رواية همس الجياد بقلم مروة جمال


بسهام التي ظنت بحملها السريع أنها ستملك كل شئ وستقذف برقية خارج عالمها بكل يسر ولكن حتى الآن ما زالت رقية هي الأولي وهي في المرتبة الثانية 
نظر حسن نحو سهام بضيق وتابع قائلا نعيما يا ستي ممكن بقه تجهزيلي الفطار علشان رايح على الشغل
سهام شغل برده مين دي اللي كنت بتكلمها
حسن إيه يا سهام إنتي فاضية ولا إيه بقولك
شغل
سهام كده بتشخط فيا ماشي أشخط وخلي التوتر يأثر على الجنين
حسن مش وقت دلع يا سهام ولا علشان رقية مشيت فاكراها مشيت علطول
سهام والله براحتها بقه إنت مش فاضي تتحايل على حد إبنك محتاجلك
حسن ومش فاضي للت والعجن حضري الفطار علشان نازل حالا
قام من على الفراش وتركها لإتمام مكالمته مع خالد وتركته هي غاضبة لتحضير طعام الإفطار
مر يومان لم يخرج خالد من المنزل ولكن كان يبدو على حسن الإنشغال الشديد فقد قام بتزويد الحراسة على بوابتي المزرعة ونبه على جميع الحراس أن يراقبوا البوابات جيدا خاصة في الليل كانت إيناس بمكتبها تنهي بعض الاوراق خاصة أنها ستعود للقاهرة في نهاية الأسبوع حيث ستمضي أول أجازة بالمنزل رفعت بصرها فجأة لتجده واقفا بالباب وعلى وجهه إبتسامة أعطته مظهرا جذابا على الرغم من الكدمات بوجهه نظر لها وتابع شايفك مشغولة
إيناس إتفضل يا بشمهندس حمد الله على السلامة
خالد الله يسلمك بس مش تسألي عليا بالتليفون حتى ماكنش قطن وبيداتين
إبتسمت بخجل أنا ماكنتش عايزة أزعج حضرتك
خالد لا إنتي آخر واحده ممكن تزعجيني ده إنتي أنقذتيني
إيناس العفو يا بشمهندس قلت لحضرتك ده واجبي
خالد نازلة أجازة بعد بكرة صح
إيناس أيوة
خالد مش عارف حد قالك على المعلومة دي ولا لأ بس في ميني باص بيتحرك كل يوم الساعة 9 الصبح لمصر وبيرجع من مصر الساعة 5 ده علشان يوصلك ويرجعك أغلب الموظفين بيتحركوا بيه كل واحد على حسب معاد أجازته
إيناس أنا فعلا ماكنتش أعرف متشكرة
خالد هو بيتحرك من بوباة 1 في المزرعة التانية حخلي بيسو يوصلك 
أومأت رأسها بإبتسامة وصمتت تابع هو بعدها أنا مش عايزك تقلقي من اللي حصل أنا زودت الحراسة على المزرعة ومش حاسمح لحد يرعبنا تاني أنا عايزك تكوني واثقة من ده
كانت نبرته هادئة غاضبة وكأنه يتوعد كل من يفكر في العبث بممتلكاته وكأنه لا يقبل بأن يكون ضحېة أو ربما لن
يسمح بذلك 
تلك هي أول عطلة تقضيها بالمنزل مر حوالي شهر منذ غادرت أول مرة لم يتغير شئ الأثاث مرتب كما هو رائحة التوابل القوية تنبعث بقوة من المطبخ حيث تقبع والدتها منذ أمس تحضر لها كافة صنوف الطعام وكأن الطعام هو ترحيبها الخاص جدا لكل عزيز وأخيها الأصغر ېصرخ أمام ما يسمى بالبلاي ستيشن وكأن خسارته حقيقية وأبيها جالس كعادته يتصفح الجريدة بإهتمام على الرغم من أن أكثر صفحاتها أصبحت مخصصة للإعلانات !!!!
كان عبد الرحمن يتفحص الجريدة بعين ويراقب إبنته الصغرى بعين أخرى كانت تبدو وكأنها غابت عنهم ليس فقط لشهر واحد بل ثمان أشهر نعم هي غائبة عنهم منذ مۏت شريف الآن فقط عادت أصابه بعض القلق عندما إنزوت بغرفتها لفترة ولكنه قرر أن يطرد أفكار الشيطان من رأسه 
وعلى جانب آخر كانت هي تتعمد عدم فتح النافذة وكأنها كانت تخاف مراقبة الشرفة حتما تغيرت ربما تلمح رجل آخر أو ظل إمرأة بمكانه وربما لا ربما تجد الشرفة كما هي نعم ربما تتجسد ذكراها من جديد تبددت أحلامها بمجرد أن فتحت النافذة شهر شهر واحد بدل كل شئ إختفى المقعد الهزاز الذي كان يجلس إعتاد على الجلوس به ووضعت مكانه خزانة قبيحة تحمل صنوف من الثوم والبصل !!!!!
