رواية (أذناب الماضي) بقلم روز أمين - الفصول الأولى


رجليك في ثانية. 
ربت عليه ليميل على وجنته يقبلها باشتياق مما أسعد قلب يوسف. لتجذبه تلك الحنون التي تشوقت هي الأخرى وطال انتظارها لاحتضانه 
هو دلع جدك علام هينسيك تيتا ولا إيه يا جو 
حبيبة قلبي وحشتيني. احتضنها بقوة لتبتسم بسعادة وتقول 
إنت اللي وحشتني جدا يا يوسف. 
استقبل علام الفتاة قائلا 
إزيك يا زينة عاملة إيه يا بنتي 
الحمدلله حضرتك. 
استقبلتها أيضا عصمت بترحيب عال أسعد قلبها وبث بداخلها الطمأنينة. 
إزيك يا حبيبي قالتها فريال وهي تقبل خديه بحفاوة. فقد تربى على يدها واتخذته كنجلها تماما. نطق بسعادة 
الله يسلمك. إزيك حضرتك 
لكزته بكتفه بقوة قبل أن تهتف باعتراض 
إيه حضرتك دي يا ولد نسيت أيام ما كنت لسه بشورت وبتقولي 
وقلدت صوت طفولته 
تعالي إلعبي معايا لحد ما جدو علام ييجي من الشغل يا عمتو! 
أطلق الجميع ضحكاتهم تحت ڠضب ماجد. وحدة نظراته المصوبة كسهام ڼارية إلى زوجته التي تجاهلته تماما لتحول بصرها إلى تلك المجاورة لإيثار 
إنت زينة 
أومأت بصمت وخجل
لتتابع الأخرى بانبهار 
ده أنت طلعتي جميلة قوي يا زينة! زي القمر يا حبيبتي! 
وأقبلت تقبلها تحت شعور الفتاة بالاطمئنان والراحة من قبل تلك الحنون. 
أما ماجد فأقبل باسطا كفه إلى يوسف كي لا يدع الجميع يلاحظون العداوة. فهو شخص شديد الذكاء يتمتع بالخبث والدهاء معا وتلك العادات طارئة عليه نتيجة حقده مما حدث من مستجدات مؤخرا خسارته الكبيرة بحلم ابنته الوحيدة واستيلاء إيثار ووضع يدها على جميع أملاك العائلة من وجهة نظره وما تبثه والدته من سمۏم داخل نفسه. فلطالما عامله أمام الجميع بمنتهى اللطف بينما ينتهز فرصة إنفرادهما ويمارس عليه شعور القوة ليقهره ويشعره بالضعف ويقوم بالتقليل منه كي يجبره على الابتعاد مرغما عن بيسان. 
إزيك يا يوسف 
الحمدلله يا دكتور. نطقها بقامة مرتفعة ليشيح عنه نظره سريعا لعدم تقبله للنظر إليه مؤخرا. 
ظهر فؤاد حيث كان بالداخل يعمل على بعض الملفات الهامة لتخبره العاملة بابتسامة سعيدة. فتح ذراعيه ليقبل عليه الآخر بلهفة ويرتمي بأحضانه مستندا برأسه فوق كتفه مثلما كان يفعل دوما. فلطالما كان له السند والدفء والعون بعد الله. تحدث وهو يشدد من تمسكه به وكأنه يتمنى الرجوع إلى الماضي وطفولته البريئة 
إزيك يا أنكل وحشتني! 
ربت فؤاد على ظهره بحنان قبل أن ينطق بصوت متأثر 
عامل إيه يا حبيبي 
ابتعد قليلا وتحدث 
أنا بخير الحمدلله. وحشتني مناقشاتنا وقعدة الجنينة بالليل. 
ابتسم له وتنهد متأثرا قبل أن يقول 
تعالى كل يوم يا حبيبي وإحنا نقعد زي زمان. هات أختك وتعالي. ده بيتك يا جو. 
أومأ بابتسامة فقال فؤاد من جديد 
مجهز لك ماتش هنلعبه مع بعض بالليل ومش هرتاح غير لما أغلبك النهار ده. 
