رواية جديدة


مشټعلة من الداخل .. 
فنيران كرهها له لم تهدأ بل كانت دوما مستعرة لكنها لم تظهر هذا لأحد .. حتى الأقرب إليها لم يشعروا بما كانت تعانيه ..
أوقف مسعد السيارة والټفت برأسه للجانب ليرمق جميع أفراد عائلته بنظرات شمولية وهو يقول 
انزلوا انتو هنا وأنا هاشوف راكنة قريبة للعربية واحصلكم
أشار له والده بيده وهو يقول 
طب ما تركن قصاد الجراج ده أو عندك عربية باسل محدش آآ...
قاطعه مسعد قائلا بجدية 
يا بابا مش عاوزين مشاكل مع حد خلينا نركن في أي حتة وخلاص مش هاتفرق كتير ..
رد عليه أبيه بصوت جامد 
اللي يريحك !
ثم أومىء برأسه لزوجته وهو يضيف 
يالا يا صفية تعالي يا إيناس 
أجابته زوجته قائلة بنبرة شبه مرهقة 
حاضر .. احنا مجناش هنا قبل كده هانعرف بيته ازاي ولا آآ...
قاطعها مسعد بهدوء 
إيناس جت معايا قبل كده مرة وعارفاه صح ولا نسيتي 
ردت عليه إيناس بتأفف 
أها ! مش ناسية مكانه
هتف اللواء محمد بنفاذ صبر 
طب انجزوا وبلاش عطلة اكتر من كده !
وبالفعل نزل الثلاثة من السيارة متجهين نحو مدخل البناية بينما تابعهم مسعد بنظراته حتى اختفوا بالداخل فتحرك بالسيارة باحثا عن مكان شاغر ليصفها فيه ..
لمح سيارة أخرى تأتي من الطرف المعاكس تحاول المرور فأزاح سيارته إلى أقصى الجانب ليعطي قائدها أكبر مساحة ممكنة لكي يمر دون أن يحدث أي تصادم بينهما أو احتكاك ..
ونجح في مسعاه ولكنه تفاجيء بشبحها يمر بجواره ..
فخفق قلبه بصورة مباغتة وتسارعت دقاته فجأة وتصلبت حواسه بالكامل للحظة ..
أفاق من صډمته القوية سريعا والټفت برأسه للجانب ليتأكد من صحة ما رأى ..
لقد كانت هي .. حبيبته سابين التي لم ينساها للحظة .. 
هي مرت من هنا وهو قد رأها بالفعل .. لم تكن وهما ولم يكن خيالا صوره له عقله .. بل كانت هي حقا ..
وما أكد شكوكه هو صوتها الذي يحفظه عن ظهر قلب واخترق أذنيه بقوة ليصيب أوتار قلبه وهي تشكره بنعومتها المميزة 
ثانكس !
حدق في سيارتها التي تبتعد رويدا رويدا عنه بنظرات مصډومة وفغر فمه في ذهول تام ..
لم يدر كيف أدار محرك سيارته واستدار بها بصورة عجيبة ليتمكن من اللحاق بها قبل أن تهرب منه للأبد ..
في منزل باسل سليم 
قرع اللواء محمد الجرس ووقف في المقدمة لينتظر
من يفتح الباب له ولعائلته ..
بعد أقل من دقيقة كانت الخادمة ترحب بالجميع وتشير
لهم بالدخول .. ولكن تعمدت إيناس التباطيء في الدخول وتعللت بإصلاح رباط حذائها ذي الكعب العالي كي تلج متأخرة ..
دخل اللواء محمد أولا واختطف نظرات سريعة في المكان من حوله ثم توجه بأنظاره نحو أصحاب المنزل الذين كانوا في انتظار وصول أخر المدعوين .. 
رسمت السيدة صفية على وجهها قناع المجاملة الذي تجيده في تلك النوعية من المناسبات .. وأطلقت زغرودة سعيدة وهي تطأ بأقدامها صالة المنزل لتلحق بزوجها فانتبه الجميع لها .. وخاصة باسل الذي بدا مضطربا على غير المعتاد .. 
ابتلع ريقه ونظم أنفاسه ليحافظ على ثباته الانفعالي في الوقت الحالي .. فلا حاجة به لرفع نسبة الأدرينالين في دمائه من شيء تافه .. هكذا ظل يردد لنفسه في صمت ..
تعجب خالد من تصرف تلك السيدة التي لا يعرفها بعد أن الټفت بجسده ناحيتها ليتفحصها بإهتمام ومال على أخيه ليسأله عن هويتها فأجابه باسل بخفوت 
دي أم مسعد صاحبي 
أضاف خالد بمزاح جاد 
واضح إنها جاية تعمل معاك الواجب ! 
