رواية شمس


قبل أن يستقر بجوار تلك الواقفة أدخل يديه بشموخ داخل جيبى معطفه الدافئ فبدا مثل زعماء الماڤيا الذين على وشك عقد صفقة ما أو رجال المخابرات الحريصون على عدم كشف هويتهم أثناء تبادلهم أسرار الدولة العظمى خاصة وهو يقول بعد أن أخرج يديه من جديد لإشعال سيجارته دون أن ينظر إليها 
أعتقد تقدرى تتكلمى هنا 
جائه صوتها ضعيفا مهتزا وكأن الرياح أبتلعته وهى تقول 
فاكر لما كنا بنيجى هنا أول ماعرفنا بعض 
نفث مصطفى أولى أنفاسه قائلا بتأفف 
أكيد مش جيبانا هنا عشان نسترجع الذكريات فى الوقت ده
أبتسمت بسخرية قبل أن تجيبه وهى تربت على ذراعيها لتدفئتهما متجاهلة تعليقه 
كنا فى الربيع ساعات كنا بنيجى من العصر عشان نشوف الغروب من عربيتك وساعات بنيجى بليل نقعد هنا ونتكلم لحد مانزهق 
صمتت قليلا قبل أن تضيف 
كان الجو بيبقى دافى وفيه دايما نسمة خفيفة بريحة الورود بتهل علينا كل شوية وبليل ساعات لما كنت بحس بسنة برد بلاقى الجاكت بتاعك على كتافى ساعتها كنت ببصلك بهيام وبفكر قد إيه أنت إنسان حساس ورومانسى بتحس بيا من غير حتى ماأتكلم 
كان نفسى أوى آجى معاك هنا فى الوقت ده 
عارف إنى ياما أتخيلت حياتنا مع بعض فى الشتا وإحنا فى بيت واحد زى ماوعدتنى قبل كده وحبيتها أوى حبيت بيتنا وعيالنا وحياتنا وخروجاتنا حتى خناقتنا حبيتها حبيت الدنيا اللى رسمتها فى خيالى معاك 
ثبت مصطفى عينيه على إحدى النجمات التى لاحت من بعيد قائلا 
هتفوقى امتى من الوهم اللى انتى فيه إحنا عمرنا ماهنكون مع بعض 
لمعت مقلتيها فى الظلام معلنة عن إمتلائها بالدمعات قبل أن تقول پقهر 
سيبنى احلم ياأخى حتى الحلم مستكتره عليا 
أختفت تلك النجمة التى يراقبها فأخذ يبحث عن غيرها وهو يقول أثناء نفث دخانه 
لازم تفوقى من حلمك ده ياآلاء ياإما هتقعى على جدور رقبتك ومش هتلاقى حد يلحقك 
تصلبت مقلتيها على الفراغ من أمامها متسائلة بجدية 
تفتكر لو نطيت من هنا هاخد وقت قد إيه عشان أوصل للأرض 
مصطفى بلامبالاه وهو يدهس ماتبقى من سيجارته أسفل حذائه عندما أصطدمت إحدى قطرات المياه بوجهه 
دى تسألى فيها مدرس فيزيا إنما أنا معنديش وقت للأفتراضات لو عاوزة تعرفى الوقت نطى وإحسبيها أنتى 
آلاء بهدوء متجاهلة قطرات المياة التى بدأت بالإزدياد 
هتزعل عليا لو مت 
لم يجد لسؤالها معنى فولاها ظهره متجها إلى سيارته وهو يقول 
هزعل عليكى لو مبطلتيش الجنان اللى انتى فيه أظن كفاية كده ويلا بينا عشان الدنيا
بدأت تمطر من تانى 
لم تجيبه فأستقل سيارته يحتمى بها من حبات المطر التى بدأت بالتسارع دون إنذار وأغرقت وجهه ألتقط منديلا ورقيا يمسحه به قبل أن ينظر من واجهة سيارته الزجاجيه إلى بقعة الضوء أمامه حيث تقف آلاء
ألتفتت إليه ورآها تتقدم إلى الأمام ببطىء ممسكه بشئ اسود اللون حاول تضييق عينيه عله يستطيع تبين ماتحمله لكن أتسعت عيناه عند رؤيتها تقوم بتوجيهه إلى قلبها وعند إدراكه ماهى مقدمة على فعله وقبل تفوهه بكلمة صدح ذلك الصوت القوى فى الأرجاء وخرت هى صريعة فى الحال 
