رواية شمس


على أن يتم ترحيله غدا إلى سرايا النيابه باكرا 
ثم أضاف بنبرة عاليه 
ياعسكرى خد المتهم ده ارميه فى الحبس بعد ماتعمله فيش 
تحولت ملامح مصطفى الغاضبة إلى أخرى قلقة خاصة بعد أن تم تكبيله من جديد قبل خروجه من غرفة التحقيق وما إن طل بجسده خارج الغرفة حتى أندفعت إليه شمس بلهفة وأعينها مغطاه بالدموع تظهر عليها علامات الإنهيار قائله 
مصطفى طمنى حصل إيه 
تدخل العسكرى يمنعها من الأقتراب منه قائلا 
ممنوع يامدام 
تسائلت شمس بجزع من بين دموعها محدثة زوجها
ممنوع إيه أنت مش هتروح معايا 
مصطفى بتوتر اثناء سيره برفقه العسكرى
هيعرضونى على النيابه بكره لازم تشوفيلى محامى كويس يحضر معايا التحقيق ومش عاوز حد خالص يعرف اللى بيحصل ده بأى شكل من الأشكال الصحافة لو شمت خبر مش هيسكتوا
شمس بعدم تصديق 
تحقيق إيه ونيابة إيه أنت إيه علاقتك بقټلها 
ارتفع صوت مصطفى وهو يبتعد 
مش عارف حاجه بس انا مليش علاقة باللى حصل متنسيش المحامى بكره بدرى 
سرعان ماأختفى جسده وتلاشى صوته وسط ذلك الزحام بينما ظلت هى مكانها لعده دقائق تحاول إستيعاب مايحدث قبل أن تمسح وجهها بكفيها كى تستطيع التفكير وتقرر المغادرة للبحث عن محامى يساعدها فى إدراك مايجرى لكن من أين لها الحصول على محامى فى مثل هذا الوقت وبتلك السرعة فهى ليست لديها أدنى فكرة عن تلك الأمور وكيفية التصرف فيها وبعد كثير من التفكير لم تجد مفرا من الإستعانه به هو منقذها الدائم وملجأها الأول فى كل الأزمات 
فى ممر معتم بلا منفذ للتهوية تقريبا وعلى أرض أسمنتية يفوح منها روائح عفنة لبقايا أطعمة وقمامه ملقاه فى جميع الزوايا يعبث بها مختلف أنواع الحشرات الزاحفة بحثا عن قوت يومهم ووحدة إضاءة متأرجحة خاڤتة ترمى بظلالها على الحوائط الأسمنتية الداكنة التى يملؤها رسومات طباشيرية وأسماء متعددة لمعتادى الإجرام وكأنهم يؤرخون مرورهم بهذا المكان القذر من قبل
جلس مصطفى يإنكماش فوق إحدى الدكك الخشبية بعد أن ألقى به العسكرى بالداخل قائلا
حظك حلو الحبس فاضى النهارده
مسح مصطفى المكان بعينيه سريعا قيل أن يدرك أن عدد الأشخاص لا يقل عن أثنى عشر رجلا يقبعون جميعا داخل غرفة مغلقة لاتزيد عن ثلاثه أمتار طولا وعرضا مقتطع جزءا منها كحمام بلدى تنفذ رائحته الكريهة لتملأ المكان بينما فى أعلى إحدى الحوائط ظهر مصدر التهوية الوحيد نافذة حديدية صغيرة تقوم بتجديد الهواء على إستحياء
زاد إنكماشه فوق الدكة الخشبية متجنبا تلامس أولئك الأشخاص بجواره والذين غطوا فى نوم عميق فلم يشعروا بوجوده إلى الآن 
زفر بضيق بعدما فشل فى إستنشاق هواء نظيف يساعده على التفكير بشكل سليم فما كان منه سوى أن غطى أنفه وفمه بملابسه المعطره عله يخفف من وطأ تلك الرائحة البغيضة وبقى على تلك الحال حتى بزوغ أولى خيوط الفجر حين سيطر عليه التعب وخانته عيناه من فرط إرهاقهما فغفا دون أن يشعر ولم يستيقظ سوى على صوت أجش يستحثه على النهوض 
بعد عدة ساعات فى تمام التاسعة صباحا 
وقف مصطفى بجسد متهالك خارج غرفة النائب العام فى إنتظار بدىء التحقيق عندما لاحت زوجته