أجابه باسل مبتسما بتصنع 
أصلها بتعزني أوي
هز خالد رأسه متفهما وهو يقول 
أها .. ده باين فعلا
حذره باسل بجدية 
اسكت بقى عشان جاية علينا 
اوكي 
هتفت صفية بنبرة فرحة وهي تشير بيديها في الهواء 
ألف مبروك يا باسل والله فرحنالك كلنا من قلبنا ربنا يتمملك على خير يا رب !
الله يخليكي يا طنط !
قالها باسل وهو ينهض عن الأريكة الواسعة التي كان يجلس عليها ومد يده لمصافحة السيدة صفية ولكنها جذبته بقوة لتقبله من وجنتيه بحرارة فهو بمثابة أخ ثان لابنها .. وتابعت بسعادة 
عقبال مسعد لما نفرح بيه زيك 
إن شاء الله 
رد هو عليها متراجعا بجسده للخلف بعد أن ادعى الابتسام ..
وتلقائيا بحثت عيناه عن إيناس لكنه لم يرها بعد .. فظن أنها رفضت الحضور فعبس وجهه قليلا وأصيب بالإحباط وظهرت في عينيه لمحات شبه حزينة ...
تحرك خالد من مكانه ليشعل سېجارا ليدخنه بعيدا عن الواقفين فاتجه نحو الخارج وقبل أن يشعلها بقداحته تشكل على تعابيره الهادئة علامات الإندهاش واتسعت حدقتيه في صدمة حينما رأى تلك الفتاة تقف على أعتاب منزله تتأمل هيئتها في المرآة الكبيرة المعلقة على الحائط ..
أرخى يده للأسفل وأعاد وضع القداحة في جيب سترته ثم رسم على وجهه الجدية واتجه نحوها بخطوات ثابتة ..
استدارت إيناس بجسدها لتجد ذلك الشاب الذي التقت به قبل يومين أمامه ففغرت شفتيها مصډومة وتسمرت في مكانها غير مصدقة أنه بالفعل أمامها ..
رمشت بعينيها عدة مرات لتتأكد أنها لا تتوهم رؤيته وصدقت شكوكها
حينما أردف قائلا بنبرة رخيمة 
أظن أنا مش جاي أعاكس ولا أفرض نفسي على حد انتي اللي جاية برجلك عندي !
قفز قلبها في قدميها من الصدمة
ووضعت يديها على شفتيها لتردد بتوتر رهيب 
إنت !
التوى ثغر خالد بإبتسامة شبه مغترة وأشار بذراعه في الهواء قائلا 
أهلا وسهلا بيكي في بيتنا المتواضع !
أنزلت يديها عن فمها وتلفتت حولها بعدم تصديق متساءلة 
ده .. ده بيتك !!!!
رد عليها بإيجاز وهو يقترب منها 
ايوه
أبعدت إيناس عينيها عنه وعقدت ما بين حاجبيها بإستغراب وتمتمت بصوت خفيض مع نفسها 
مش معقول 
رفعت رأسها لتنظر إليه عن قرب فأطال هو من نظراته الممعنة بها .. وظهر عليه الإهتمام بهيئتها الجميلة .. وزادت ابتسامته اتساعا وهو يضيف 
مممم.. مش بيقولوا الدنيا صغيرة ! 
مش ممكن !
لاحظ هو ذهولها الواضح في نظراتها إليه وتابع بصوت خفيض لكنه ثابت 
أعتقد إنك مش قادرة تستوعبي ده لسه ! أنا ممكن أوضحلك أكتر 
هتفت بشهقة عالية بعد أن توصلت للإستنتاج المؤكد 
معنى كده إنك انت .. آآ...
أنا ايه 
أشارت بسبابتها نحو صدره وهي تسأله بصرامة غريبة 
انت أخو باسل 
تعجب من أسلوبها المتحول وقطب جبينه مجيبا إياها بتساؤل أخر 
باسل ! هو انتي تعرفيه 
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترد قائلة بجدية 
اه يبقى صاحب أخويا مسعد
حرك خالد رأسه متفهما سبب وجودها في منزله ومع ذلك لم يشبع هذا فضوله لمعرفة كيف لم يتعرف إليها طالما هي أخت رفيق أخيها .. فسألها بإهتمام أكبر 
أها بس غريبة دي أول مرة أشوفك هنا 
نظرت له إيناس بنظرات حادة وردت عليه بحنق ظاهر في نبرتها بعد ان استشفت إشارة ضمنية منه لكونها سهلة المنال 
أكيد طبعا لازم تشوفني أول مرة ماهو أنا مش هاجي أزور أخوك يعني هو مش صاحبي أنا ولا أنا أعرفه أوي !
استشعر خالد الحرج مما قاله وتأكد من انزعاجها من سؤاله الغير دبلوماسي .. وظن أنه تسرع بل أخفق حينما ردد مثل تلك النوعية من الأسئلة التي لا تجوز خاصة في تلك المواقف والصدف الغريبة ..
احم .. سوري مقصدش انتي دايما متسرعة وبتفهميني غلط أنا
أقصد إن باسل مقاليش إنه يعرف بنات حلوين زيك 
لم تهتم هي بما قاله ونظرت له شزرا فتابع قائلا بحذر 
قصدي ان اخوات أصحابه جمال وشيك !
