رواية (أذناب الماضي) بقلم روز أمين - الفصول الأولى


عمل لي
صداع... قالها ذاك المشاغب لتهب هاتفة تحت ضحكات الصغير 
بس يا أبو لسانين والله ما فيه حد مغلبني في الدنيا دي كلها قدك وقد لماضتك
كلمتي يوسفوقولتي له إننا رايحين له بدل ما ندب المشوار على الفاضي ونرجع زي ما روحنا
أجابتها وهي تتابع الطريق بعينيها 
معقولة هروح من غير ما أقول له يا عزة
٭
داخل شقة سكنية بمنطقة متوسطة الحال 
يجلس ذاك المتمرد فوق مقعدا من الجلد فقد أصبح شابا يافعا يمتلك جسدا رياضيا يرجع لممارسته الرياضة بشكل منتظم بشعر فحمي شديد النعومةأخذ من ملامح والده كثيرا لدرجة أن من يراه يظنه عمرو بشبابه مرتديا نظارته الطبية ويتابع عمله على جهاز اللاب توب الخاص به فبرغم أنه مازال طالبا بالفرقة الثالثة كلية الهندسة تخصص هندسة إلكترونية إلا أنه يعمل على الإنترنت مع أكثر من تطبيق منذ أن كان بالفرقة الثانية فمنذ ذاك اليوم المشؤوم قد كرس حياته للعمل للهروب من نظرات البشر وهمومه التي باتت تلاحقه وتكاد تفتك برأسه كلما تذكر ماضي عائلته الغير مشرف إستمع إلى صوت جرس الباب لينتفض بانتشاء كطفل اشتاق لمنبع حنانه فبرغم أنه من قرر واختار البعاد لعدة أسباب لديه إلا أنه مازال مفتقدا حنان عائلته التي تربى بكنفها فتح الباب لېصرخ الصغير الذي قفز لاعلى ليلتقطه يوسف ويثبته داخل أحضانه لتنطق عزة وهي تستدعي حارس البناية 
تعالى يا اخويا دخل معايا الحاجة في المطبخ على ما يخلصوا سلاماتهم
أما الصغير فصاح بصوت حماسي 
چو حبيبي وحشتني كتير
وإنت كمان وحشتني يا ملوك...قالها وهو يحتضنه بحنان فائض ثم نظر لتلك التي تراقب ملامحه باشتياق جارف انزل الصبي ليقترب على تلك التي تحسست وجنتيه وعينيها تجول على كل إنش بوجهه وبدون حديث جذبها ليثبتها بأحضانه وهو يقول 
وحشتيني يا حبيبتي 
ضمته بقوة لټدفن أنفها بملابسه وټشتم رائحته التي اشتاقتها حد الجنونقالت بصوت مخټنق 
لو كنت وحشتك حقيقي مكنتش سبتني
أبعدها قليلا ليطالعها بنظرات عاتبة وهو يقول 
تاني يا ماما هنرجع للكلام في الموضوع ده تاني!
تحركت للداخل لتنطق بحدة واعتراض 
إوعى تفتكر إني هستسلم لقرارك وأقف أتفرج عليك وإنت بتضيع نفسك وبتخسر مستقبلك
بضيع مستقبلي!...قالها مستنكرا ليتابع بإبانة
أنا بدرس وفي نفس الوقت بشتغل وشايل مسؤلية نفسي ومسؤلية أختي.
تألمت لحال نجلها وما حدث له من تغيرات كثيرة قضت على جميع أحلامهفمنذ أن كان طالبا في المرحلة الثانويةاستعد بكل ما به بأن يحقق حلمه ويصبح وكيلا للنائب العام وقد هيء نفسه وتلك الجميلة بيسان التي كانت معه بذات الحلمفكونهما بنفس العمر ونفس السنة الدراسية حلما بأن يلتحقا بكلية الحقوق ليلتحقا بعدها بالسلك القضائي ليكملا مشواريهما العلمي والحياتي معا حيث عشق كلاهما الاخر واتفقا على الزواج فور تخرجهما لكن ليت كل ما يتمناه المرء يدركه فقد تحطمت أحلامه على صخرة حادة عندما انتهى من المرحلة الثانوية وحصل على مجموع هائل حينها فقط قررت إيثار بمصارحة الفتى برفضها التحاقه بكلية الحقوق وابدت له رغبتها بالتحاقه بكلية العلوم الهندسية وعندما رفض وتشبث بقراره أضطرت لمصارحته وكشف المستور بمساعدة فؤاد ثار الفتى ودخل بنوبة من الرفض والإستنكار ثم تملك منه الإكتئاب مما جعل فؤاد يعرضه على طبيبا نفسيا كي يساعده وبالفعل استجاب الفتي للعلاج لكن بقى داخله جزءا ممزقا وصار حساسا بطريقة مزعجة فبات يفسر كل نظرة موجهة إليه وكل كلمة حنون على أنها شفقة وهذا ما رفض تقبله تحمل عامين كاملين بمنزل فؤاد ولكن قضاهما بعزلة تامة ابتعد عن بيسان رويدا رويدا وبالأخص بعدما بدأ يفهم تلميحات ماجد له وعدم تقبله فكرة تقرب يوسف من ابنته وقد أعطى له الحق في خشيته على نجلته بدأ يسأل والدته وعلم منها وجود شقيقته 
