فوق جبال الهوان


استيقاظ المولود فيلفت بصوت صراخه الأنظار إليه لهذا حرص كل الحرص على السير في أماكن تخلو من المارة ولا يتواجد بها إلا الباحثين عما يذهب العقل وينسي الهموم بالأوهام والضلالات الخداعة. 
ظل مكللا بتوتره إلى أن جاء إليه هذا الشقي المشاغب المعتاد على ممارسة كافة أنواع الإجرام والملقب ب سنجة نظرا لمهاراته غير العادية في استخدام المطواة في قتالات الشوارع وإصابة خصومه بإصابات مباشرة . متسائلا قبل أن يتحسس الندبة البارزة في صدغه الأيمن 
معاك اللفة
ناوله الحقيبة قائلا 
أيوه.
أخذها منه وفتح السحاب ليلقي نظرة خاطفة على ما فيها قبل أن يعاود إغلاقها طارحا سؤاله التالي 
والفلوس
دس يده في جيبه ليخرج رزمة مطوية من النقود أعطاها له مرددا 
خد.
نظر إلى المال محتجا بوجه عابس 
مش قليل ده
أخبره حمص بجدية 
ده النص بالنص.
على مضض وضع النقود في جيبه مبديا سخطه 
لولا إنها تخص الست توحيدة مكونتش عملت معاك الواجب.
عقب عليه غامزا بطرف عينه 
ما إنت عارفها اللي يخدمها في حاجة بتدلعه.
يبدو أنه اقتنع بالصفقة ولم يجادل كثيرا لكنه استطرد في شيء من التحذير المشوب بالريبة 
إياكش بس المعلم عباس مايخدش خبر ساعتها هيلهف الفلوس كلها.
أكد له حمص بما لا يدع مجالا للشك 
من جهتي أنا مش هجيب سيرة.
أعلمه بمشاركته نفس القرار 
وأنا شارحه.
هم حمص بالمغادرة فقال وهو يلوح بيده 
أما تخلص إديني التمام.
ابتسم في انتشاء قبل أن يرد 
بالصوت والصورة يا صاحبي.
افترق الاثنان كلا في اتجاه مغاير ليقوم بعدها سنجة بتبديل الحقيبة القماشية بكيس بلاستيك أسود اللون ووضع الرضيع بداخلها بعدما أحكم لفه في قطعة قماشية لم يكترث إن كانت ستطبق على أنفاسه ويختنق بها أم لا فمهمته محددة محو أثره من الوجود.
على أطراف تلك المدينة النابضة بالحياة والعامرة بسكانها تحديدا بعد منطقة المقاپر وقبل الخلاء الشاسع الفاصل بين الحضر والصحراء الممتدة تواجدت بقعة نائية معزولة عن العمران رغم توافر كل المرافق والخدمات الأساسية بها إلا أنها كانت قصية منفية أو بالأحرى منسية تحكمها قوانين ونفوذ أحدهم فقط دونا عن البقية بالقرب من محيط التبة العالية. 
شردت بنظراتها القلقة من عينيها ذات اللون العسلي تراقب الطرقات المؤدية إليها فقد كانت الملاذ الوحيد المتاح لعائلتها بعدما اڼهارت بنايتهم وأصبحوا بلا مأوى الاختلاف في مستوى المعيشة والثقافة
جعلها أكثر اضطرابا وتوترا فهي لم تطأ مثل هذه المناطق الشعبية المتدنية من قبل رغم قيام الحكومة بالتعاون مع الجمعيات الأهلية ببنائها للمساعدة في حل أزمة الإسكان بل إنها كانت تسخر من الأفلام التي تجسد وجودها والآن باتت رغما عنها جزءا منها. التفتت دليلة ناظرة إلى والدتها الجالسة بجوارها في المقعد الخلفي بسيارة الأجرة عندما خاطبت والدها الماكث في المقدمة تسأله 
فاضل كتير يا فهيم عقبال ما نوصل
أدار رأسه لينظر ناحيتها قائلا بتحير 
مش عارف...
ثم وجه سؤاله إلى السائق 
قدامنا أد إيه أسطى
بعد زفرة مسموعة تنم عن تبرمه وشكواه وضيقه من اختياره دونا عن غيره للقيام بتوصيلهم أجاب 
خلاص يا حاج كلها 5 دقايق وأوديكم عند العنوان...
قبل أن يفكر فهيم في قول شيء آخر أنذره السائق مشيرا بيده 
بس مش هعرف أخش جوا الشوارع ضيقة والعربية مش هتعرف تطلع ده غير إنها حتة كل اللي فيها لبط.
وكأنه يبث الشعور بالراحة والأمان في نفوسهم عقب جملته تلك رددت عيشة من ورائه في توجس وفي نوع من السخرية المتوارية 
الله يطمنك يا ابني.
