنها ويحقر من مظهرها ليدمر ثقتها بنفسها 
ألهذا الحد كان يبغضها ويريد أن يراها محطمة وهي لم تفعل له أي شيء ..
شعرت بالإختناق وبصعوبة في السيطرة على انفعالاتها .. 
فاستدارت برأسها باحثة عن الشرفة لتهرب من ذلك الجو الكئيب الذي ېخنقها أكثر .. وبالفعل وجدتها فتوجهت نحوها ..
مرت الأجواء هادئة في الخطبة وارتدى العروسين الخواتم .. 
مصمصت صفية شفتيها وهمست بإستهجان 
ايه اللي رماك الرمية السودة دي يا بني هو بنات البلد خلصوا عشان تجيب دي .. حسرة عليها أمك تلاقيها مفروسة من عمايلك !!!
نهرها زوجها عما تفعل قائلا 
كفاية تقطيم يا صفية هو احنا من بقية أهله ! ما يخطب ولا يتجوز اللي هو عاوزها 
ردت عليه بتهكم 
استغفر الله العظيم يا رب سامحني بس في أحسن من كده ! 
حذرها زوجها قائلا بصرامة 
مالكيش دعوة ! هو حر الله !!!!!!
لم يكن باسل راضيا عن الوضع .. فقد انكشف جزء كبير من ساقي خطيبته فمال عليها ليهمس لها باللغة الانجليزية 
من فضلك اجلسي بحرص أكبر 
نظرت له بضيق وردت بصوت خفيض 
ألا يعجبك ما ارتديه 
رد عليها بتهكم وهو عابس الوجه 
إنه جيد لكن في غرف النوم فقط وليس أمام عائلتي وأصدقائي 
نظرت له بقوة وهتفت بصرامة 
باسل لقد اتفقنا منذ البداية ألا تتدخل في اختياراتي !
لم يجبها واكتفى بالنظر شزرا إليها ثم أدار وجهه للناحية الأخرى فلم يجد إيناس بين الحاضرين ..
انقبض قلبه نوعا ما .. وجاب بنظراته المكان باحثا عنها .. وشعر بالإحباط لاختفائها ..
اقترب خالد منه وسأله مهتما 
شكلك مش مبسوط يا عريس 
رد عليه بفتور 
عادي !
ابتسم قائلا بمزاح 
واضح إن العروسة بدأت النكد بدري بدري 
حذره باسل قائلا بجدية وقد انعقد ما بين حاجبيه 
خالد أنا مش ناقص !
أشار له خالد
بعينيه وهتف بهدوء 
طيب اهدى بلاش العصبية ! 
قاطع حديثهما صوت ناتالي وهي تقول بنعومة 
باسل سأذهب للحظة !
اكتفى بالابتسام وهو يهز رأسه ايجابا .. بينما تركه خالد وابتعد ..
استغل هو فرصة نهوض ناتالي وذهابها للمرحاض لتهندم من نفسها لتستعد لالتقاط بعض الصور التذكارية لحفل الخطبة حتى يخرج للشرفة ويلتقط أنفاسه ..!!!
يتبع التالي
الفصل الثلاثون الجزء الثاني 
في منزل باسل سليم 
وضعت السيدة صفية في فمها قطعة من الجاتوه وابتلعتها على عجالة وهي تراقب العروس عن كثب ثم التفتت برأسها ناحية ابنها وسألته بفضول 
قولي يا حبيبي هي نانا خطيبة صاحبك دي غنية ومعاها فلوس 
رد عليها مسعد متساءلا باستغراب 
بتسألي ليه يا حاجة صفية 
أجابته بتبرم وهي تلوك ما تبقى من طعام في فمها 
أبوك مش مريحني ولا بيرد على أسئلتي !
لوى مسعد ثغره ليقول بصوت خاڤت للغاية 
ليه حق !!!
سألته مستفهمة بعد أن عجزت عن سماع ما قال 
بتقول ايه 
ابتسم لها بثقل وهو يجيبها 
ولا حاجة !
سألته بفضول وقد لمعت عيناها 
طب قولي هو ايه اللي جابر باسل عليها 
أجابها مسعد بتنهيدة منزعجة 
عادي ياماما واحدة شافها عجبته فقرر يخطبها !
هزت رأسها مستنكرة وأشارت بإصبعها وهي تقول محتجة 
لا مش مصدقة هي أكيد سحراله يا عملاله عمل !!!!
كز مسعد على أسنانه قائلا بتذمر 
بلاش الله يكرمك يا ماما جو الدجل ده 
تابعت صفية قائلة باستهجان 
ماهو لو أخدها عشان فلوسها يبقى يا حسرة مش هايطول حاجة وعلى رأي المثل يا واخد القرد على ماله يروح المال ويفضل القرد على حاله !!!!
ضړب مسعد مقدمة رأسه بيده بعد أن ضاق ذرعا بما تتفوه به والدته وهتف بضيق 
عشان خاطري مالناش دعوة !
أكملت صفية غير مكترثة بالإنزعاج البادي على وجه ابنها 
ماهو بالعقل كده هي لا مال ولا جمال يبقى خاطبها ليه 
وضع مسعد كلتا يديه على رأسه وتمتم بيأس جلي 
يا دماغي ! مش هنخلص النهاردة !!!!
..............................................
ولج باسل إلى الشرفة وهو يحمل في صدره ثقلا كبيرا و هما مزعجا ..
شعوره بعدم الرضا عما يحدث في الخطبة كان طاغيا عليه .. فلم يظهر عليه تعابير الفرحة كغيره ممن يخطبون ويتزوجون بشريكة حياتهم ..
تساءل مع نفسه بحيرة وهو ينفخ بإنزعاج هل تسرع فيما فعل أم كان يجب عليه التريث أولا قبل الإقدام على تلك الخطوة الهامة 
زفر بقوة وهو يرفع يده على رأسه ولكن قطع تساؤلاته تفاجئه برؤية إيناس بالشرفة وهي مولية إياه ظهرها ومحدقة أمامها وكأنها في عالم أخر .. فلم تشعر بوجوده ..
تسمر في مكانه ليتأملها بإمعان شديد .. فربما لن تتكرر تلك الفرصة يحدق بها دون مقاطعة ..
التوى فمه بإبتسامة ظاهرة وهو يرى تفاصيلها ..
لقد تغيرت حقا وصارت أنثى رشيقة القوام .. جذابة .. 
رفع حاجبه للأعلى في اعجاب وهو يخفض بصره بتريث ..
هي أصبحت أطول قليلا .. كانت أجمل مما مضى بالرغم من احتفاظها بأغلب ملامحها التي اعتاد رؤيتها عليها ..
ربما لأنه رأها الآن مثلما تمنى قبل سنوات .. ولأنها أصبحت أصلح لأن تكون زوجة أحدهم ..
زوجة لغيره ..
مجرد التفكير في الأمر أشعل به نيران الغيرة والڠضب ..
أيقن أن مشاعره نحوها لم يبدلها الزمن رغم انكاره لها ..
هو يحبها بل متيما بها وأخطأ فيما فعل بنفسه ..
استشعرت إيناس وجوده رغم عدم التفافها ..
فعبست