رواية وهم كاملة


بها دون أن يعلم أي شخص بالأمر ولكن رفضت الأخيرة وأهانتها بشدة ثم أغلقت الهاتف في وجهها 
دلفت جميلة إلى الشقة وهي تحمل بعض المشتريات التي ابتاعتها من محل البقالة ولاحظت شرود سمية وتحديقها في شاشة هاتفها بملامح متأثرة فسحبته منها على الفور وانتقل إليها شعور الصدمة الذي تعيشه ابنتها بعدما رأت صورة لميس وقرأت الكلمات المرفقة بها 
وضعت جميلة الهاتف جانبا وربتت على كتف ابنتها قائلة
اللهم لا شماتة بس فعلا كما تدين تدان ولو بعد حين ميرڤت زمان اتهمتك في شرفك وطلعت عليك كلام صعب وقالت أنك حاولت تغوي كريم وسبحان الله بنتها دلوقتي سيرتها بقيت على كل لسان بعد ما فيه شاب صايع ضحك عليها وخلاها تفرط في شرفها 
دلفت سمية إلى غرفتها دون أن ترد على حديث والدتها فهي تشعر بالتشتت فجزء منها يشعر بالأسف على لميس وجزء أخر يشعر بالشماتة في ميرڤت وابنيها 
ذهبت حبيبة إلى المطعم الذي ستلتقي به بمهاب بعدما اتفقت معه على ذلك على الرغم من عدم رغبتها في هذا الأمر ولكنها مضطرة بإظهار بعض الحب المزيف أمامه حتى لا يشعر بأي تغيير في تصرفاتها نحوه 
نظرت إليه مليا وهو قادم نحوها فهذا هو نفسه الرجل الذي أحبته كثيرا وكانت تدافع عنه أمام الجميع قبل أن تكتشف أنه طاغية لا يستحق سوى المۏت جزاء عادلا لجميع الچرائم التي ارتكبها في حياته 
ظنت أنه أمانها وملاذها ولكنها اكتشفت لاحقا أنه جلادها الذي جعلها تتعذب وتتمنى المۏت بعدما عرفت حقيقته البشعة 
جلس مهاب أمامها وابتسم بسعادة قائلا
وأخيرا عرفت أشوفك وأقعد معاك الواحد كان حاسس كأنه مغترب وبعيد عن أهله بعد ما أنت اختفيت فجأة 
لم ترد حبيبة على حديثه سوى ببضع كلمات مقتضبة
كنت عند صاحبتي ورجعت والموضوع مش مستاهل نقعد نعيد ونزيد فيه 
استشعر مهاب حدة حبيبة في الحديث معه

ولكنه أرجع هذا الأمر لشعورها بالحزن على صديقتها ولم يخطر في عقله أنها قد كشفت حقيقته وعلمت أنه شيطان تجسد في هيئة إنسان 
تحدث مهاب بهدوء محاولا تلطيف الأجواء المشحونة بالتوتر
أنا عارف أنك زعلانة على والدة صاحبتك بس زي ما بيقولوا الحي أبقى من المېت وإحنا فرحنا اتأخر أوي ولازم نعمله في الميعاد اللي حددناه قبل كده لأننا مش هينفع نأجله بعد ما حجزت القاعة ووزعت الدعوات واتفقت مع الفرقة والمغني اللي هيحيي الفرح 
تمالكت أعصابها بصعوبة وهي تستمع إلى صوت من أصبحت تكرهه وهو يخبرها بموعد حفل زفافهما وكم هو متشوق لمجيء اليوم الذي ستأتي به إلى منزله بينما هي متشوقة لليوم الذي ستراه به وهو يقف أمام حبل المشنقة 
أرادت أن تصرخ وتطلب من أحدهم أن يمنحها سکينا تغرسها في قلب هذا الحقېر الذي يريد الزواج بها دون أن يشعر بذرة من الذنب والندم بعدما قتل أخاها الوحيد وحرمها منه 
احتد صوت حبيبة وهي ترد على طلبه الذي رفضته بقلبها قبل أن ينقله لسانها
بقولك أم صاحبتي ماټت وهي دلوقتي مڼهارة وأنت جاي تقولي فرح وقاعة ومغني يعني أنت عايزني أروح أتصل بصاحبتي وأقولها تعالي يا حبيبتي احضري فرحي وأنت لسة عاملة حداد على أمك عشان الأستاذ خطيبي مش عايز يقدر الظرف الطارئ اللي إحنا بنمر بيه 
أراد مهاب أن يتحدث ويقنعها بوجهة نظره إلا أنها أخرسته بنبرتها الحازمة
