فوق جبال الهوان


كبيرة من الهواء من رئتيها وأجابتها بعبارات مرتبة تبدو مقنعة لمن يسمعها من المرة الأولى
هقوله أنا فوت عليكي بعد الكلية وإنتي كنت راجعة البيت بعد ما جبتي طلباتك من السوبر ماركت واتقابلت معاكي وكنت شايلة عنك شنطتك وجه الحرامي وشدها مني فاتسرقتي ساعتها.
بدا سردها منطقيا ومقبولا فقالت وهي تومئ برأسها
ماشي وربنا يستر.
استوقفهما أحد معاونين القسم متسائلا في جدية
خير يا هوانم
في التو حادثته دليلة بنبرة ثابتة
أنا عايزة أعمل بلاغ سړقة.
نظر إليها بإمعان قبل أن يأمرها
طب تعالي ورايا.
من الناحية الأخرى لمحها أحد هؤلاء الذين يعملون سرا مع أتباع الهجام ممن ينقلون آخر الأخبار الأمنية المتعلقة بهم إلى كبيرهم. كانت ذاكرته جيدة فاستطاع أن يألف ملامحها بسهولة وتحدث مع نفسه في شك سرعان ما تحول إلى يقين
مش دي نفس البت! آه هي! هو أنا هتوه عنها
ظلت عيناه كالصقر تتابعان تحركاتها وهو لا يزال يسأل نفسه
بس يا ترى جاية هنا ليه المرادي
التقت بأحد الضباط المكلفين بمتابعة جرائم السړقة وراحت تسرد له تفاصيل حادثتهما وكأنها الشخص المنوط الذي تعرض للأمر وليست شقيقتها المڤزوعة كذلك أعطت وصفا إلى حد ما دقيقا عنه ليحضر الضابط ألبوما ضخما يحوي في صفحاته صورا فوتوغرافية لكل من ألقي القبض عليه في هذه النوعية من الچرائم. 
بعد فحص وتمحيص وتدقيق لما يقرب من ربع ساعة استطاعت دليلة التعرف إليه فأشارت إلى صورته صائحة بحماس
ده يا حضرت الظابط.
أخذ الألبوم منها وتأمل صورته مكررا سؤاله عليها
إنتي متأكدة إن هو ده اللي سرقك
العلامات المميزة بوجهه والمتمثلة في الندوب والچروح القديمة جعلتها قادرة على تمييزه والتعرف عليه لذا بما لا يدع مجالا للشك ردت
أيوه متأكدة مليون في ال 100 .. أنا عرفته
من وشه مستحيل أتوه عنه.
استدعى الضابط معاونه ليأمره في الحال
خدها يا صول صادق وكمل الإجراءات.
أدى له التحية العسكرية قائلا
حاضر معاليك يا باشا.
انصرفت بعدها دليلة وهي تشعر بالارتياح لأنها تمكنت من الإمساك بهذا اللص اللعېن وسارت خلف الصول الذي سألها بشكل فضولي
وإيه اللي جابكم النواحي دي
أجابته بتلقائية
أنا ساكنة في المنطقة وأختي فاتت علينا وكنت بوصلها لأول الشارع علشان تركب تروح بيتها.
هز رأسه مرددا بطريقة غامضة
قولتيلي...
استشعرت في نبرته الغريبة شيئا غير مريح وصدق حدسها عندما توقف عن المسير ليستطرد بصوت خفيض ومملوء بالتحذير الخفي
في حاجة لازما أنبه عليكي قبل ما تعملي المحضر بشكل رسمي.
سألته بعينين ضيقتين
إيه
مال ناحيتها ليتابع بنفس الصوت الهامس
الحرامي ده مش سهل مسنود.
لم تفهم ما الذي يرمي إليه بكلماته تلك زادت ملامحها تعقيدا وهي تسأله
يعني إيه الكلام ده
نظرة عابرة ألقاها حوله قبل أن يخبرها مطلقا تحذيره الجاد لها
يعني اللي واقف وراه ناس بلطجية تقال أوي مش أي حد يقدر يتعامل معاهم.