غادر سيارته إليها محاولا مساعدتها لكنها أشارت إليه بالرحيل قبل أن تلفظ ماتبقى من أنفاسها وتتحجر عيناها على الفراغ 
تلفت حوله يمنة ويسارا باحثا عن أى شخص يقوم بمساعدته لكنه لم يجد سوى الظلام أخرج هاتفه للإتصال بالإسعاف لكن قبل أن يضغط زر الإتصال حدثته نفسه
ما الجدوى من ذلك ! فقد لفظت أنفاسها الأخيرة ولن يفيدها قدوم النجدة الآن بل على العكس هو من سيرتبط إسمه بإنتحارها وسيتلطخ تاريخه ومستقبله بما حدث
لا يعلم أحد بوجوده برفقتها لذا يجب عليه الهرب وحتما فى الصباح سيجدها أحدهم نعم ذلك هو القرار الصائب فليعود إلى منزله فى الحال 
فى تلك الثوان وأثناء تفكيره أبتل معطفه بأكمله وتلطخت أطرافه بقطع الطين بعد إحتكاكها بالأرض الصخرية المبتلة من تحته توجه إلى سيارته من جديد بأيد مرتعشة وقام بالإبتعاد إلى الطريق الرئيسى عندما بدأ الإعصار فى الإشتداد وأخذ
عقله فى التفكير بطريقة متضاربة مفكرا ماذا لو أنها لازالت على قيد الحياة !! بإمكانه مساعدتها
لكن تصلب عيناها يؤكد ۏفاتها ويجب عليه الآن القلق على مصيره هو فهو لن يسمح بأى شىء يقوم بتعطيله على ماهو مقدم عليه 
هى اللى قررت تنهى حياتها بإيديها أنا مليش ذنب 
صدرت تلك الكلمات من شفتى مصطفى بطريقة حادة ردا على سؤال وكيل النيابة
أفرض كانت لسه عايشة ليه مساعدتهاش! 
أضاف مصطفى بتوتر
كنت خاېف أبقى هنا وتتهمونى بقټلها كنت بحمى إسمى وسمعتى 
وكيل النيابة بتهكم 
وياترى إسمك وسمعتك اللى منعوك من إنقاذ روح أخبارهم إيه دلوقتى 
مصطفى بتحفز 
انت ليه بتتعامل على إنها كانت لسه عايشة فعلا 
وكيل النيابة بهدوء 
ده اللى هيكشفه تقرير الطب الشرعى أما يفحص الچثة وكمان يفحص هدومك اللى كانت رايحة الدراى كلين 
وجه ايمن إعتراضه قائلا 
أعتقد أنه مصدرش أمر لتفتيش الشقة وغير قانونى مصادره ملابس موكلى بدون إذن تفتيش 
وكيل النيابة بحذر 
ومين قال إن الشقه اتفتشت ملابس موكلك أتسلمت للظابط بالصدفة البحتة واللى من حقه أنه لو شك فى حاجه يتحفظ عليها لمعاينتها
إنما دلوقتى هيصدر أمر بتفتيش الشقة والعربيه وكل حاجه تخص موكلك 
ثم اشار موجها كلماته لكاتب المحضر 
أكتب يابنى قررنا نحن وكيل نيابه حبس المتهم مصطفى ابو حجر أربعة أيام على ذمة التحقيق لحين الإنتهاء من الفحص الأولى للطب الشرعى 
أنت كنت معاها فعلا يامصطفى
جلست شمس فى المقعد المقابل له بغرفة وكيل النيابة متسائلة پقهر ونظراتها مثبته عليه بينما أشاح هو بوجهه عنها عدة لحظات قبل أن يجيبها بصدق ناظرا إلى الأسفل
أنا مقتلتهاش 
شمس بحسرة ودمعاتها تنفلت من مقلتيها 
كام مره كنت بتقولى نازل عشان الشغل وبتروح تقابلها أنت فعلا كنت ناوى تطلقنى 
أقترب مصطفى منها بجزعه العلوى ممسكا يديها بقوة قائلا پخوف
محصلش والله مافى حاجه من دى حصلت أنا مكلمتهاش ولا بعتلها رسايل ولا كنت بقابلها 
أفلتت شمس يداها من كفيه قائلة بعدم تصديق 
اومال الرسايل اللى منك مين اللى كان بيبعتها!
