فوق جبال الهوان


بصوت مسموع وقال في سأم وهو ينهض من مكانه
ما كفاية رغي في الحوار ده...
قامت بدورها لتجده يمنحها نظرة ازدراء قبل أن يضيف بملامح مكفهرة
حتى الأكل الواحد نفسه اتسدت عليه.
لم تتبعه وظلت في مكانها تجمع الأطباق غير النظيفة وتضع بقايا الطعام في صحن واحد لتسمعه يخاطبها في نبرة عالية آتية من جهة الحمام
اعملي حسابك الفترة الجاية أنا عندي دورة تدريبية وجايز أسافر كام يوم.
استرعى الأمر اهتمامها فتركت ما في يدها لتتجه إليه متسائلة
وأنا هجي معاك
أشار لها بعينيه لتحضر له المنشفة فامتثلت لأمره غير المنطوق واستلتها من على المشجب لتعطيه إياها جفف بها يديه وألقاها في وجهها مرددا بعجرفة
هشوف لو كان ينفع هتيجي لو لأ يبقى هتروحي تقعدي يومين مع أمي.
جملته الأخيرة استفزتها بدرجة كبيرة فالمكوث عند أسرته يعني تعرضها للمعاناة والإزعاج طوال الوقت ناهيك عن قيامها بخدمة الصغير قبل الكبير بلا توقف وكأنها آلة لا يحق لها البحث عن بعض الراحة والخصوصية لهذا هتفت محتجة على اقتراحه غير المريح لها
وليه ما أفضلش هنا
قست نظراته ناحيتها بغرابة خاصة عندما أتمت جملتها
أو حتى أروح عند أهلي.
جاء تعليقه هجوميا بعض الشيء
بذمتك المكان اللي هما ساكنين فيه ينفع يتعاش فيه أصلا
تفهمت تمنعه عن القبول بمطلبها الأخير وأصرت على رأيها الأول
خلاص خليني أعدة في بيتي معززة مكرمة.
رد معترضا على مطلبها العادي
وأنا مش هطمن عليكي وإنتي لواحدك.
صممت على رأيها بقدر من العناد
وأنا مابرتحش إلا في بيتي.
لم يحبذ استمرار المجادلة في هذا الشأن كثيرا خاصة والأمر محسوم بالنسبة له فما كان منه إلا أن أبلغها برد محايد
لما نيجي لوقتها نبقى نشوف هنعمل إيه.
بالطبع كان يراوغها كعادته ليكسب وقتا ويوفر على نفسه عناء المناقشة لذا ظلت تلح عليه
بس إنت آ...
بتر جملتها في منتصفها هاتفا بحزم وإصبعه مرفوع في وجهها
هي كلمة ومش هكررها قولتلك نتناقش في الحوار ده بعدين...
كانت على وشك الاعتراض عليه لكنها ابتلعت حروف كلماتها في جوفها عندما أنذرها راغب بشيء من الټهديد
ومافيش داعي ننكد على بعض أكتر من كده النهاردة.
أتبع ذلك نظرة صارمة ومحذرة من عينيه وهو يضغط على عبارته الأخيرة
سامعة يا إيمان
لوت ثغرها قائلة بامتعاض وهذه التكشيرة الكبيرة تسود ملامحها
طيب.
تمطى بذراعيه واتجه نحو غرفة النوم قائلا
أنا هنام شوية صحيني كمان ساعتين.
من ورائه رددت في خنوع
ماشي.
ساعدته على الاستلقاء وفردت الغطاء عليه بعدما طلب منها إضافة وسادة أخرى ليتمكن من إراحة عنقه وهو يغفو لتنسحب من الحجرة بهدوء وهذا الصوت الحائر يتردد في رأسها
أتصرف معاك إزاي بس!!
حمل المعنى الآخر الدارج لاسمه والمتعارف بين الجميع فيما يخص نقل الأخبار والأسرار للغير وتحديدا لمن يجود عليه بالمال والعطايا في مقابل استفادة شخصية بحتة غير مكترث بتبعات جرائره الماكرة. جثا عصفورة على ركبتيه أمام غريم من يعمل لديه ليبث في أذنه آخر ما لديه من معلومات قد تهمه وكأنه بهذا يحظى بالحظوة والأفضلية عنده. حرك العترة مبسم النارجيلة على طرف شفته السفلى بروية ليستطرد بعدها متسائلا ونظرة تفكير عميقة تظهر على وجهه
يعني العاړكة دلوقت بقت مع الواد شحتة
أومأ برأسه مؤكدا الأمر
أيوه يا معلم.
ارتسمت ابتسامة عريضة على ثغره أتبعها قوله المستحسن
زي الفل.
أضاف عصفورة مجددا في شيء من النصيحة
عارف يا معلم لو خدت الواد ده تحت جناحك
صدقني هتكسب جبهة جديدة تساعدك في حربك ضد حبيبك.
استمر العترة في هز رأسه باهتزازات صغيرة قبل أن يعقب
مظبوط ما هو الكترة تغلب الشجاعة وأنا عايز أجمع معايا رجالة على أد ما أقدر وخصوصا إن الهجام دماغه سم ومش سهل.