مالت دليلة على والدتها تخاطبها في صوت خاڤت شبه لائم 
ما كنا روحنا مكان تاني يا ماما إيه اللي يجبرنا على كده
ردت عليها بنفس النبرة الخفيضة آملة في إقناعها بعدم إثارة المشاكل في الوقت الراهن 
ده وضع مؤقت لحد ما أبوكي يظبط أموره وماتنسيش هو شريك في فرن العيش اللي هناك أهوو القرشين اللي يطلعوا منه نحوشهم لحد ما ربنا يعدلهالنا ونمشي.
لم تحبذ ما فرضته عليها وبرطمت في همس 
ليها حق إيمان وجوزها يرفضوا يوصلونا ما هو بعد ما كنا ساكنين في أرقى مكان في البلد بقينا أعدين في العشوائيات.
سكتت للحظات تتأمل فيها أطنان القمامة الملاقاة على هيئة أكوام في جانبها الذي تحدق فيه من الطريق عبر نافذتها أزعجت الرائحة المنفرة أنفها فأغلقت النافذة واستدارت تكلم والدتها من جديد 
وأنا هروح الكلية إزاي ده المشوار بعيد جدا.
أخبرتها بتهجم واضح على تعبيرات وجهها 
أبوكي هيوصلك يا إما أنا هجي معاكي وخلاص إنتي في آخر سنة في اقتصاد منزلي وكلها كام شهر وترتاحي من هم التعليم والمذاكرة.
لم يعط حديثها التقليدي أي حل لمشكلتها فطرأ في بالها فكرة ما لذا لم تتردد في الاستفسار منها عن مدى تطبيقها وراحت تسألها باندفاع 
ماينفعش أفضل أعدة مع إيمان
زادت تعبيراتها وجوما وهتفت مستنكرة 
وجوزها يقول عننا إيه إنتي عارفاه بيتلكك.
جاء تبريرها منطقيا 
بس أنا كده مش هعرف أركز وجايز أسقط في الامتحانات ساعتها هيكون العمل إيه
صمتت عيشة لهنيهة تفكر لتقول بعدها على مضض 
خلاص لما يجي وقت الامتحانات تبقي تروحي عندها..
مجددا اعترضت على طول المدة قائلة 
بس ده لسه بدري وآ...
قاطعتها في حسم وهذه النظرة الصارمة تطل من حدقتيها 
نتكلم بعدين واحفظي السكة اللي مش باينلها ملامح دي!
عاودت النظر إلى الطرقات الرملية التي نشرت في الجو سحابة من الغبار والعفر جراء سير إطارات المركبات المختلفة بسرعات متفاوتة فلم تتبين وجهتهم تحديدا أدركت لحظتها أنه لن يكون من السهل تقبل هذا الوضع الجديد فهي بالكاد تحاول الصمود والتأقلم ولكن البداية لا تبدو مبشرة على الإطلاق.
بعدما ألقى نظرة مدققة على محيط هذه المنطقة وتأكد من خلوها من كاميرات المراقبة تحرك سنجة تجاه الشارع المزدحم بمختلف أنواع السيارات بجانب الدراجات الڼارية والمارة ليلقي على الأسفلت الكيس الذي كان يحمله في يده وكأنها قمامة يتخلص منها دون أن ينتبه إليه
أحد فالكل مشغول بشأنه ليسرع بعدها في خطاه عابرا للجهة الأخرى من الطريق محاولا مراقبة ما سيحدث بتوتر وقلق.
من سوء حظ سائق ذلك الميكروباص أنه دهس بإطار مركبته على الكيس ما به مخلفا على الطريق بركة كانت مزيجا من توقف فجأة ليترجل من مركبته متسائلا 
دي قطة ولا إيه
لتسود بعدها حالة من الهرج والمرج وقد تم الكشف عما بداخل الكيس
صړخت النساء وارتفع الصخب ليردد أحدهم مستنكرا بشدة فظاعة ما جرى 
مين ابن الحړام اللي عمل كده!
في التو نفى السائق التهمة عنه والذعر يعتريه 
وربنا كنت مفكره كيس ژبالة.
برر أحدهم تصرفه التلقائي بمنطقية 
وإنت هتعرف منين ده مرمي في وسط الشارع.
هتف آخر من الخلف 
اطلبوا النجدة أوام.
في حيث تحدث أحدهم وهو يضرب كفه بالآخر في حزن وتأثر 
لا حول ولا قوة إلا بالله ذنبه إيه ده تكون نهايته كده
مثل البقية التحم سنجة مع الحشد المتفرج واستخدم هاتفه المحمول لتسجيل الحاډثة وكأنها سبق صحفي قبل أن يتوارى عن الأنظار ويختفي عن المشهد البشع الذي كان هو سببا رئيسيا في حدوثه.
انتهى لتوه من الاغتسال فقام أحدهم بإعطائه منشفة قطنية نظيفة ليجفف بها وجهه ومرفقيه قبل أن يقذفها إليه ليأخذ من آخر قميصه الكحلي ليرتديه قام بعدها بزر أزراره على مهل ثم خرج من الحمام مختالا في مشيته ومن خلفه أتباعه كأنهم أفراد حراسته الخاصة أو حاشيته المخلصة. عرج على أحد قوات تأمين حراسة السچن فلوح بيده له ليحييه ومر على آخر خاطبه بلهجة مالت للمزاح قليلا 
مش هتوحشنا يا هجام يا ريت مترجعش تاني عندنا.