زينة التي تجلس بمنزل عمها حسينحيث أواها بييته واحتضنها تحت كنفه وحاوطاها بحنانه هو وزوجته رغم ضيق الحال
ذهب لزيارة عمه وقد ذهل وحزن كثيرا عندما رأى حالتهم المنعدمةحزن لأجل شقيقته حين رأي ملابسها المهترئة وخجلها وانعدام الثقة بحالها الناتج عن ما عانته منذ نشأتها الأولى وشعور الذل والعاړ الملازمان لها منذ أن وعت على الحياة من هنا قرر أن يتحمل مسؤليته كرجل تجاه تعيسة الحظ تلك عمل بجد حتى استطاع جمع مبلغا ليس بالقليل وقام بتأجير ذاك المسكن وذهب لعمه ليأخذ شقيقته وكانت تلك نقطة فاصلة بحياتها فقد ساعدها على تغيير حياتها للافضل حسب إمكانياته المتاحة فهو يعمل بمجال الإلكترونيات في عدة مواقع إلكترونية ويتقاضى مقابلا من العملة الصعبة وهذا كان كافيا ليتكلف عبئ المعيشة ويحيا حياة محترمة هو وتلك البائسة
كان أمام إختيارين كلاهما أصعب من الأخر إما أن يظل بجانب والدته ويرضيها ويتخلى عن رجولته ومسؤليته الواجبة تجاه شقيقته أو يقوم بواجبه ويرضي ضميره وتحمل مسؤليته تجاهزينة وقد اختار إرضاء ضميره ورجولته للأضعف منهما.
سألته أولا كي لا تتحدث بكلمات من الممكن أن تقوم بإيلام روح الفتاة 
هي زينة موجودة 
اجابها بهدوء 
لا يا ماما عندها محاضرة متأخرة وهتخلص بعد نص ساعة
نطقت لكي ترضي ضميره 
بص يا حبيبي أنا مش ضد تفكيرك في أختك وبأنك تصرف عليهابالعكسإعمل لها مرتب شهري محترم بس رجعها تعيش مع عمك حسين من تانيمروة مراته كويسةوالبنت أكيد كانت مرتاحة معاهم
اتسعت عينيه ذهولا لينطق بحدة 
وأتخلى عنها زي ما ابوها عمل!
عوزاني أهرب من مسؤليتي زي ما هو هرب وسابها ومسألش عنها ولا عني من يومها!
ليتابع مستهجنا
وبدل ما أبقى شبهه في الشكل أبقى بشبهه كمان في الندالة والحقارة!
صاحت ودموع الألم بعينيها 
لاحظ إنك متمسك بالكل إلا أنا 
ثم استرسلت ودموعها هرولت فوق وجنتيها 
أنا اللي ربيتك وحميتك من الدنيا كلها مستحقش منك كل الۏجع ده يا ابنيوالله ما استحقه
إقترب منها ليمسح دموعها قائلا بصوت متأثر لأجلها 
يا حبيبتي حاولي تفهميني أنا مكاني هنا مع أختي مش في قصر علام باشا زين الدين
واسترسل متوسلا 
المفروض تساعديني على إني أحفظ ماء وجهي وكرامتي قدامهم
صړخت معترضة 
لتاني مرة بتفكر في الناس وبتعمل حسابهم إلا أمك انا راحتي فين في وسط كل ده يا يوسف
وأكملت وقلبها بئن ألما
إنت ليه مش قادر تقدر موقفي وحالتي في بعدكأنا بمۏت كل يوم بتبات فيه برة البيت يا يوسف مبقتش بتهنى في نومي طول ما أنت مش معايا ومعرفش عنك حاجةده حتى طعم الاكل لما إتغير زي كل حاجة في حياتي ما اتغيرت من يوم ما سبتني مش عارفة أعيش حياتي بشكل طبيعي يا حبيبي
نطق الصغير وهو يمسح وجنتيها بأنامله الرقيقة 
مش ټعيطي يا مامي علشان خاطري
إحتضنت صغيرها أما يوسف فأخرج تنهيدة موجعة ليجيبها مفسرا 
يا ماما أنا مبقتش صغير علشان تقلقي عليا وحياتك تقف علشان أنا بعدت إعتبريني سافرت اكمل تعليمي برة مش ده كان طلبك في الاول!
قاطع حديثهما تلك التي صاحت بحدة وهي تجاوره الجلوس 
بقول لك إيه يا إبن إيثار قدامك حل من إتنين يا إيما تقوم تلم هدوم المحروسة اختك وترجعها تعيش عند عمها من تاني وترجع معانا وتريح قلب المسكينة دي
واسترسلت بابتسامة شيطانية 
يا إما تستحمل رزالتي وزني على ودانك الليل قبل النهار لحد ما تقول حقي برقبتي
قطب جبينه بعدم استيعاب لتتابع هي
بجدية 
هو انا مقولتلكش 
لا مقولتليش... قالها متهكما لتجيبه 
أصل أنا بالصلاة على النبي كده مش ناوية أتحرك من هنا غير ورجلي على رجلك اه والله زي ما بقول لك كده
عقب على حديثها 
إسمعيني كويس يا عزة أختي أنا مش هسيبها ولا هتخلى عنها لو على رقبتي وقعاد هنا إنسي 
لوت فاهها لتسأله ببلاهة 
ليه يا اخويا إن شاءالله! 