ظنت أنه يحاول إرهابها بعباراته تلك لتتراجع عن موقفها خاصة بعدما تعرفت إليه لم تقبل بفرض ذلك عليها وعاندته بتحد
وأنا مش هتنازل عن حقنا ده احنا المجني عليه مش الجاني.
رد بإيجاز
براحتك.
غمغمت بعدها في تبرم ساخط وقد ساد وجهها تكشيرة كبيرة
بقينا في زمن العجايب اللي يتسرق هو اللي ېخاف ويكش!
كانت إيمان صامتة غالبية الوقت تتابع كل ما يدور پخوف وتوتر فتشبثت من جديد بذراع أختها لتهمس لها
دليلة أنا قلقت والصراحة خاېفة.
أخبرتها كنوع من بث الطمأنينة لها
ما تقلقيش يا إيمان أنا هتصرف.
انشغل تفكيرها مجددا بزوجها فتمتمت في نبرة منزعجة ومشوبة بالخۏف
زمان راغب بيتصل دلوقت.
سمعتها شقيقتها فاقترحت عليها
لما نخلص ابقي خدي كلميه من عندي وعرفيه.
شعرت بجفاف شديد يجتاح حلقها وتمتمت في توتر آخذ في التزايد
ربنا يستر أنا مړعوپة من ردة فعله أكتر من أي حاجة تانية.
استنكرت دليلة ارتعابها منه وعلقت ساخرة بفم ملتو
والله تلاقيه ولا فايقلك أصلا!
اشتدت عروق وجهه وازداد تجهما وعبوسا لأنها لم تعاود مهاتفته مثلما أخبرته قبل قليل لم يستطع راغب التركيز في المحاضرات التي يتلقاها وشرد في أمرها محاولا تفسير سبب غيابها غير المبرر فلو كانت لا تزال مقيمة عند والدته لوصلت إليه كل أخبارها وكأنه متواجد مع العائلة. كز على أسنانه مدمدما في غير صبر
ده اللي 10 دقايق وهتكلمني!
لم يتوقف عن الاتصال بها وفي كل مرة كان يأتيه الرد بأن هاتفها مغلق ويتعذر الوصول إليها ليتضاعف حنقه وهواجسه ضغط بقبضته على حواف هاتفه مخاطبا نفسه
كمان قافلة موبايلها أكيد في حاجة بتحصل من ورايا!
توعدها بعدما حرر زفرة معبأة بدفقات من الحنق
طيب يا إيمان لولا ظروف سفر ماما مكونتش سبتلك الحبل على الغارب كده!
فرك طرف ذقنه مكملا وعيده
أما أرجع بس ونتحاسب.
الټفت خلفه دفعة واحدة حينما ناداه أحدهم من بعيد مشيرا بيده إليه
يالا يا راغب احنا بدأنا.
هز رأسه معقبا
تمام جاي وراك!
هم بالتحرك تجاه باب القاعة وهو يجري آخر محاولاته للاتصال بزوجته على أمل أن يجدها تجيبه لكن لا جدوى!
القيام بأعمال المنزل البسيطة لم يكن من هواياته المفضلة ومع ذلك كان مضطرا للاهتمام بما يخصهما وخصوصا ما يتعلق بنظافة ثيابهما القديمة. وقف حمص عند حافة سور السطح حيث علق الحبل الذي تتدلى عليه ملابسهما لمح من علياه مركبات الشرطة وهي تخترق الزقاق الضيق فاستطرد متحدثا إلى رفيقه المقرب باسترابة
هي الدبابير جاية عندنا ليه
سأله شيكاغو 
مين قالك
ظل مراقبا للوضع الغريب وأشار له بيده للأسفل مؤكدا
راكنين تحت البيت.