إمرأة شاكية تصرخ بأطفالها وهي تقوم بنشر بعض الملابس الغير متناسقة أغلقت النافذة سريعا لقد رحل حقا نعم رحل منذ ثمان أشهر وتغير كل شئ رغما عنها 
طرقات والدها على الباب تزامنت مع إغلاقها للنافذة لم تستطع أن تخفي عبراتها جلس عبد الرحمن بجانب إبنته وجذبها لتستند على صدره وقال ناس مزعجين قوي بس إحتمال يمشوا كمان شهرين أو ثلاثة
إيناس هما مين دول
عبد الرحمن اللي سكنوا في شقة شريف
إيناس خلاص مبقتش شقة شريف
عبد الرحمن لو متضايقة ممكن أرجع أستأجرها تاني
رفعت رأسه وقالت بإصرار لأ
عبد الرحمن لأ مش عايزة
إيناس ملوش لزوم ولا معنى ولا حيجمل الحقيقة بس هو عايش جوايا يا بابا والله عايش جوايا
عبد الرحمن عارف يا حبيبتي عارف
إيناس طيب ليه المفروض أنساه ليه إنتم عايزيني أنساه
عبد الرحمن لا إحنا مش عايزينك تنسيه حتنسي جوزك إزاي مستحيل حتنسيه إحنا بس خفنا تنسي نفسك ولو نسيتي نفسك حتنسيه يا إيناس
إيناس بس أنا خاېفة أنساه ولو نسيته حانسى إيناس اللي أعرفها حابقى واحدة تانية
إبتسم عبد الرحمن لصغيرته وتابع عارفة الدنيا دي يا إيناس علطول تعاكسنا تتلون من حوالينا تفتكري حنفضل زي ما إحنا ولا حندخل جوه اللوحة ونبقى جزء منها
إيناس بس بمزاجنا ولا ڠصب عننا
عبد الرحمن الإتنين ما هو يا كده يا حننقرض زي الديناصورات
إيناس بس مش شرط التغيير يكون للأحسن
عبد الرحمن عارف بس برده ضروري
أنا مثلا إتغيرت عبد الرحمن الأب والجد غير عبد الرحمن الشاب المتسرع اللي كان واخد الدنيا في دراعته
إيناس ودلوقتي
عبد الرحمن دلوقتي كل همه يحوط عليكم 
إيناس وسعيد ولا كنت زمان
سعيد أكثر
عبد الرحمن لا طبعا دلوقتي سعيد أكثر عارفة ليه
إيناس ليه
عبد الرحمن علشان كل يوم بيعدي في عمري بفهم نفسي أكثر وبكتشف حاجات جميلة كانت غايبة عني زمان 
إيناس بابا مكنتش أعرف إنك فيلسوف
عبد الرحمن ضاحكا فيلسوف مرة واحدة طيب ماتقوليش لأمك خليها مع الثوم والملوخية بتاعتها بس بصراحه أنا جعت من الريحة
إيناس وانا كمان
عبد الرحمن يبقى ناكل ونشرب شاي ونتفرج على التليفزيون ونبطل تفكير هه
قال ذلك وقد ضربها برقة على رأسها ثم تابع سيبيها كده بالبركة وقومي صلي وإدعي لشريف يا حبيبتي لا ينقطع عمل إبن آدم إلا من ثلاث
إيناس وقد تجمعت العبرات بعينيها صح أنا لازم أدعيله كتير يا بابا وكمان حاعمله صدقة جارية بكرة حانزل أعملها يا بابا علشان خاطر شريف
عبد الرحمن حاضر يا حبيبتي فكري إنتي عايزة تعملي ايه وبكرة حاجي معاكي
وبالفعل قضت إيناس ليلتها تصلي وتدعو لزوجها الراحل وتفكر في الصدقة الجارية فقد أضاعت ثمان أشهر في الذكريات فقط وربما حان الآن وقت شريف لعلها تستطيع أن ترسل له برقيات متقطعة من عالم الأحياء 
بخطوات واثقة كان يتجه نحو البناية مرت حوالي ثلاث سنوات كانت تبدو قاتمة قبيحة هل حقا تغيرت البناية أم هو من تغير ففي زيارته الأولى كان مدفوعا برغبة عارمة من أجل الحصول على ما يريد ولكن الآن الأمر إختلف 
وصل أخيرا لباب الشقة وبيد واثقة دق الجرس يكاد يستمع لخطواتها وهي تقترب من الباب وبسعادة ممزوجة بثقة إستقبلته عيناها تنطق بعبارتها بدلال كنت مستنياك !!!!!