من بعيد تهرول إليه بصحبة شخصين تبين هو أحدهما على الفور والذى لم يكن سوى اسامة
أقتربت شمس من زوجها بلهفة وبحوزتها بعض العصائر والمأكولات الساخنة قائلة 
مصطفى حبيبى عامل إيه 
مدت ذراعها إليه مضيفة بجذع 
خد كل أى حاجه قبل ماتدخل انت من إمبارح مأكلتش 
مصطفى بعصبية واضحة وعيناه مثبتتان على اسامة 
عاوز سجاير 
ظهرت علامات الخيبة على وجه الزوجة قائلة 
نسيت أجيبلك طيب هطلع بسرعة أجيب من أى مكان
استوقفها المحامى قائلا بعد أن أخرج علبه سجائره الخاصة 
ملوش لزوم أتفضل ياأستاذ مصطفى
شمس معلقة 
نسيت أعرفك يامصطفى أستاذ أيمن جادالله المحامى 
أومأ مصطفى برأسه محييا بينما علق أيمن بجدية 
تقدر تلخصلى الموضوع بسرعه قبل ماندخل 
تطلع مصطفى من جديد إلى أسامه الواقف على بعد عده أمتار منه قائلا وهو يشعل سيجارته 
فى واحده اسمها آلاء مختفيه ومتهمنى بقټلها بعد ماأخوها جه قدم بلاغ ضدى 
أيمن بجديه 
هل فى أى دلائل على اتهامه ده 
مصطفى بإستخفاف 
مجرد كلام مرسل وحتى أصلا مفيش چثة عشان يبقى فى إتهام پالقتل 
شمس مضيفة 
ده هى آلاء دى اللى كانت بتطارده اصلا وكانت مريضة نفسية لازم تقولهم على اللى عملته بامصطفى 
أومأ مصطفى برأسه دون أن يتحدث نافثا دخان سيجارته بعصبيه قبل أن يقول أيمن مطمأنا 
إن شاء الله خير وتروح معانا النهارده
شمس بلهفة 
بجد يامتر ريما يطمنك يارب 
لم تمر دقائق حتى أختفى مصطفى وأيمن داخل غرفة النائب العام بعد أن رمق الأول أسامة بنظرة طويله تشوبها علامات الحقد والغيرة والتى أستقبلها أسامه بلا مبالاه وتحد حيث توجه بخطوات ثابته إلى حيث تقف شمس على مرأى من مصطفى قبل أن تغلق أبواب الغرفة
أحمر وجه مصطفى ڠضبا وأنشغل عقله بما يدور بالخارج بين شمس وأسامة قبل أن يلكزه محاميه برفق قائلا 
أستاذ مصطفى 
أنتبه أخيرا إلى صوت محاميه والذى تلاه قول وكيل النيابه 
أتفضلوا أقعدوا
تتابع مجرى الحديث بين ثلاثتهم بشكل سلس حيث أكد مصطفى اقواله السابقة بأن آلاء كانت مجرد معجبة تقوم بملاحقته فى كل مكان وهو كان يحاول التهرب منها طوال الوقت
وكيل النيابة 
أمتى آخر مره شوفت المجنى عليها 
أمتنع مصطفى عن الإجابة فتدخل أيمن قائلا بعدما لاحظ تحفظ موكله 
بعد أذن حضرتك بس الموضوع مش واضح لموكلى هل احنا هنا بنتكلم عن قضيه إختفاء ولا قضيه قتل 
وكيل النيابة 
مبدأيا إختفاء 
أيمن 
طب أقدر أفهم موكلى إيه علاقته بإختفائها وليه هو متهم 
وكيل النيابة بحذر موجها نظراته إلى مصطفى 
طب يامتر مش لما موكلك يجاوب الأول آخر مره شافها امتى عشان نقدر نحدد علاقته مع العلم أننا عملنا تحرياتنا يعنى يخلى باله من أى كلمه يقولها مش فى محلها متكونش فى صالحه أحنا عاوزين الحقيقة 
أومأ أيمن برأسه إلى مصطفى مطمئنا لكن ذلك الأخير أستغرق عدة ثوان قبل أن يتحدث قائلا بتردد 
آخر مره شوفتها من أسبوع جاتلى البيت وأخدتها ونزلنا 
وكيل النيابة متسائلا 
تحرياتنا بتقول أن كان فى أصوات شجار خفيف من على السلم وفيه كلمات زى هفضحك وهبين للناس حقيقتك وبعديها بدقايق
خرجت أنت وهى ركبتوا العربيه وأنت كان باين على وشك علامات الڠضب إيه سببب الشجار ! وروحتوا فين !