رد عليه في زهو وكأن قدومه إلى السچن مدعاة للفخر والاعتزاز 
على حسب الظروف يا باشا.
واصل سيره كالملك إلى أن وصل إلى عنبر السجناء فتقدم أحد أتباعه ليفتح الباب له فولج إلى الداخل باحثا بنظرة شاملة عن أحد بعينه وجده منزويا بالقرب من قضبان النافذة الوحيدة بالمكان فأشار لرجاله بالتوقف واتجه إليه. وضع كرم الهجام كفه على كتف شقيقه الأصغر لينبهه إلى وجوده ثم استطرد في صوت أجش 
مش عايزك تقلق رجالتي معاك طول الوقت كأني موجود بالظبط.
قبل أن ينهي نصفها بالدعس على عقبها مرددا 
ماشي يا هجام.
تابع كلامه إليه كنوع من التحفيز وهو لا يزال يربت على كتفه بشيء من القوة 
إنتو مش أخويا الصغير وبس إنت ابني وأقرب حد ليا.
لحظتها الټفت ينظر إليه خاصة حينما شدد عليه وعيناه قد أصبحتا أكثر قتامة وشراسة 
وحط كلامي ده حلقة في ودنك اللي يدوسلك على صوباع إيده كلها الضعيف بيتاكل سامعني وإنت جاي من صلب عيلة الهجام مش واخد الصيت والسلام.
هز رأسه مقتضبا في الرد 
حاضر.
سحبه بعدها من كتفيه بعيدا عن النافذة وهو لا يزال يتحدث إليه في نبرة جادة رغم خفوتها 
تعجبني الليلة مش هبات معاك هنا في العنبر بس اعتبرني موجود.
عقب عليه مرددا 
الحكاية كلها كام يوم وأخرج.
ربت مرة ثانية بقوة طفيفة على منبت كتفه محفزا إياه 
السچن للجدعان واحنا ملوك التبة!
اكتفى بتحريك رأسه مبديا تأييده لما اعتبره خطابه التشجيعي وجلس معه على سريره يتبادلان المزيد من الأحاديث الجادة عن أمور شتى كأنما يراجعان كيفية سير جدول أعمالهما داخل جدران السچن وخارجه.
انقلبت حياتهم رأسا على عقب ذلك النهار
الغائم جراء إصرار أحد جيرانهم والذي يقطن بالطابق الأرضي على إجراء تعديلات في التصميم الهندسي داخل منزله فهدم الجدران لتوسعة الصالة مما أثر على البنية الأساسية للمبنى القديم وجعله عرضة للاڼهيار في أي لحظة فصدر الأمر المباشر من الحي بإخلاء جميع العائلات منه وانتقالهم للعيش في أماكن أخرى ولكون الأمر فجائيا وغير مرتب له لم يكن أمام السيد فهيم حجاب سوى الانتقال إلى هذا المنزل المتواضع والذي كان قد حصل عليه منذ زمن عن طريق الاشتراك في الجمعيات الأهلية التي توفر السكن للمواطنين بأسعار في المتناول ريثما يتمكن من توفيق أوضاعه والانتقال إلى حي سكني آخر يليق بالعائلة.
بعد مداولات ومشاورات وزيارات متعددة لأباطرة السمسرة تمكن من مبادلة شقته الوضيعة بأخرى أفضل حالا في هذا الحي الجديد النائي وبفارق سعر بسيط يتناسب مع ظروفه الاقتصادية كانت لحسن حظه قريبة من المخبز الذي يتشارك فيه مع أحد معارفه بنسبة الثلث إلى الثلثين بالطبع لم يمتلك حق الإدارة وكان فقط يحصل على حصته من الأرباح السنوية تلك التي لم تعد تكفي للمعيشة بعد بلوغه سن المعاش وانخفاض راتبه إلى الحد الأدنى.
كذلك تزويج ابنته البكرية إيمان ومساعدتها على الاستقرار مع زوجها قضى على كافة مدخراته وما تبقى بالكاد يكفي للمشاركة في شراء الأثاث والأشياء الضرورية لزواج ابنته الصغرى إن جاء أحدهم وتقدم لخطبتها لكن القدر لم يمهله الفرصة للحفاظ على هذا المال فسحب جزءا كبيرا منه لدفع النقود المطلوبة لتوضيب سكن العائلة
وشراء الأثاث وإلا لنصبوا إحدى الخيمات وجلسوا بداخلها في !
حاسبي يا ماما.
قالت دليلة هذه العبارة محذرة أمها لتنتبه لخطواتها أثناء محاولتها العبور على الرصيف المهدم على أمل ألا ېلمس حذائها ماء