دلف بهدوء بعد أن نظر بثقة لعيناها علاجك عندي
تركته وتوجهت للداخل ثم عادت وبيدها أنبوب صغير وضعت القليل من محتواه على أصابعها وإقتربت منه إبتعد عنها بدهشة قائلا
حتعملي إيه
كارمن الكريم ده حيهديها خالص 
ېقتل القتيل ويمشي في جنازته
كارمن بعد الشړ
خالد لا والله
كارمن جيت علشان أنبهك وإنت مدتنيش فرصة
خالد والمفروض إني أصدق
كارمن إنت حر
تركته وإتجهت نحو الأريكة جلست عليها فاكر من 3 سنين طلبت مني الجواز وإنت قاعد هنا بالضبط كانت أسعد لحظة في حياتي 
نظرت نحوه فجأة كانت زرقة البحر بعيناها لامعة أو ربما تبدو كأمواج ثائرة قالت بسخرية إنت جيت النهارده ليه
خالد برد الزيارة
كارمن إيه حتضرب واحدة ست
بلاش الأسلوب ده معايا وقولي لكريم إني مش بسيب حقي وأظن هو عارف ده كويس
إبتسمت بسخرية وأنا وضعي إيه في المعادلة دي
خالد دورك إنتهى يا كارمن ونصيحة متحاوليش تجدديه تاني
متأكد
إبتسم بمكر وتابع طبعا
تابعت بثقة حنشوف
مش خالد رضوان اللي حتعرفي تضحكي عليه
فوقي
الفصل العشرون
لم تصدق رقية أذناها عندما إستمعت لصوت إيناس الرقيق بالهاتف 
رقية إيناس وحشتيني
إيناس إنتي كمان وحشتيني قوي المزرعة وحشة من غيرك
رقية معلش
إيناس حترجعي إمتى
رقية لسه مش عارفة يا أنوس
إيناس إرجعي بقه متسيبناش لوحدنا شوفتي لما سيبتينا إيه اللي حصل
رقية بدهشة حصل إيه
إيناس هو أستاذ حسن ماقلش ليكي
رقية بتلعثم لا ماقلش حاجة حصل إيه !
أخفضت إيناس صوتها حتى لا تستمع والدتها إليها وتابعت في ناس هجموا بالليل على المزرعة وضربوا بشمهندس خالد
رقية إيه مين دول وضړبوه ليه
إيناس معرفش شكلهم حد مسلطهم عليه أنا مش عارفة أحكيلك بالتفصيل علشان عندي في البيت ميعرفوش
رقية إنتي في البيت
إيناس ايوه نزلت أجازة إمبارح وحارجع بكرة يلا تعالي نرجع سوا ولا حتسيبيني لوحدي كده في وسط شغل العصاپات ده
رقية خلاص بكرة حتلاقيني في الباص نركبه مع بعض وتحكيلي بالتفصيل
إيناس بجد كويس قوي يبقى معادنا بكرة إن شاء الله
أغلقت رقية الهاتف وكأنها تعللت بطلب إيناس لتعود أقنعت نفسها أن عودتها من أجل المسكينة إيناس التى تركتها وحيدة وليس من أجله هو هاتفها حسن مرارا وتكرارا في الأيام السابقة يسألها عن موعد عودتها يخبرها عن نومه دون طعام جيد وعن وحدته المملة علها تعود دون جدوى والآن هي ستعود نعم فهي لا تحتمل الوحدة فالوحدة قاتمة كئيبة عجوز تسرق الحياة إذن هي ستعود من أجل الحياة وليس من أجل حسن نعم ليس من أجله بل من أجلها هي 
غادرت إيناس منزلها للحاق بالحافلة فموعدها في الخامسة مساءا إستقرت في أحد سيارات الأجرة التي إنطلقت تشق الزحام نحو الموقع المنشود كانت جالسة بالخلف تتأمل الطريق ما هذا هل تساعدك العزلة على التأمل التعمق في ماهية الأشياء طالما مرت من هذا الطريق لسنوات ولكن الآن فقط تشعر أنها تراه وجوه قاتمة إعتادت الزحام أو ربما إعتادها فأصبحوا كيان واحد رائحة العوادم طغت على طبيعة الهواء معزوفة صاخبة شكلتها أبواق السيارت حتى توقفت الأذان عن تذوق الأصوات وشل العقل عن التفكير عن التأمل فأصبح الجميع كالماكينات يتحركون دون وعي دون إدراك بالتغيير الذي يحدث حولهم ربما كالأرض تدور في الفلك وتدور حول نفسها دون أن نشعر بذلك نعم إستغرقنا الاف السنوات لنعرف أنها كروية تدور وتدور ونحن معها وكأننا نتغير في كل لحظة دون وعي دون إدراك
كانت رقية تستمع
لها بدهشة وإيناس تقص عليها تفاصيل ما حدث في تلك الليلة والإعتداء على خالد كانت ملامح الصدمة بادية على وجهها وهي تقول مش ممكن اللي بتحكيه ده يا إيناس 
إيناس اه والله زي
ما بقولك
رقية طيب وليه ماكلمتيش حسن
إيناس كلمته كتير بس تليفونه ماردش
رقية اه تلاقيه كان قافل الجرس وحتى لو مش قافله هو أصلا نومه تقيل
إيناس كان