رواية (أذناب الماضي) بقلم روز أمين - الفصول الأولى


وإحنا لوحدنا! قالتها بحزن وخيبة أمل لتتابع بحيرة 
مالك يا يوسف فيك إيه يا حبيبي 
كلماتها جالدة للذات نظراتها كصرخات تنزل على جسده تشعل ناره. بلحظة فكر بأن ينصاع لنداء قلبه ويشق صدره ليخبأها داخله ويرحل مهرولا تاركا عالمه المظلم ذاك ويحيا معها حياة العاشقين. لكن العقل والضمير متيقظان ويقفان لذاك القلب بالمرصاد. بصعوبة أخرج صوته بعدما حسم أمره 
تعالي نتكلم برة في العربية. 
سعد داخلها وانت حالها بأنه عاد معتذرا عن كل ما مضى من الابتعاد اللعېن الذي قرره منذ ما يتخطى الستة أشهر. أمسكت كفه سريعا وضمته بين راحتها لتنطق وهي تتعمق بمقلتي ذاك الذي انتفض جسده بالكامل من إثر لمستها معلنا العصيان على ذاك العقل الجاحد. رغما عنه أطبق أنامله يحتوي كفها وترك لجام قلبه ليستمتع بلمساتها الأخيرة. 
وصلا للسيارة لكنه توقف أمام الباب الخاص به ولم يفعل ككل مرة كان يهرول بها ويفتح لها الباب حتى تجلس براحة ويطمئن على وضعيتها ثم يغلقه بهدوء كي لا يزعجها بصوته. وقفت تتطلع على ذاك الذي ناظرها بملامح جامدة وهو يقول 
إركبي يا بيسان. 
تنهدت وتحركت بساقين متثاقلتين تجر بهما أذيال خيبتها. استقلت بجواره لتجده يتطلع أمامه متمركزا بمقلتيه في نقطة اللاشيء. تلاشت حدسها المتشائم لتسأله بنبرة متفائلة رغم ما تشعر به من أعاصير قادمة 
مش هتتحرك تعالى نروح الكافيه بتاعنا ونشرب الكابتشينو اللي بنحبه. 
نظر للأمام وبمنتهى القسۏة تحدث 
مش هينفع. إحنا هنتكلم هنا وبعدها هتنزلي وتاخدي عربيتك وتروحي على بيتك. 
توقف لوهلة ثم ابتلع لعابه يجاهد بإخراج الكلمة التي خرجت حروفها كأنها تصرخ بأعلى صوتها 
وتنسيني للأبد. 
فغرت فاها ببلاهة. لم تستوعب ما نطق به. تشوش عقلها وكأنه رافضا تصديق ما وصله. نطقت بحروف متقطعة 
أنساك إزاي يعني هو فيه إيه يا يوسف! 
تطلع عليها بجمود حارب ليستطيع الصمود عليه. تابعت وهي تهز رسغه عله يستفيق 
يوسف إنت بتخوفني بكلامك ده. أرجوك اتكلم وطمني. 
تنهد بقوة لينظر بعينيها قائلا بما نزل على قلبها ليشطره بدون رحمة 
أنا جاي أحلك من أي وعد وعدتهولك في يوم من الأيام. حكايتنا خلصت لحد كده. 
إنت بتقول إيه! قالتها بهلع لتتابع وهي تهزه من كتفه بقوة 
فوق يا يوسف! فوق وشوف إنت بتقول إيه! 
أخذ نفسا مطولا ليتماسك ثم تحدث ناطقا
أنا فايق كويس قوي وعارف أنا بقول إيه. قراري أخدته بعد تفكير عميق ولقيت إن ده أنسب حل ليا وليك. أنا أخدت شقة بعيد وهنقل فيها النهاردة. هعيش فيها أنا وأختي والقصر أنا مش هرجعه تاني. 
صاحت ودموعها شرعت بالهطول كأمطار غزيرة بليلة شتوية شمسها غائب 
مش هسمح لك تدمر حلمنا علشان أوهام في دماغك! حرام عليك بقى! 