أبتلع مصطفى لعابه عدة مرات قبل أن يجيب
هو فعلا أحنا شدينا مع بعض عشان هى جاتلى البيت وكنت خاېف مراتى تشوفها ولما ركبنا العربيه حاولت أهديها شويه وبعد كده نزلتها أقرب مكان لبيتها 
أراح وكيل النيابة جسده على مقعده المتحرك متسائلا بنبرة تحذره من الكذب تلك المرة 
هسألك تانى إيه طبيعة العلاقه بينكوا وياريت تجاوب بصراحة 
مصطفى 
زى ماقولت لحضرتك هى كانت معجبه بيا وفهمت إهتمامى بيها أنه حب ولما أتجوزت من كام شهر بدأت تطاردنى 
قام وكيل النيابة بفتح جهاز اللاب توب بجواره قائلا وعيناه مثبتتان على الشاشة أمامه 
بس اللاب توب بتاعها ده اللى عليه محادثتكوا مع بعض مبيقولش أنه كان إعجاب من طرف واحد بالعكس ده انت اللى كنت بتشجعها على إستمرار علاقتكوا وانت اللى صارحتها بإعجابك الأول 
مصطفى بتلعثم وهو يتأمل ذلك الجهاز بتشكك 
لا هو كان مجرد إعجاب بكتاباتها وشخصيتها مش أكتر وهى اللى فسرته غلط 
اومأ وكيل النيابه برأسه قائلا بسخرية 
وكلام زى أنا اتعودت أكلمك كل يوم وبقيتى واخده مساحه كبيره من حياتى من غير مااحس محتاجين نتقابل
ملامحك وحشتنى ده
بردو هى فسرته غلط 
لم يجد مصطفى مبررا لتلك الكلمات فأجاب بعصببة 
حتى لو كان بينى وبينها علاقه فده كان من وقت كبير وكل حاجه انتهت من قبل مااتجوز 
وكيل النيابه 
بس الواضح قدامى أن العلاقه دى بدأت ترجع تانى من كام اسبوع ورسايلك ليها واضحه 
وحشتينى عاوز اشوفك محتاجك جمبى أنا مبقتش طايق مراتى وبعتها بيت اهلها وعاوز اطلقها مفيش غيرك اللى فهمتينى وحسيتى بيا 
وهى اللى كانت بتتجاهلك لحد ماردت عليك قبل اختفائها بيوم واتفقتوا أنكوا تتقابلوا فى المقطم 
قطب مصطفى مابين حاجبيه مستنكرا 
الكلام ده كله محصلش
قام وكيل النيابة بتوجيه شاشة اللاب توب إليه قائلا 
مش ده الاكونت بتاعك وده كلامكوا القديم 
هز مصطفى رأسه موافقا
آه بس
ثم أستدرك بقلة حيلة
أنا مكلمتهاش تانى ومقولتلهاش نتقابل وبعدين ماأنتوا أتاكدتوا انها جاتلى البيت وانا اخدتها ونزلت يعنى لو عاطيها ميعاد ليه هتجيلى وانا هقابلها فى مكان تانى 
وكيل النيابة بجدية 
مايمكن ده سبب الشجار أنها جاتلك البيت وأكتشفت وجود مراتك وانك كنت بتكدب عليها فقررت تفضحك وساعتها جه فى بالك تاخدها المقطم وټقتلها 
أجاب مصطفى بحدة وهو على وشك الأنهيار
محصلش أنا وصلتها عند بيتها 
وكيل النيابه بهدوء