تحفز عصفورة في جلسته المتواضعة عندما ألقي في حجره حفنة من النقود جمعها بلهاث متلهف وصاحب الفضل عليه يشدد عليه
خد دول ياض ولو في جديد مش هوصيك.
أبدى طاعته التامة له بتأكيده غير المشكوك فيه
طبعا زي تملي يا معلم الناس كلهم.
تبادل معه المنفعة المعلومة مقابل المال ولا يهم كم يدفع من أجل الإيقاع بخصمه فالبقاء هنا للأقوى وهو يريد أن يصبح صاحب الكلمة العليا والوحيدة في هذا العالم المعزول عن الحضر. بصوته المتحشرج حمحم العترة في لهجة شبه آمرة
يالا أوام قبل ما حد ياخد باله منك.
دس عصفورة المال الذي حاز عليه جراء خيانته في جيبي بنطاله الجينز القديم والممزق وهتف وهو ينهض واقفا
فوريرة.
مثلما جاء في الخفاء اختفى دون أن يتمكن أحدهم من رصد حركته أو اكتشاف خسته ليعود إلى التبة العالية وكأن شيئا لم يكن.
قيل أن المال هو المحرك الأساسي لكل شيء وأي شيء يطمح الإنسان في حدوثه لهذا بمجرد أن تلقى كيشو ذلك المبلغ الإضافي بعد يومين من مقابلة فهيم سعى لمقابلة أحد رجال الهجام في مقهاه الذي اعتاد الجلوس فيه. انتظر قيام الصبي بتقديم كوب الشاي له ومغادرته لأداء عمله ليخاطبه في صوت خاڤت نسبيا
دي قرصة ودن صغيرة مش حاجة كبيرة.
زم شفتيه معترضا
بس إنت عارف إن اللي تبع العترة بيجي منه عوأ مش بس قرصة ودن.
حاول الضغط عليه بطريقة ماكرة فسأله
يعني يرضيك حق الناس يضيع ظلم 
نفى في تجهم
لأ بس أنا مش ناقص مشاكل مع الكبير وإنت عارف زعله.
أشار كيشو بيده شارحا
احنا هنخوفه بس يقوم يلم الدور شويتين وفي نفس الوقت هنسترزق.
ثم أخرج من جيبه حفنة من النقود المطوية وضعها جبرا في راحته ليضم قبضته عليها وهو يحك جبينه معقبا بعد لحظات من الصمت
طيب سبني أدور الحكاية في راسي وبعد كده هشوف هعمل إيه.
هز رأسه مرددا
ماشي الكلام وأنا من جهتي هطمن الراجل.
دس المال في جيب بنطاله مشددا عليه
ماتدلوش كلمة أخيرة إلا لما أحسبها صح.
أرجع ظهره للخلف ليقول باسما
اتفقنا اشرب الشاي.
وأمسك بعدها بكوبه الزجاجي ليتجرع ما فيه على فم واحد قبل أن ينظر أمامه ليحدق في المارة بنظرات عابرة.
نضبت ما لديها من حيل من أجل الحصول على أي معلومة تطمئنها على رضيعها المفقود ففكرت في استدراج حمص لتستخرج منه أي شيء يخمد نيران اللوعة المتأججة في صدرها لكنه لم يكن من هذا النوع الغبي ومع هذا لم تيأس ولجأت إلى طريقة أخرى التصعب وإظهار الضعف والعوز ربما لحازت على اهتمامه وكانت تلك الطريقة الأكثر صدقا والأكبر تأثيرا عليه.
عاونته وزة وهو ينقل كعادته كل بضعة أيام ما قام بابتياعه من طلبات إلى داخل المطبخ وأراحت يدها على كتفه تسأله في وداعة
بالله عليك يا سي حمص ما تعرفش حاجة عن ابني.
نظر إلى موضع يدها على كتفه فأكملت بنفس النبرة المستعطفة
ده الضنا غالي وحړقة القلب وحشة.
أبعد يدها عنه مرددا بجمود
ماليش فيه الحوار ده.
وهم بالتحرك خارج المطبخ لكنها سبقته في خطاها واعترضت طريقه قائلة بنظرة حزن لم تبذل أي جهد في تزييفها
إزاي بس ده إنت من غيرك مافيش حاجة تمشي.
طالعها بتحير فتابعت على نفس النهج متوسلة عاطفته
بالله عليك ما تكسر بخاطري قولي أي حاجة تريح
بالي.
زفر عاليا وأخبرها وهو يشير بيده
حوارك ده شوفيه مع سنجة وده تمامي فيه.
أمسكت بكفه وقبلته في امتنان قبل أن تشكره
كتر خيرك ربنا ما يوقعك في ضيقة.
سرعان ما استل يده من بين أصابعها عندما اقټحمت خضرة المطبخ فجأة وهي تتساءل في فضول وهذه النظرة الغريبة تدور على كليهما
بترغي فيه إيه ده كله يا بت
استدارت ناظرة إليها لترد نافية بارتباك طفيف
ولا حاجة يا خضرة.