دي مش أوهام! فوقي بقى! ده الواقع اللي عايشينه! كلمات نطقها بنظرات حادة ليتابع بصياح مرتفع أرعبها وأصاب جسدها بالانتفاض 
إنت فاكرة إيه سهل قوي بالنسبة لي لما أجي وأقول لك خلاص إحنا لازم نسيب بعض أنا بمۏت من جوايا وأنا بنطق الكلمة! 
ليتابع مسترسلا پألم 
بس خلاص الواقع بيقول إن حكايتنا خلصت لحد كده. 
مالت برأسها ونطقت وقلبها ېتمزق 
وأنا المفروض أعمل إيه الوقت أضغط على زرار النسيان جوايا وأنزل من عربيتك ناسية كل حاجة كانت بينا! 
وتابعت بۏجع وهي تبتسم ساخرة مشيرة بكفها 
ذكريات سنين طويلة بقى! وحب عمره قد سنين عمرنا! مشاعر اتخلقت جوانا ومواقف عشناها زودت ارتباطنا ببعض! 
تابعت بدموعها المنهمرة 
لمسات ونظرات زودت من ارتباط روحنا! وكلام هيج جنون حبنا لبعض! أحلام حلمناها وصدقناها وسعينا نحققها! المفروض إني أضغط على زرار وأعمل delete لكل المشاعر دي! 
طالعها بعينين تتلألأ بداخلهما دموع القهر والخجلان. لتتابع بضعف ودموع وهي تهز كتفيها مستسلمة 
طب قولي إنت يا يوسف أعمل إيه 
ده نصيبنا ولازم نرضى بيه. قالها باستسلام طارق على شخصيته القوية ولا يليق به. لتصرخ باعتراض 
ده مش نصيبنا! ده قرارك الأناني اللي أخدته علشانك ضعيف ومش قد المواجهة! 
اتسعت عينيه ليصيح بحدة معترضا 
أنا مش ضعيف! 
بحدة مماثلة عارضته 
لا ضعيف! وطلقت مش راجل كمان زي ما كنت فكراك يا يوسف! علشان مفيش راجل بيتخلى عن وعد إداه لواحدة سلمت له قلبها وأطمنت على نفسها وهي معاه! 
هتف بحدة تنم عن مدى ما أصابه من ڠضب جراء حديثها المهين له كرجل شرقي حر 
أنا لو مش راجل بجد مكنتش قعدت نفسي في الشغل علشان أقدر أتحمل تكاليف العيشة أنا وأختي لوحدنا! لو مش راجل كنت سيبت اختي لكلاب الشوارع تنهش فيها وأنا عايش مرتاح وملك زماني في قصر علام باشا! 
أشارت على حالها تسأله بذهول وعدم استيعاب 
طب وأنا يا يوسف مفكرتش فيا زي ما فكرت في أختك وفي معاملة بابا ليك! 
بكلمات جادة وملامح وجه جامدة أجابها 
فكرت ولقيت إن أبوك عنده حق في تفكيره. هو من حقه يطمن عليك مع راجل من عيلة محترمة. 
هترضاها عليا يا يوسف! هتتحمل تشوف بيسان مع راجل غيرك! 
برغم كلماتها الممېتة والتي أشعلت داخله وحولته لچحيم مستعر إلا أنه تظاهر بعكس ما يدور وتحدث ببرود قائلا 
ربنا يوفقك مع الإنسان اللي يستاهلك بجد. 
ذهول وحالة من النكران وعدم الاستيعاب سيطرت عليها وشلت جميع حواسها. صمت رهيب دام لبضعة دقائق. 
انزلي يا بيسان. 
شهقت من شدة ذهولها لكلمته. ليتطلع أمامه ويقول بنبرة ضعيفة أظهرت كم الآلام الساكنة روحه 
انزلي بقى. نطقها بصوت يئن ۏجعا. 
لترتفع شهقاتها ليدفع بيده فوق عجلة القيادة ويبدأ يدق عليها بصياح كمچنون 
انزلي يلا! انزلي وانسيني! انزلي بقول لك! 