أراح مصطفى جسده على المقعد من ورائه قائلا بتفكير
معرفش بس أنا مش مستبعد انها ممكن تكون هكرت حسابى وعملت كده عشان تثبت الچريمة عليا وټنتقم منى 
أرتفعت ضحكة شمس الساخرة قائلة وهى تغادر مقعدها 
وموتت نفسها كمان عشان ټنتقم منك
ضحت بحياتها عشان ټنتقم منك للدرجادى كانت بتحبك للدرجادى كنت معشمها 
مصطفى نافيا
محصلش دى مچنونة زى ماقولتلك قبل كده والدليل اللى عملته ده
همت شمس بالمغادرة قبل أن تقول بإنكسار 
لسه هتقول نفس الكلام تانى متصور إنى هصدقك تانى !! المحامى قالى على كل اللى حصل
أنت فعلا كنت على علاقة معاها قبل ماتعرفنى مش هى اللى بيتهيألها كده زى ماكنت مفهمنى وده وش تانى من
وشوشك كنت مخبيه عليا 
أمسك مصطفى ذراعها يمنعها من المغادرة قائلا بلهجة أشبه للرجاء
شمس لازم تصدقينى والله ماقتلتها أنا بحبك انتى ومحبتش حد غيرك مكنتش أقصد أى كلمه قولتهالك قبل كده أنا بس كنت عاوز أحافظ عليكى مكنتش عاوزك تبعدى عنى إنما عمرى ماكنت هنفذ كلمة واحده من اللى قولتها أرجوكى خليكى معايا 
بدا وكأن قلبها رق إليه من جديد فقالت من بين دمعاتها المنهمرة رغما عنها
عارف كان نفسى أبقى زيك بس للأسف مش هقدر أسيبك 
انفرجت أسارير مصطفى قائلا بأمل 
يعنى مصدقانى 
هزت شمس رأسها بأسى قائلة 
المشكلة إنى مصدقاك وعارفة أنك مقتلتش 
أقترب منها قائلا
أوعدك
اول ماأطلع من هنا هعوضك عن كل حاجه حصلت بس أرجوكى خليكى معايا
أقتربت منه شمس هى الأخرى قائلة بتصميم 
متقلقش هطلعك من هنا بأى طريقة
مصطفى بخفوت
شمس لسه بتحبينى
شمس بإبتسامة حزينة
لما تطلع من هنا هتعرف الإجابة لوحدك 
ثم استطردت بعد أن قامت بمسح دمعاتها
صحيح نسيت أقولك فتشوا البيت من يومين وخدوا موبايلك وفتشوا العربية 
مصطفى بتفاؤل
إن شاء الله تقرير الطب الشرعى هيثبت برائتى بس كل اللى خاېف منه الخبر يوصل للصحافة 
أبتلعت شمس لعابها عدة مرات قبل أن تجيبه بتردد
كده كده كان مسيرهم هيعرفوا يامصطفى أنت بقالك ٣ ايام فى النيابة 
مصطفى بشك 
تقصدى إيه ! 
شمس بحزن
للأسف الخبر وصل السوشيال ميديا والصحافة 
مصطفى پغضب
كاتبين إيه ! قايلين إنى قټلتها !