أمرتها بحزم وهذه النظرة المتشككة تعلو وجهها
طب روحي غيري الملايات اللي في الأوض وحطي الجديد مكانها.
ابتسمت ومع ذلك ظهرت ابتسامتها مهزوزة وانتفضت مسرعة نحو الخارج وهي تخبرها
عينيا.
ظلت خضرة باقية للحظات تراقب حمص بعينين حادتين ثم دنت منه لتهمس له في شيء من النصيحة
ابعد عن البت دي يا حمص الست توحيدة لسه معلمة عليها وإنت مش ناقص إنها تحطك في دماغها دلوقت الكوبارة موجود وما بيسكتش عن حد غلط.
تغير لون وجهه قليلا فتابعت تحذيرها الجاد إليه
وإنت أكيد مش عايزه يزعل منك.
تصنع الجدية وقال في عبوس
أنا أخري أقضي طلباتكم وبس.
قوست شفتيها عن ابتسامة خبيثة وهي تمتدحه
تعجبني.
أخرج من جيبه ورقة مطوية ثم مد يده بها ناحيتها قائلا
ودي فاتورة الحساب.
التقطتها منه قائلة بتدلل وهي ټضرب على صدره بخفة
هجيبلك الفلوس من الست توحيدة يا عينيا.
شيعها بناظريه وهي تنصرف بغنج قاصدة إبقاء عينيه عليها ورغم أنها لم تره فعليا وهو يفعل ذلك إلا أنها استشعرت نجاحها في هذا.
مثل كل يوم تتعرض للرفض من قبل سائقي سيارات الأجرة ممن يستبعدون المسافة أو يحتجون على الأجرة غير المناسبة للوقود الذي ېحترق بلا فائدة من أجل توصيلها إلى عنوان سكنها البعيد ناهيك عن رفضهم الأساسي المرور في الشوارع الضيقة والأزقة الخانقة حتى تصل إلى ناصية شارع عمارتها. 
هذه المرة تطاول عليها أحد السائقين بالسباب اللاذع والكلمات النابية رغم إعطائها لأجرته فقد اعتبر ذلك المبلغ قليلا لا يكفي لوقته ومجهوده اللذين ضاعا عليها فقط ورفضت منحه أي مبلغ إضافي لتأتي نتيجة ذلك بتعرضها للإهانة الفجة.
ندمت دليلة لأنها تجنبت الشجار معه وظلت تبرطم في حنق إلى أن ولجت لداخل منزلها فواصلت التذمر بسخط
احنا عايشين في مستنقع مش مكان طبيعي للبشر.
نزعت عن قدميها حذائها ووضعته في الخزانة المخصصة للأحذية لتستمر في شكواها
كويس إن محاضراتي متجمعة في يومين وإلا مكونتش عارفة هستحمل إزاي سخافة السواقين وأنا بسترجاهم يوصلوني لحد هنا.
ردت عليها أمها وهي تلمع سطح طاولة الطعام الزجاجي بخرقة قديمة
ربك يهون ونعزل من هنا.
أمنت عليها برجاء كبير
يا ريت والله.
حانت من عيشة نظرة مهمومة نحو ابنتها وراحت تتحدث إلى نفسها بلا صوت
لو مكانش راغب بس هيزعل أختك كنت زنيت عليه تفضلي معاهم.
انتشلها من شرودها السريع صوت قرع جرس الباب فأمرتها
شوفي مين على الباب يا دليلة.
ردت بإيجاز وهي تحكم من جديد لف طرفي حجابها بعدما حلته
طيب.
ما إن أدارت المقبض وفتحت الباب وتفاجأت بوجود جارتهم السمجة حتى تبدلت قسماتها للامتعاض ونظراتها للانزعاج فقالت بجمود
أهلا يا طنط.
شهقت دليلة حينما وجدتها تجذبها دون سابق إنذار إلى أحضانها لتضمها بقوة ومتعمدة أيضا في نفس الوقت تمرير يديها على طول ظهرها وكأنها تجري عليها فحصا من نوع ما لتستطرد في ألفة عجيبة تناقض كليا عمق الجيرة بين العائلتين
يا مرحب بعروسة الحتة...
تراجعت إعتدال عنها لتتابع كلامها إليها في أسف مصطنع
عارفة إنتي لو تتخني شوية هتبقي مدورة والكل هيحط عينه عليكي.
أتت أمها كنجدة من السماء فجذبتها من ذراعها للخلف
وأمرتها في لهجة مزعوجة
خشي جوا يا دليلة طبقي كوم الغسيل.
في التو أطاعتها
وهربت من تحت أنظار هذه الجارة السخيفة اللزجة
حاضر يا ماما.
أشارت عيشة لضيفتها الطفيلية المتطفلة عليها بيدها تدعوها للدخول وهي تخاطبها
اتفضلي يا ست إعتدال.
استخدمت نفس الطريقة في الترحيب بها قبل أن تجلس على الأريكة وترد في استظراف زائد
تعيشي يا حبيبتي أنا لاقيت نفسي فاضية