اتسعت عينيها وصاحبها انتفاضة قوية لجسدها لتمسك بمقبض
الباب بيد مرتعشة وتفتحه لتهرول هاربة ودموعها تتدفق كشلالات فوق وجنتيها جعلت من كل المارة ينظرون عليها باستغراب وشفقة. كانت تجفف دموعها بكفيها معتقدة بأنها ستتوقف. هرولت على السيارة لتفتح بابها بارتباك ويد مرتعشة وأخيرا ارتمت فوق مقعدها لتتوارى خلف زجاجها المعتم من أعين الجميع التي ألحقت بها تتفرسها. 
عودة للحاضر 
اعتصر قنينة عطره بقوة ولولا صلابة زجاجها لتحطمت وتحولت لأشلاء. مزقت راحته. تنهد والألم يعتصر قلبه ثم زفر محاولا طرد ذاك الشعور المرير. يشعر بالحقارة لتخليه عنها لكنه ليس بالرجل الذي يفرض حاله على أحد. يكفيه شعورا بالرضا أنه احتوى شقيقته ليرحمها من قسۏة الزمن. ومن منا يستطيع الحصول على كل ما يريد فهكذا هي الحياة تنتزع منا أشياء لتمنحنا أخرى بالمقابل. 
خرج من غرفته ليقف في البهو وهو ينادي 
زينة لو جهزتي يلا علشان ما نتأخرش على الناس. 
فتح الباب وخرجت منه وكأنها كانت تنتظر وراءه. كانت ترتدي ملابس عصرية لائقة أظهرتها بصورة رائعة. فقد عرضها على إحدى خبراء الأزياء لتنتقي لها ما يناسبها من حيث تناسق الجسد ولون البشرة ولم تنس احتشامها والحجاب. تطلع عليها وقال بابتسامة لطيفة 
زي القمر يا زينة. 
ابتسمت وشعرت ببعضا من الراحة التي غابت عنها منذ أن علمت بتلك الزيارة وضرورتها ليوسف. أقبل عليها وتمسك بكفها لينطق محاولا طمأنتها 
متقلقيش الناس اللي رايحين عندهم دول لطاف جدا. أنا متأكد إنك هتحبيهم وهم كمان هيحبوك. 
تبسمت لتقول بهدوء كعادتها 
أهم حاجة عندي إنك تكون مبسوط يا يوسف. 
أمسك ذقنها بحنو ليقول 
أنا مبسوط طول ما أنت مرتاحة يا زينة. 
لطالما كانت كلماته داعما عظيما يبث داخلها شعور الراحة والثقة بالنفس والاطمئنان. 
تحركت بجواره وبعد قليل كانا يلجان بالسيارة داخل القصر. تطلع أمامه ليذهل لرؤية انتظار الجميع له واصطفافهم وكأنهم ينتظرون تشريفا لأحد الشخصيات الهامة بالدولة. توقف بالسيارة بمكانها المخصص ليرى شقيقته رائعة الجمال تاج وهي تهرول عليه لتلقي بحالها داخل أحضانه تتنعم بدفئها الحنون وهي تقول 
يا جو وحشتني يا حبيبي! 
ابتسم بقوة ليضمها ويبدأ يقبل رأسها قائلا 
يا حبيبي إنت كمان وحشتيني جدا. 
وصل ذاك العابث الصغير ليهز بنطاله متسائلا باعتراض وتذمر 
وأنا مش وحشتك ولا إيه يا جو! 
قهقه على ذاك المشاغب لينحني بطوله الفارع ويلتقطه يثبته بأحضانه ليزيد ويقول 
ده إنت أكتر واحد بتوحشني في الدنيا كلها! 
أشار إلى زينة قائلا بطفولية 
إزيك يا زينة مامي قالت لي أعاملك بلطافة علشان مش أتعاقب! 
كظم فمه لينطق بمداعبة 
اسكت يلا! كلامك بيعمل مشاكل! 
ابتسمت زينة على الصغير لتقول بهدوء 
إنت جميل قوي يا مالك. 
وإنت كمان. 