انتفض واقفا من على الأريكة المتهالكة وهرول نحو
حافة السور ملقيا بما معه هاتفا في شيء من الجزع
طب لو في حاجة كده ولا كده تاويها أوام.
أجابه بغير خوف
اللي حدفتها كانت آخر حتة معانا غير كده احنا في الأمان على الحميد المجيد.
استحسن عدم وجود ما يدينهما هاتفا
زي الفل.
اقتحم أفراد الشرطة السطح دون استئذان ليصيح الضابط المسئول عن هذه المهمة بصوته الآمر والصادح
مكانك إنت وهو.
بشكل تلقائي ومعتاد رفع كلاهما أياديهما للأعلى ليتولى حمص دفة الكلام مؤكدا
احنا يا باشا في السليم.
تجاهله محدجا إياه بنظرة احتقارية قبل أن يوجه أمره لرجاله وهذا التعبير المزدري يكسو وجهه
فتش المكان ده كله
في شيء من الجراءة سأله حمص مستفهما
قولي في إيه يا باشا واحنا نساعدك
تقدم تجاهه بثبات إلى أن وقف قبالته أشار له بعينيه ليخفض ذراعيه ثم سأله مباشرة دون مقدمات
فين سنجة
جاوبه بسؤال آخر
هو عمل إيه
رمقه بهذه النظرة الجامدة قبل أن يصيح بخشونة
ملكش فيه إنت ترد على أد السؤال.
رد عليه بحذر
هو مجاش هنا.
وجه إليه سؤاله التالي بنفس الأسلوب الصارم الآمر
بيقعد فين
أجابه بهدوء
يا على القهوة يا إما عند أي حد من معارفه.
كان تأثير ما تعاطاه شيكاغو قد بدأ في الاستحواذ عليه فلمح من موضع وقوفه سنجة وهو يسير بدراجته في الزقاق فاستطرد بشكل عفوي
مش ده سنجة
تحرك الضابط تجاه السور ليتأكد مما يقول فأمر أحد رجاله في التو عبر جهاز اللاسلكي
المچرم قريب منكم امسكوه...
ثم استدار مخاطبا البقية
وإنتو انزلوا على تحتن وحصلوه أوام!
لحسن الحظ كان أفراد قوة الشرطة منقسمين إلى فرقتين واحدة مكلفة بالصعود إلى الأعلى للاقټحام والتفتيش وإلقاء القبض على المچرم في حالة تواجده وفرقة أخرى مرابضة بالأسفل للإمساك به في حالة تواجده على مقربة من المكان. 
تحرك عدة أفراد من القوة تجاهه لإلقاء القبض عليه فصاح سنجة مستنكرا محاصرته والإمساك به
في إيه يا بهوات أنا معملتش حاجة
لحق بهم الضابط ومد يده لينقض عليه من تلابيبه هاتفا
اتمسكت يا حرامي!
صاح مستنكرا وقوعه في قبضة رجال الشرطة هكذا ببساطة
أنا وسړقت مين بقى
صفعه الضابط على منحنى عنقه بضعة مرات بقوة ألمته قبل أن يخبره
هتعرف في القسم يا خفيف...
ثم أمر رجال قوته باتباع أوامره
هاتوه على البوكس.
اقتادوه تجاه سيارة الشرطة المصفحة ليدفعه دفعا داخلها وهو يقاوم قدر استطاعته عملية القبض عليه التي تمت هكذا بغرابة وبسرعة غير متوقعة.
وردها اتصالا هاتفيا من معشوقها عباس ذاك الذي يحتل عرش قلبها ويتربع وحده بداخله ليخبرها بقدومه مع صاحب الكلمة العليا هنا لتمضية بعض الوقت في منزلها فابتهجت أساريرها وسرت على الأخير. في التو قامت توحيدة بتبديل ثيابها إلى أخرى جديدة زاهية ومزركشة تحركت بهمة ونشاط وهي تلقي أوامرها على من تعملن تحت إمرتها
أوام يا بنات روقوا المطرح الكوبارة جاي على هنا.