زفر ليخرج ما بداخله من ألم لاجل شقيقته ليقول مفسرا 
زينةحد خجول جدا ودايما حاسة إنها عبيء على الكل حتى عليا أنا شخصيا لو قعدتي معانا هتحس بغربتها أكتر 
نطقت إيثار پألم ېمزق أحشائها 
تعبتني معاك يا ابني حرام عليك اللي بتعمله ده يا يوسف
أشاحت عزة باتجاهها لتنطق في محاولة منها للتأثير عليه عله يتراجع 
يرضيك اللي إنت عامله في أمك ده يعني هو ده جزات تربيتها فيك يا واد
القى رأسه للخلف يستند على الاريكة لينطق بروح منهكة 
على فكرة اللي بتعملوه معايا ده بيوجعني وبيزود عذابي
ثم اعتدل ليمسك بكفي والدته يترجاها 
أنا تعبان يا ماما ومش قد دموعك دي ولا توسلاتك كلامك بېقتلني لأني مش هقدر أنفذه
واسترسل بتعقل 
إنت حواليك ناس كتير بتحبك أنكل فؤاد وإخواتي وجدو علام وتيتا عصمتعندك خالي أيهم ومراته وولاده وتيتا منيرة واخوالي شغلك ونجاحك وطموحاتك الكبيرة
واستطرد مټألما 
لكن زينة ملهاش حد غيري أنا كنت قارب النجاة اللي انتشلتها من غرق محتم إزاي بتطلبي مني أرميها تاني بأديا للمۏت والضياع بعد ما مسكت أديها وادتها أمل!
لم تدري لما عليها فعله فصغيرها ممزقا ما بين الواجب وحبه لها أكمل برجاء 
علشان خاطري سامحي وسبيني على راحتي
تنهدت عزة لتنطق 
لو ربنا يرزقها بعريس وتتجوز والموضوع يتحل من عنده
استمع لصوت تكة المفتاح لينطق سريعا 
علشان خاطري محدش يتكلم قدامها في اي حاجة
أمسك رأس والدته ليقبلها بحنان ووقف يستقبل تلك التي ولچت لتقف مرتبكة حين رأتهم امامها تحرك باتجاهها ليحثها على التقدم والوثوق بالنفس 
تعالي سلمي على ماما وعزة يا حبيبتي
إزي حضرتك يا خالتي...كلمات خرجت منها بنبرة مرتبكة لتجيبها إيثار بابتسامة هادئة
ازيك يا زينةعاملة إيه في دراستك
كانت تتشبث بحقيبتها وتضغط عليها والارتباك ظاهرا عليها لتنطق بنفس التلبك 
الحمدلله كويسة
إزيك يا زينة يا جميلة يلى مزعلة مامي... قالها ذاك المشاغب لتجذبه عزة وتلتقطه حاملة إياه وهي تتجه إلى المطبخ لتهمس مستنكرة 
تعالى يا أبو لسان فالت يا فضاح ياللي هتودينا في داهية
ثم تحدثت إلى الفتاة 
إدخلي يا حبيبتي غيري هدومك على ما أجهز السفرة علشان ناكل مع بعض
اومات بخجل لتنسحب وتغلق بابها عليها تنفست الصعداء وتوجهت ترتمي جالسة فوق طرف الفراش يا لحظ تلك المسكينة دائما ما يراودها شعورا مريرا بالغربة أينما ذهبتحين كانت طفلة كانت منبوذة من الجميع حتى والدها كان يحملها ذنب خړاب حياته وابتعاد حبيبته ونجله المقرب إلى قلبهوحين انتقلت مع عمها وزوجته طالما راودها شعور الإنكسار وبرغم معاملة مروة الحسنة لهاإلا أنها كانت دائما تشعر بأنها عبئا مضافا فوق أعبائهمافكان شعور المرارة لا يفارقها حين تبتلع القليل من الطعام وهي تعلم أنه طعام أطفالهم وهي تشاركهم به أما الأن فالأمر اختلف كليا في وجود شقيقها وبرغم أن حالته المادية هائلة وانتقلت معه وتحولت لفتاة أخرى إلا أن شعور الذنب بات يلازمهاحملت حالها ترك شقيقها لوالدته ومنزل عائلته البديلة لأجلهاوكأن شعور العبيء والمرارة بات يلازماها وأصبحا جزءا لا يتجزأ من حياتها البائسة
ابتسمت حين تذكرت شقيقها وما فعله لأجل عمها حسينفبرغم انه لا يمتلك المال الكثير إلا أنه بات ينفق كل ما يتحصل عليه من مال عليهمفقد خصص مرتبا شهريا بقيمة