بات يتطلع بعينيه باحثا عنها بلهفة بين جميع الحضور. أصابه الإحباط عندما تأكد من عدم وجودها. أقبلت عليه والدته التي احتضنته بحبور تجلى بعينيها وباتت تربت على ظهره بحنان وهي تقول 
نورت بيتك يا حبيبي. 
لتبتعد قليلا تحتضن وجنتيه متلهفة وهي تقول 
وحشتني يا جو! وحشتني قوي يا حبيبي! 
بلهفة لا تقل عن لهفتها تحدث وهو يحتوي ذراعيها بكفيه 
إنت كمان يا قلبي وحشتيني قوي. طمنيني عليك يا ماما. 
هتفت بسعادة وعينين تتلألأ بهما دموع الفرح 
أنا بخير لما شوفتك قدامي يا يوسف. 
التفتت إلى تلك التي تقف وشعرت بحرجها. أقبلت عليها لټحتضنها وهي ترحب بها بحفاوة
وسعادة 
نورتي يا زينة. إزيك يا حبيبتي 
لطالما وضعتها بخانة المظلوم وأشفقت عليها وعلى الطريقة التي أتت بها إلى الحياة لكن تعاطفها تضاعف بعدما ذهبت إلى منزل حسين ورأت بعينيها تلك الحياة البائسة التي نشأت وكبرت بها. 
كانت تتمسك بذراع يوسف وتتطلع على تلك الدخيلة بحدة وتقييم لهيأتها قبل أن يوجه يوسف إليها الحديث 
مش هتسلمي على زينة يا تاجي 
يناديها ب تاجي كنوع من الدلال والغنج ونسبها إليه كونها الفتاة الوحيدة بالمنزل والتي لاقت من الجميع دلالا لو قام بتوزيعه على بلدة بأكملها لكفى وفاض. 
تنهدت بثقل وبابتسامة متصنعة تحدثت 
إزيك 
برغم الشعور بعدم التقبل الذي وصل لديها من تلك المراهقة إلا أنها عذرت تفكيرها كونها فتاة صغيرة وتحدثت بابتسامة بشوشة 
الله يسلمك يا تاج. 
أما ذاك الخلوق زين فتحدث باحترام 
أخبارك إيه يا زينة 
فجميع إخوته تعرفوا عليها بالسابق أثناء زيارة شقيقهم. أجابته بابتسامة 
أنا بخير الحمدلله يا زين. 
عامل إيه يا بطلي في المذاكرة جملة قالها يوسف بحفاوة لذاك الرزين الذي عدل من وضع نظارته الطبية قبل أن يقول بجدية ووقار يسبقان سنوات عمره القليلة 
كويس جدا يا جو. بتبع نصائحك في المذاكرة. 
ربنا يبارك فيك يا حبيبي. قالها ثم نظر لشقيقته زينة يتمسك بكفها ويتحرك للأمام كي لا تشعر بوحدتها. توقف ليقبل على علام الذي فتح ذراعيه يستقبله بحفاوة 
الندل اللي نسي جده خلاص! 
احتضنه بقوة ليقول بتأثر 
مش علام باشا اللي يتنسى! حضرتك علامة بتثبت وتستوطن جوة عقل أي حد يشوفك ولو مرة فما بالك باللي عاش واتربى جوة حضنك يا حبيبي! 
تأثر بكلماته لدرجة أنه كاد أن يوشك على البكاء لكنه تماسك وضمھ من جديد ليشتم رائحته العطرة التي يتوق إليها. نطق بعتب عليه 
كده يا يوسف تسيب حبيبك بعد ما كبر وعجز وبقى محتاج لك تسنده في شيبته 
ثم ابتعد تحت تأثر كل من حوله ليتابع وهو يخبط على وجنته بخفة 
ده أنا كنت بقول لنفسي إنك هتبقى عكازي يا ندل. 
وأنا روحت فين بس يا باشا أنا تحت الأمر ورهن إشارتك. ليتابع بصدق وعينين متأثرتين 
في أي لحظة تحتاجني رن لي. هتلاقيني تحت