وأنا مستعد للهزيمة لخاطر عيونك يا باشا. قالها وهو يتحرك بجواره ليقول فؤاد بمشاكسة 
بس يلا يا بكا! كل مرة بتقول فيها كده وبردو بتهزمني! مش أي هزيمة ده بيكون فوز ساحق! 
بدعابة تحدث 
ما أنت اللي مبتعرفش تلعب يا باشا! لا وفاكر لي نفسك حريف! 
تشاركا القهقهة ليجد من تهرول إليه لتحتضنه بحفاوة قائلة 
كده تيجي من غير ما تسأل عليا يا يوسف 
والله يا حبيبتي كنت لسه هدخل لك. 
سماح المرة دي! أما أنا بقى عاملة لك طاجن مسقعة باللحمة المفرومة هتاكل صوابعك وراه! 
طول عمري وأنا بعشق أكلك يا وزة. قالها بدلال لتبتسم ثم تحدثت إلى فؤاد 
شايف الناس اللي كلامها زي البلسم يا باشا 
وربتت على صدرها بكف يدها لتتابع بفخر وهي تهز رأسها 
تربيتي. 
اتسعت عينيه ليتحدث بذهول 
بقى المحترم ده تربيتك إنت! يا شيخة اتقي الله! 
اتسعت عينيها ليتابع وهو يشير إلى مالك 
المتشرد اللي هناك ده هو اللي تربيتك! 
وتابع مسترسلا وهو يربط على كتف الشاب متباهيا 
لكن الباشمهندس تربية علام باشا. 
شايف يا يوسف الباشا بيعاملني إزاي 
نطق بمشاكسة 
الباشا بيحبك يا عزة علشان كده بيحب يناغشك. 
ابتسمت لتقول بلهفة 
هروح أكمل تقطيع السلطة وارجع لكم. مش هتأخر عليكم. 
لا خدي راحتك على الآخر يا عزة. قالها فؤاد ليقهقه يوسف تحت تذمر تلك العزة. 
اقتربا على الجميع ليتفاجأ يوسف بذاك الراقي علام وهو يحتوي كتفه بذراعه ويسحبه إلى المقاعد قائلا بكثير من  الود 
تعالى يا باشمهندس علشان تحكي لجدو
على كل أخبارك. 
هنحكي ونتكلم للصبح يا باشا. قالها بابتسامة مرحة ليتابع مسترسلا وهو يتطلع لساعة يده الفخمة 
نصلي الجمعة الأول علشان الخطبة خلاص هتبدأ بعد كام دقيقة. 
تحدث فؤاد المحتضن نجليه زين وتاج 
يلا الكل يدخل يتوضى ويجهز علشان الصلاة. 
ثم تابع وهو يتطلع إلى زينة كي لا يشعرها بالغربة 
يلا يا زينة إدخلي مع طنط إيثار وطنط فريال علشان تجهزوا للصلاة. 
اعترضت فريال بحدة مصطنعة 
إيه طنط دي يا سيادة المستشار هو علشان جنابك عجزت وطلع لك كام شعرة بيضا في دقنك هتكبرني أنا كمان! 
هتفت إيثار باعتراض وهي تتحرك باتجاه زوجها لتحتضن ذقنه النابت بتباهي 
فشرتي يا حبيبتي! ده الباشا لسه في عز شبابه وبكامل لياقته والشعرتين اللي بتقولي عليهم دول موضة اللي عندهم عشرين سنة صابغينهم! 
حبيبة حبيبها اللي دايما نصفاه يا ناس! قالها غامزا بعينه وهو يخرج زين ويجلبها لتسكن أحضانه. بينما نطقت تاج بتصفيق حاد 
عاش يا باشا! 
تطلعت فريال على زينة لتشير بكفها على كلتاهما 
التطبيل عالي قوي من البنت ومامتها للباشا الصغير. 
ضحك الجميع ثم تحرك الرجال إلى المسجد. 