شمس 
أنا حاولت أنفى الخبر بس للأسف أنت عارف الصحف الصفرا ومواقع النت واللى بيتكتب فيها
مصطفى بإستغراب 
طب وشركه الإنتاج ! محدش طلع منها ينفى الخبر أو يوضح صلتى بالقضية !
هزت شمس رأسها نافيه فأجاب مصطفى پغضب 
عاوزك تجيبيلى لينا هنا لازم تقوليلها تجيلى
حاولت شمس تهدأته إلا أنه زاد من ثورته قائلا بنبره تشبه الإتهام 
طبعا تلاقى ابن عمتك ضاغط عليهم عشان محدش يتدخل إنما انا مش هسكت 
شمس بهدوء 
أسامة ملوش دعوه يامصطفى أنا روحتلها بنفسى 
مصطفى بعدم تصديق
روحتيلها ! وقالتلك إيه 
هزت شمس رأسها موضحة
قالتلى انها مينفعش تتدخل فى الموضوع ده عشان سمعتها وسمعة أبوها
مصطفى بسخرية 
سمعتها بنت ال دلوقتى خاېفة على سمعتها اللى على كل لسان إنما انا اللى غلطان من الأول إنى عملت قيمة لبنت ال 
ربتت شمس على كتفه من ورائه قائلة
أنا معاك متشيلش هم حاجه 
ألتفت إليها وأمسك بيدها مقربا إياها إلى شفتيه يلثمها بإمتنان وبدا للحظه كأنه سيجثو على ركبتيه متوسلا إليها لعدم التخلى عنه لكن منعه كبرياؤه فى اللحظة الأخيرة قائلا بإحتياج حقيقى
أنا مبقتش عاوز غير إنك تسامحينى أرجوكى
هزت شمس رأسها بتفهم قبل أن تقول مغادرة 
أنا لازم أمشى متقلقش من حاجة 
ما إن أغلقت باب غرفة وكيل النيابة من ورائها عقب مغادرتها حتى تهاوى هو بجسده على مقعده السابق ناعيا نفسه وماوصل إليه حاله فقد تخلى عنه الجميع إلا هى خذله كل من يعرفه سواها رغم تساقط أوجهه المزيفة أمامها إلا إنها لازالت تهتم لأمره وتحبه ! 
ترى هل لازالت تحبه !
فى اليوم التالى أمتثل مصطفى بصحبه محاميه
أمام وكيل النيابة من جديد بعد ظهور النتائج الأولية لتحليل الطب الشرعى 
جلس المتهم بتوتر يراقب الإنفعالات الصامتة لوجه وكيل النيابة والتى لم تنذر بالخير وبعد عدة دقائق أنهمك فيهم ذلك الأخير بمراجعة الأوراق الموضوعة أمامه المجاورة لعدة اكياس بلاستيكية شفافة تحتوى على بعض الأشياء الغير واضحة أمر الكاتب جواره بفتح المحضر قبل أن يقوم بإستجواب مصطفى قائلا 
التحقيق اللى فات انت أعترفت بإن آلاء قټلت نفسها بمسدسها ده صحيح ! 
مصطفى بتردد
فعلا بس أنا معرفش إذا كان مسدسها ولا لا 
وكيل النيابة بنظرات حادة 
تقدر توصفلى من تانى بالتفصيل الچريمة وقعت إزاى ! 
لاحت علامات التركيز الشديد على وجه مصطفى قبل أن يجيبه
وصلنا المقطم ووقفنا نتكلم شوية وبعد كده أنا ركبت العربية وكنت مستنيها تيجى تركب فضلت واقفة شوية وبعد كده لفت وقربت ناحية العربية بس فجأة وقفت ولقيتها ماسكة مسډس أسود وضړبت نفسها بيه فى قلبها 
وكيل النيابة
كمل وبعدين 
مصطفى بتوتر محاولا إستجماع شتات أمره
وبعد كده أنا نزلت أشوفها وقربت منها لقيتها ماټت طلعت الموبايل حاولت أطلب الإسعاف بس غيرت رأيى وركبت