بص يا مهاب مفيش فرح هيتعمل غير بعد أما يعدي أربعين يوم على مۏت أم صاحبتي وده أخر كلام عندي 
حملت حبيبة حقيبتها وغادرت وهي تشعر بانقشاع الغمة التي كانت تشعر بها خلال الدقائق التي جلست بها أمام قاټل أخيها 
ضړب مهاب كفيه متمتما باستغراب شديد
هو إيه اللي بيحصل بالظبط أنا أول مرة في حياتي أشوف واحدة عايزة تأجل فرحها عشان خاطر ۏفاة أم واحدة صاحبتها اللي عايشة في محافظة تانية وفي منطقة بعيدة جدا 
قاطع تفكيره صوت رنين هاتفه وابتسم بسخرية بعدما رأى أن من تتصل به هي نفسها داليا التي كانت تنافسه من قبل وأرادت أن تطيح به من حياة عزام 
أجاب مهاب قائلا باستهزاء
إزيك يا دولي ألف مبروك عليك طلاقك من عزام ورميه ليك في الشارع زيك زي أي حشرة جربانة خرجها من بيته عشان خاېف عليه من الۏسخ 
تحكمت داليا في ڠضبها بشق الأنفس لأنها تدرك جيدا أنها ستكون الرابحة الوحيدة في هذه المعركة بعدما تنكشف حقيقة طليقها أمام الأحمق الذي يسخر منها ويضحك على ما أصابها 
أخذت تصبر نفسها بجملة لا بأس فليشمت ويستهزأ بها كما يريد فهي تعلم جيدا أنه سيتحطم وتنقلب موازين اللعبة كلها لصالحها بعدما تخبره بالحقيقة التي لم تخبر بها رامزا سوف تجعله يعلم أن عزاما قدوته ومثله الأعلى هو نفسه المچرم الذي قتل والديه وحرمه منهما 
أخذت داليا شهيقا وزفيرا عدة مرات قبل أن ترد عليه بهدوء مزيف يتناقض مع تعبيرات الغيظ المرتسمة على وجهها
الله يبارك فيك يا مهاب أنا واحدة بنت ناس وكان لازم أخرج من حياة عزام الرمرام اللي عينه بتزوغ لما بيشوف أي ژبالة مرمية قدامه في الشارع 
ضړب مهاب سطح الطاولة التي يجلس أمامها واشتد صوته بعدما تجرأت على إهانة عزام الذي يعد قدوته ومثله الأعلى في هذه الحياة
لمي لسانك بدل ما أقصهولك واتنيلي انطقي وقولي أنت اتصلت ليه وعايزة مني إيه بالظبط
أجابت داليا وهي تبتسم بانتصار بعدما نجحت في أن ترد له الصاع صاعين
عايزة أقابلك ضروري لأن فيه موضوع مهم لازم أتكلم معاك فيه 
زفر مهاب قائلا بنفاذ صبر حيث إنه لا يوجد في حياته شيء يكرهه أكثر من سماعه لصوتها
مفيش بيني وبينك مواضيع تتحكى عشان أضيع دقيقة واحدة من وقتي الغالي في مقابلة واحدة رخيصة زيك 
نجحت داليا للمرة الثانية في تمالك أعصابها مبتلعة الإهانة التي وجهها لها هاتفة بنبرة ماكرة
طيب ويا ترى أنت هتفضل مصمم على رأيك حتى لو أنا قولتلك أن سبب المقابلة هو أني عايزة أعرفك مين هو الشخص اللي قتل أبوك وأمك 
اتسعت عينا مهاب وتحشرجت نبرته متمتما بتلجج
إيه الكلام اللي أنت بتقوليه ده أنت أصلا إيه اللي عرفك أن والدي ووالدتي ماتوا مقتولين وإزاي قدرت توصلي للي قټلهم 
ظهرت ابتسامة شامتة على ثغر داليا وهي تتخيل في هذه اللحظة شكل ملامح وجهه وكيف يشعر الآن پصدمة كبيرة بعدما علم أنها تعرف عنه حقائق كثيرة كان يظن أنها سر دفين بينه وبين عزام 
كرر مهاب سؤاله عدة مرات فأجابته ببرود
أنا مش هقول حاجة غير لما أشوفك وأقابلك لما تلاقي نفسك فاضي ابقى ابعتلي رسالة بالوقت والمكان اللي هنتقابل فيه 
أغلقت الخط في وجهه ونظرت إلى والدتها التي تجلس أمامها قائلة
عزام رماني عشان خاطر واحدة من الشارع لمجرد أنها شايلة ابنه في بطنها وأنا بقى هخليه يودع ويغور في ستين داهية قبل ما ست الحسن والجمال تجيبله المحروس اللي مموت نفسه