وصلتها عند بيتها ولا مكان قريب لبيتها 
مصطفى بتردد
آه قريب من بيتها مش فاكر مش فاكر
وكيل النيابة بإستفزاز 
يعنى مروحتش المقطم اليوم ده
مصطفى بتحد دون تفكير 
لا 
وكيل النيابة بإصرار 
بس الرادار مسجل نمر عربيتك اليوم ده وأنت فى طريقك للمقطم رايح جاى 
مصطفى بتلعثم 
انا أنا كنت 
لم يعطه وكيل النيابه فرصة للتفكير فلاحقه قائلا 
قټلتها ليه عشان متفضحكش قدام مراتك ولا فى سبب تانى 
مصطفى بصياح
مقتلتهاش فين الچثه عشان تتهمنى پالقتل مفيش چثة مفيش چثة
فى تلك اللحظه أرتفعت الطرقات على باب الغرفة وتقدم إحدى معاونى المباحث قائلا
تمام يافندم لقينا الچثه 
الفصل الثلاثون
أنهمرت قطرات المطر ببطىء على الطريق الرمادى الهادىء الخالى من الماره أو السيارات والمؤدى إلى المقطم حيث تلبدت السماء بالغيوم منذرة بعاصفة شتوية ثقيلة وعم الظلام الدامس أرجاء الطريق إلا من ضوء خفيف ينبعث من كشاف سيارة مسرعة تعمل مساحاتها الأمامية على عجل لتمحى المتبقى من قطرات حبات المطر المصطدمة بزجاجها 
تسلل الرذاذ الخفيف إلى وجوه مستقلى السيارة والذين علا وجوههم علامات التوتر والقلق البالغ بعد صمت ساد لأكثر من نصف الساعة حيث قطعه السائق قائلا 
الجو شكله هيقلب جامد أنا بقول نرجع أحسن ونقعد نتكلم فى أى مكان مقفول 
أجابته الجالسه بجواره دون تفكير 
إيه خاېف 
مصطفى بإستغراب 
أخاف من إيه انتى اللى المفروض تقلقى 
لاحت شبه إبتسامه ساخرة أعلى شفتيها ميزها هو بصعوبه على إثر الإضاءة الخافته داخل السيارة قبل أن تلتزم هى الصمت بعدها حتى وصلا إلى وجهتيهما 
توقفت السيارة عن الحركة وسلطت كشافاتها المضيئة بقوة على بقعة ما أمامها فترجلت آلاء من مكانها بهدوء عقب توقف المطر وتلفحت بوشاحها الأحمر الصوفى قبل أن تولى السيارة ظهرها متأملة ذلك الفراغ المعتم من أمامها أثناء وقوفها على تلك الأرض الصخرية الغير مستوية والمبتلة من إثر
الأمطار فى إنتظار خروج مصطفى إليها 
بعد عدة لحظات ليست يالقليلة غادر مصطفى مقعده لينضم إليها مفكرا فيما تريده منه ولما ذلك الإصرار الغريب للتواجد فى هذا المكان فى مثل هذا الوقت 
لاح بمظهر نجوم السينما الأمريكية وهو يقترب منها بجسده الفارع المتناسق ومنكبيه العريضتين فى هذا المعطف الصوفى الباهظ وشعيراته المختلطة بالشيب من الوراء والتى تجلت بقوة على ضوء سيارته بعد أن أبتعد عنها عدة أمتار