ردت هي بتأفف ظاهر بصورة جلية وهي تشيح بوجهها للجانب 
أها أبيه باسل
صدم خالد من اللقب وتمتم بلا
وعي 
أبيه !
أوضحت له إيناس مقصدها بإمتعاض 
أصل أنا بأعتبره زي أخويا الكبير !
رفع خالد يده على رأسه ليمررها سريعا بين خصلاته ثم ابتسم مازحا 
لا .. مش حلوة كلمة أبيه دي إنتي كده بتكبريني معاه يعني لو هو أبيه يبقى شوية وهاتقوليلي يا جدو خالد ولا ايه رأيك ينفع أبقى أنا جدو !!!
ضحكت إيناس مقهقهة على دعابته الأخيرة فأثارت بصوتها انتباه ذلك الذي كان يتحرك ناحية غرفة الضيوف ليستقبل عروسه التي أوشكت على الانتهاء من زينتها وتنتظر هناك .. 
توقف في مكانه وبدا كالصنم للحظة ..
حبس أنفاسه وتجمد كليا وهو يكاد لا يصدق وجودها ..
تأهبت حواسه مرة أخرى حينما علت ضحكتها المميزة واشټعل شيء ما به .. وظهر الوجوم الممزوج بالڠضب على تعابير وجهه ..
لم يشعر بقدميه وهما تتحركان نحو صاحبة الصوت المألوف..!!!!
يتبع التالي
الفصل التاسع والعشرون الجزء الثاني 
حاول مسعد اللحاق بتلك السيارة التي سمع منها صوت حبيبته المختفية منذ سنوات ..
لم يكن وهما أو سرابا كما قد يظن غيره بل هو متيقن تماما مما سمع ..
ولحسن حظه أن السيارة التي تقودها كانت سرعتها إلى حد ما بطيئة فتمكن من الاقتراب منها حتى أصبح مجاورا لها وسلط أنظاره بالكامل عليها نعم لقد كانت هي سابين هو لم ينس ليوم واحد ملامحها التي حفرت في ذاكرته ..
تسارعت دقات قلبه لرؤيتها .. وتجمدت تعابير وجهه حينما رأها تزيح خصلات شعرها ليظهر جانب وجهها بوضوح كامل ..
نعم هي هنا بالقاهرة ..
هي حقيقة ظاهرة أمامه .. 
هي حلم حياته الضائع ..
أفاق من تحديقه بها حينما رأى ما صډمه أكثر ..
اتسعت عيناه في ذهول كبير عندما وقعت أنظاره على تلك الطفلة الصغيرة التي تقفز بمرح بالمقعد الخلفي وتلوح بكف يدها له وكأنها تلقي عليه التحية ..
وقع قلبه في قدميه وزاد اتساع مقلتيه أكثر .. وانفرجت شفتيه پصدمة ..
في نفس التوقيت كانت سابين قد استدارت تلقائيا للجانب وهي تبتسم عفويا ... فرأته ..
تلاشت ابتسامتها فورا وصدمت بشدة وحل عليها التجهم والذهول .. وفي لمح البصر كانت تضغط على دواسة البنزين لتزيد من سرعة السيارة لتبتعد عنه ..
صړخ مسعد بإسمها عاليا يحمل القوة 
سابين !!!!!!
ولكنها نجحت في الفرار منه بحرفية تاركة إياه عالقا في إشارة مرورية .. 
ضړب بيده المقود بعصبية كبيرة لأنه فقدها .. لكن لم يغب عن ذاكرته التقاطه لثلاثة أرقام من لوحة سيارتها حتى وإن لم تكن كاملة وكذلك الحروف المطبوعة فوقها.. لكنها تعد طرف الخيط الذي سيوصله إليها ..
كز على أسنانه قائلا بإصرار عنيد 
مش هضيعك تاني مني هاعرف أوصلك حتى لو هربتي مني لأخر الدنيا !
.......................................
في منزل باسل سليم 
تحرك باسل نحو صاحبة الصوت الأنثوي المعروف وإن كان قد خمن هويتها قبل أن يراها إلا أنه لم يكن متأكدا من حضورها لحفل خطبته ..
اڼهارت عهوده ووعوده لنفسه بنسيانها وتجاوز تلك المرحلة من حياته بمجرد سماع ضحكتها التي استفزت مشاعره بشدة واثارت حنقه بل إنها ألهبت فؤاده ..
لم يظن أن يحدث به هذا وهو على وشك وضع خاتم خطبته في إصبع من اختارها شريكة حياته ..
سؤال لاح بقوة في عقله رغم انكاره له 
أيعقل أنه مازال يغير عليها حتى وإن كان على وشك الإرتباط بغيرها 
مش معقول !
قالها خالد وهو ينظر بإندهاش عجيب نحو إيناس