كانت تختبئ خلف ستائر غرفتها تسترق البصر على جميع المارة بالشارع تنتظر مروره إلى الجامع للصلاة. فمنذ أن لمحت سيارته وهي تدخل إلى المجمع السكني وهي تنتظر خروجه للصلاة بفارغ الصبر. انتفض قلبها حين لمحته يجاور جدها وشقيقه زين أما الصغير مالك فيتمسك بكف والده فؤاد ويسبقهم والدها. من حسن حظها أن الجميع توقف لتحية أحد المعارف فابتعد قليلا وترك الجميع. رغما عن عقله الراجح وجد حاله يرفع قامته للأعلى على أمل رؤية وجهها الذي تتوق لرؤياه بشدة. توارت سريعا إلى الخلف لكي لا يلمحها ويرى ضعف قلبها. تنهد پألم حين وجد نافذة غرفتها خالية. ارتبك حين استمع لصوت ذاك البغيض 
بلاش تبص لفوق كتير. اللي بيبص لفوق بيقع وتنكسر رقبته. 
الټفت ليطالعه بكبرياء ثم ابتسم ليقول بذات مغزى 
المثل ده غلط يا دكتور. والدليل إن حضرتك لسه واقف ورقبتك ثابتة مكانها. 
توسع بؤبؤ عينيه ليسأله بحدة 
إنت تقصد إيه بكلامك ده يا ولد 
بنبرة صارمة ونظرات حادة كالصقر تحدث 
أنا مش ولد. اسمي الباشمهندس يوسف. 
وأشار بكفه عندما لمح فؤاد وعلام يتحركان للأمام 
صلاة الجمعة هتفوتك يا دكتور. 
قالها لينطلق للأمام حين ناداه علام ليجاوره ويستند عليه لثقل حركته التي تأثرت بعوامل السن. اشټعل داخل ماجد ليمضي خلفهم مجبرا. 
بينما تلك العاشقة كانت تراقب صراع كلا منهما تحت دموعها التي انهمرت پألم لتنعي حالها. 
عاد الرجال من الصلاة والجميع متواجد بالحديقة عدا تلك العاشقة. بدأت العاملات برص طاولة الطعام. وأثناء تفقد علام للجميع لاحظ عدم تواجد حفيدته الغالية ليتطلع إلى ابنته يسألها مستفسرا 
فين بيسان يا فريال! 
انتفض قلب ذاك العاشق حين ذكر اسمها لكنه ادعى عدم المبالاة تجنبا لإثارة ڠضب ماجد. 
صمتت فريال لينطق ماجد سريعا 
عندها مذاكرة كتير يا باشا. 
نطق متعجبا 
وهي المذاكرة تمنعها إنها تيجي تستقبل يوسف وأخته يا ماجد! 
ارتبك فتحدث فؤاد بحماس الشباب 
أروح أنده لها يا جدو! 
هتف ماجد بلحظة تهور منه متناسيا حاله 
اقعد يا ولد. 
تعجب الجميع من حدته ليتحدث علام لحفيده 
اقعد يا فؤاد. 
ولأنه يعلم مكر ماجد مؤخرا وغضبه الذي يصبه
على ذاك الشاب نطق ليجعله يندم على ما قام به منذ القليل 
أبوك هو اللي هيروح ينده لها بنفسه. 
اتسعت عينيه بحدة وڠضب لاحظه فؤاد واشټعل داخله لكن سرعان ما تدارك حاله ليستدعي هدوئه في وجود ذاك الداهي. ليتحدث بهدوء معتذرا 
هي لو عاوزة تحضر المقابلة يا باشا كانت جت. لكن هي بنفسها اللي اعتذرت وفضلت تشوف مستقبلها. 
طالعته إيثار پغضب لأجل نجلها الحبيب واشټعل صدرها بڼار لو خرجت لحولت ذاك السخيف لفحمة متفحمة. أما علام فهتف بقوة وصرامة لا تقبل المناقشة 
روح هات البنت يا ماجد ومتتأخرش. السفرة قربت تجهز ومحدش هيتحرك ناحيتها إلا في وجود بيسان. 
احتدت ملامحه وامتلأت بشرارات القسۏة قبل أن يحول بصره إلى ذاك الذي تحول لغريما بين ليلة وضحاها. وجده يتطلع أمامه بلامبالاة. من يراه يعتقد أنه غير عابئ بما يحدث بينما داخله كالبركان الثائر يتشوق لرؤية عينيها بشدة. تحامل على حاله وبصعوبة أخرج كلماته 
حاضر يا باشا. تحت أمرك. 