من خلفها جاءت خضرة لتسألها بتوجس
والبت وزة
وكأنها قد تناست نوبة الصړاخ والعويل الهيسترية التي مرت بها بعدما عرفت بالحقيقة المفجعة .. التوى ثغرها مرددة في تأفف
كان الواحد ناقصها!
ألحت عليها خضرة في سؤالها الحائر
ها يا أبلتي أتصرف معاها إزاي دي مبهدلة الدنيا على الآخر.
لوحت لها بيدها قائلة بوجوم
اديها أي حاجة تخليها تتهد عننا شوية لحد ما أشوفلها تصريفة.
لم تعارضها وأذعنت ملبية رغبتها في الحال
حاضر يا أبلتي.
لم تكن قد سارت عدة خطوات بعد قبل أن يأتيها الأمر النافذ التالي
وخلي البت مروة تبقى جاهزة ما هو الكبير أكيد جاي مخصوص علشانها.
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه خضرة وهتفت وهي تتغنج في خطواتها المائعة
عينيا يا ستنا.
قرصت توحيدة وجنتيها لتزيد من إشعال الحمرة بهما وهمست لنفسها في تحمس
أيوه كده الواحد عايز يشوف
أيام العز والهنا تاني.
تناقلت الأخبار هنا وهناك عن المشاجرة التي دارت بين وزة وسنجة في وقت سابق بسبب معرفتها بحقيقة وقوفه وراء اختفاء رضيعها والتخلص منه. استمع عباس لهذه الأخبار المستجدة من أحد عيونه المندسة في منزل توحيدة بعدما ترجل من السيارة التي سبقت وصول رب عمله وشقيقه وقف بالقرب من المدخل وأشعل سيجارته ليصغي إليه بانتباه فقد عرف كل شيء دون الحاجة للاستعلام منها شخصيا عن هذا. ابتسم ساخرا عندما نما إلى مسامعه تعرض تابعه الأرعن للإيذاء في وجهه جراء تشاحنهما وعلق وهو ينفث دخان سيجارته محلية الصنع
بقى حرمة تعلم عليه أما واد هزوء بصحيح!
رد عليه مبررا
اتاخد غدر يا معلم عباس!
لم يبد مكترثا لأمره وقال
علشانه دني وطفس!
رأى من موضع وقوفه حمص وهو يركض تجاههما وكأنه على علم مسبق بمكانه فهتف بصوت لاهث ليخبره دون استهلال
إلحق يا معلم الحكومة مسكت الواد سنجة وشكل الليلة مش فايتة.
جزع للأنباء المزعجة وأمره وهو يربت على كتفه بقوة
طير من هنا أوام.
استجاب له وغادر محيط العمارة ليهرع عباس متجها إلى بداية الطريق حيث من المفترض أن تمر سيارة الهجام من هنا استوقفه عند المنعطف فتباطأت السرعة بالتدريج خفض كرم الزجاج
الملاصق لنافذته ليميل عليه تابعه المخلص مستطردا بصوت منزعج
يا كبيرنا خليك مطرحك في عوأ في الحتة.
بتعبير جامد على ملامحه تكلم كرم قائلا بغير مبالاة
واحنا من إمتى بيهمنا!
في حين تساءل زهير مهتما
الليلة إيه
الټفت عباس ناحيته وخاطبه
شكله حوار مع الواد سنجة.
بنفس الهدوء المسيطر عليه أمره زهير وهو يشير إليه
إفهم في إيه وعرفنا.
هز رأسه في طاعة قبل أن يرد
وجب الكلام.
استدار زهير برأسه نحو شقيقه يكلمه
اطلع على التبة أحسن.
سأله في استغراب
مش هتجي معايا فوق عند البت سمارة
دون أن تتبدل تعابيره الهادئة قال
إنت عارف إني ماليش في جو توحيدة واللي