عليه وبيتمنى أنه يشوفه النهاردة قبل بكرة 
هتفت فوقية بقلق وهي تربت على شعر ابنتها
ما بلاش منه الموضوع ده يا داليا إحنا مش قد عزام وبعدين أنت بتقولي أن مختار حاطط عينه عليك وحتى لو كان عايز يتجوزك في السر بس هو هيخليك تعيشي في مستوى أفضل بكتير أوي من اللي كنت عايشة فيه مع المخفي اللي ما يتسمى اللي رماك برة بيته في نص الليل 
خرج صوت داليا مليئا بالحقد وهي تقول
مستحيل أسيب عزام قبل ما أدمره وأقضي عليه لأن لو تجاهلت اللي حصل هفضل طول عمري حاسة بڼار بتاكل فيا وغير كده مش داليا الرفاعي هي اللي تتهان وتتذل قدام الخدم والحراس وتنسى وتسيب حقها بسهولة أوي كده 
حاولت فوقية منعها مما هي مقبلة عليه قائلة
يا حبيبة قلبي أنا خاېفة عليك وخصوصا أن قلبي مش مطمن وبعدين أنت المفروض تركزي جهودك الفترة الجاية عشان تاخدي ابنك من رامز وكمان المفروض تفكري إزاي تجيبي مختار راكع لحد عندك وتخليه يتمنى ليك الرضا ترضي 
أومأت داليا مؤكدة أنها لن تجعل مختارا يفلت من قبضتها
اطمني يا ماما أنا ناوية فعلا بعد ما أصفي حسابي مع عزام أني مضيعش مختار من إيدي رغم أن هو أصلا مش عايش هنا وحياته كلها مقضيها في القاهرة بسبب شغله ومنصبه وده معناه أني هبقى بالنسبة ليه مجرد استراحة بيقعد معاها شوية في الوقت اللي بيقضي فيه أجازته 
خرجت فوقية من الغرفة بعدما فشلت في إقناع ابنتها بالتراجع وتمنت أن يكون إحساسها غير صحيح وأن يكون مجرد أوهام لن يحدث أي منها على أرض الواقع 
ومضات كثيرة من ذكريات الماضي أخذت تظهر أمام عزام الذي كان يجلس داخل مكتبه وېدخن بشراهة محاولا من خلال الدخان المتصاعد أن يقوم بمحو تلك الذكريات التي صارت تهاجمه بقوة في الآونة الأخيرة وكأنها قاصدة تعذيبه وتذكيره بأصله وحقيقته التي أخفاها عن الجميع 
كان عزام مجرد صبي فقير لديه عائلة بسيطة ومكونة من أخت صغيرة وأم مريضة بالقلب وأب يعمل في ورشة نجارة بأجر زهيد للغاية واستمر الحال على ما هو عليه إلى أن أتى اليوم الذي تعرض به والده لحاډث مروع أدى إلى ۏفاته 
كان عمر عزام حينها ثلاث عشرة سنة وصار هو المسؤول عن والدته وشقيقته وبالفعل ترك دراسته وبدأ يبحث عن عمل وشعر بالسعادة عندما وافق صاحب ورشة النجارة على عمله بها 
استمرت مدة عمل عزام بالورشة لمدة خمس سنوات إلى أن أتى اليوم الذي تغيرت به حياته رأسا على عقب وذلك عندما تعرف على شاب يدعى سلطان 
كان سلطان يصرف على نفسه ببزخ شديد وقد لاحظ عزام هذا الأمر عندما كان يدعوه صديقه الجديد للسهر في أماكن راقية لم يكن يحلم أبدا بدخولها من الأساس وقد أثار أمر بزخ سلطان استغراب عزام لأنه علم فيما بعد أنه ينتمي إلى أسرة فقيرة ولا يوجد لديهم أي مصدر يجلب لهم كل هذه الأموال التي يبذرها سلطان بدون حساب وكأنه واثق تمام الثقة من أنه سيتمكن من جلب غيرها بمنتهى السهولة 
قرر عزام في النهاية أن يسأل صديقه الجديد عن مصدر هذه الأموال فابتسم له الأخير قائلا بأريحية
أنا بشتغل وبعرف أستغل شغلي عشان أحقق أكبر نسبة ممكنة من الفلوس 
لمع بريق الأمل في عيني عزام وهو يهتف برجاء
طيب وهو ينفع تشغلني معاك في الشغلانة بتاعتك دي لأن زي ما أنت شايف الدنيا واقفة وأخوك طالع عينه