قالها بابتسامة مرسومة. وما أن استدار ووالى الجميع ظهره حتى تحولت ملامحه لغاضبة وعيناه باتت تطلق شزرا لو خرج لحول المكان لچحيم. 
مالت عصمت على ابنتها التي تجاورها الجلوس لتسألها باستغراب 
جوزك ماله يا فريال 
ماجد اټجنن يا مامي! تصرفاته كلها بقت غريبة. 
تفاجأت بحديث نجلتها فهي أكثر من عاشر ماجد من خلال احتكاكهما بالعمل بالإضافة إلى المنزل. لتنطق متعجبة 
ليكون هو اللي مانع بيسان من إنها تيجي ويوسف هنا! 
نطقت مؤكدة 
بالظبط ده اللي حصل. 
وتابعت 
هحكي لك على كل حاجة بس بعدين لما نبقى لوحدنا. 
أومأت المرأة متفهمة لتنظر لتلك الفتاة 
نورتي بيتنا المتواضع يا زينة. 
متشكرة يا أفندم. قالتها بهدوء لتسألها الأخرى في محاولة منها لإدماجها بالحديث معهم 
إنت بتدرسي إيه يا زينة 
داخل منزل ماجد ولج بعينين تطلق شزرا ليهتف بصوته العالي 
سمرة! إنت يا اللي اسمك سمرة! 
خرجت العاملة تهرول لتجيب ذاك الغاضب بتوقير 
افندم يا دكتور. 
اطلعي إندهي لبيسان وخليها تنزلي بسرعة. 
هرولت تتسلق الدرج خشية بطش ذلك الحانق. أخبرتها بطلب والدها لتسألها الفتاة متعجبة 
متعرفيش عاوزني في إيه 
لا يا أستاذة بس هو باين عليه متعصب قوي. 
وإيه الجديد يا سمرة مهو ده بقى العادي بتاع بابي! وتابعت 
روحي وأنا هغسل وشي وجاية وراكي. 
بعد قليل كانت تقف تتدلى الدرج لينطق بحدة 
إتفضلي قدامي على قصر جدك. 
ضيقت بين عينيها قبل أن تسأله بفضول 
هو مش حضرتك... 
لم يدعها تكمل سؤالها لينطق كاظما غيظه 
جدك عاوزك تحضري الغدا. 
وتابع محذرا 
تحضري الغدا والولد اللي اسمه يوسف تبعدي عنه خالص. وبعد الغدا تعتذري من جدك وترجعي هنا. فاهمة يا بيسان 
نطقت بنبرة جادة أظهرت كم الۏجع الذي يسكنها 
سبق وقولت لحضرتك إن أنا ويوسف سبنا بعض خلاص. يعني مفيش داعي لكل اللي حضرتك بتعمله ده. 
تنهد ببعض الراحة ليجدد حديثه 
اللي عندي قولته. إتفضلي قدامي. 
حمدت الله بسريرتها بأنها تأنقت بثوبا كان يعشقه عليها وتجملت على أمل أن يجد بالأمور شيئا. وبالفعل حدث ما تحسبت إليه. كانت تتحرك بجوار والدها بقلب يطير كفراشة رائعة الألوان. وما أن اقتربت من البوابة حتى أخذت نفسا عميقا كي تستطيع ضبط النفس والتحكم بقلبها الراقص لرؤية الحبيب
بعد شهرين تعمد من خلالهما عدم الإجابة على اتصالاتها والاختفاء من جميع الأماكن التي كانا يتقابلان فيها. 
ولجت متلهفة لرؤياه وكذلك هو شعر بقدومها من خلال ضربات قلبه التي تزايدت. وعلى صوتها أقبلت على مكان جلوس الجميع. وأخيرا لمحته كان يجلس بجوار جدها يتحدث معه بهيأته الجذابة. انتفض قلبها صارخا متلهفا يطالبها بالهرولة إليه والارتماء داخل أحضانه وليحدث بعدها ما يحدث. لم يكن