فوق جبال الهوان


ما سمعه ليجد زهير يدور حول مقدمة السيارة حتى يستقر خلف عجلة القيادة في التو ركب بجوار ابنته وحاوطها بذراعه ليريح رأسها على كتفه مسح على وجهها الرطب بترفق وعيناه الأبويتان تنظران إليها بأسف وندم.
............................................
لجأ إلى أسلوب الصمت المخيف طوال قيادته للسيارة ليشعر فهيم بمزيد من التخبط والحيرة من أمره الغامض نحوهما خاصة أنه أبصر نظراته القاتمة إليهما بين الفنية والأخرى فاستشعر قلبه نية غير محمودة تجاههما لهذا تساءل بحذر وهو يزيد من ضمھ لابنته وكأنه يحاول حمايتها بكل الطرق المتاحة إليه
إنت ناوي على إيه معانا
أخبره بغموض جعل البرودة تسري في عروقه
مش وقت كلام.
لم ينتبه فهيم إلى بلوغه لمنطقة سكنه بسبب تركيزه الكلي معه ليدور ببصره بشكل عفوي في الأرجاء عندما سأله
ده بيتكم صح
أمعن النظر في المكان مستوعبا أنه بالفعل وصل إليه فجاوبه باقتضاب مرتبك
أيوه.
ترك المحرك دائرا وترجل من السيارة ليقوم بفتح الباب الملاصق ل دليلة ثم مرر ذراعيه من أسفل جسدها وقام بحملها دون استئذان منه وهو يكلمه بلهجة الآمر الناهي
وريني ساكنين فين.
كان يعلم مسبقا بمحل إقامتها ومع ذلك ادعى جهله به ليجعله يمضي في طريقه أولا حتى يتجنب نظراته التي تلاحقه وتحاصره بل وتطبق على أنفاسه كلما حاول استراق النظر إلى هذه الشابة المٹيرة لفضوله واهتمامه. أطاعه فهيم مرددا وهو يهبط عن السيارة بتعجل
حاضر.
ثم سبقه في خطاه ليرشده إلى مكان بيته هاتفا
اتفضل من هنا.
كعادتها الفضولية المتطفلة وقفت إعتدال على بسطة السلم تراقب كل شاردة وواردة تحدث فلم يغب عن ناظريها رؤية زهير وهو يصف سيارته أمام البناية
ليترجل منها حاملا ابنة الجيران الشابة فدارت برأسها الأفكار المحيرات عن علاقة بعضهما ببعض. اندفعت بنزق ترحب به وهي ترسم على وجهها ابتسامة عريضة مستفزة
سي زهير عندنا منور العمارة يا كبير المنطقة.
ادعت أنها لم تبصرها في البداية وقالت في خوف مصطنع
الله! مش دي دليلة هو حصل إيه
زجرها زهير بخشونة مهددا إياها وهو يحدجها بنظرة قاسېة
تعرفي تسكتي ولا أسكتك بطريقتي
في التو تخلت عن أسلوبها التحقيقي وتراجعت للخلف لتبدي اعتذارها إليه
حقك عليا يا كبير..
واصل زهير تهديده لها وهو يكمل صعوده للأعلى
خشي بيتك واقفلي بابك عليكي أحسنلك.
لم تقل شيئا وانصاعت إليه عائدة إلى داخل بيتها لتقف وراء الباب بعدما أغلقته متسائلة مع نفسها وهي تضع إصبعيها على طرف ذقنها
شكل الموضوع فيه إن ولازما أعرفها!
.
بمجرد أن سمعت الطرقات على الباب أسرعت عيشة تجاهه لتفتحه لتتفاجأ بزوجها ينحيها جانبا حتى يفسح المجال ل زهير ليمر بابنتهما وهو يحملها أرشده إلى مكان غرفتها حتى يتمكن من وضعها على السرير قبل أن يغادر الغرفة تاركا الاثنان معها ما لبث أن انهالت عليه زوجته بأسئلتها المذعورة
إيه اللي حصل يا فهيم البت مالها ومين ده اللي جايبها
رد عليه بصوت لاهث للغاية وهو يشير إليها بيده المرتعشة
هقولك بعدين خليكي بس مع البت دلوقت.
تركها مع حيرتها تأكلها ليتجه إلى الخارج حيث كان لا يزال زهير في انتظاره راقبه في صمت مغلف بالقلق وهو يعدل من طرفي كمي قميصه وكذلك ياقته. تحفز في وقفته عندما وجه إليه أمره المشوب بالتحذير
لما بنتك تفوق تنبه عليها ما تحتكش بحد...
افترت شفتاه عن دهشة مړتعبة فأكمل إنذاره إليه
والأحسن ما تخرجش علشان مصلحتها...
لم يكن بالممازح مطلقا وهو يختتم معه باقي حديثه بجدية أشد وهذه النظرة الغامضة والعاكسة لما هو أخطر مثبتة عليه
ده لو إنت خاېف عليها بجد ..!!!
يتبع
الفصل الثالث عشر الجزء الأول
قيل أن مرآة الحب عمياء هذا الوصف ينطبق على طبيعة حالتها معه فعشقها غير المشروط له جعلها تتغاضى عن الكثير والكثير من طباعه الحادة ومساوئه غير المقبولة حيث أدرجت إفراطه في التعبير عن مشاعره تحت مسمى الغيرة الزائدة لرجل شرقي يهوى أنثاه پجنون لكن الأمر كان غير ما ترجمه عقلها بتفكيرها الساذج والمحدود .. فهو بطبعه شخصية عملية أنانية لا يهتم سوى بنفسه فقط وما يخدم مصالحه تربى ونشأ على ذلك وبالتالي لم يكن من السهل تغيير طباعه بين عشية وضحاها هذا إن انتوى التغيير من الأساس!!
كان راغب لا يلجأ لذلك النوع من التهذيب إلا في بعض المواقف معتبرا ذلك حقا شرعيا له باعتباره زوجها والذي من المفترض أن يقوم سلوك امرأته إن انحرف عن المألوف .. ولا تهم الطريقة أو الكيفية طالما أنها تأتي بنتائجها المرجوة في النهاية.
انكمشت إيمان على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها وتحاوطهما بذراعيها أحنت رأسها الباكي في انكسار وأسى ولم تكف عن ذرف الدموع الغزيرة فهي لم تجرم لتوبخ منه.
ولج زوجها إلى الحمام ليستحم بعدما تفصد جسده بالعرق جراء ما بذله من مجهود.. فخرج منه بعد برهة وهو يلف حول عنقه منشفته القطنية رغما عنها انفلتت منها شهقة صغيرة حينما سألها في صوت يعبر عن ضيقه
هتفضلي كده قلبهالي نكد
رفعت عينيها الحمراوين من أثر البكاء تجاهه لتجده يواصل مخاطبتها في جمود وبلا ندم
في إيه لكل ده مكانتش أول مرة يعني!
وكأنه يذكرها بهذا الطبع السيء الذي حاولت التأقلم معه وتجنب إخراجه منه طوال الوقت بل إنها أخفت عن عائلتها الأمر حتى لا تتعقد الأمور وتتفاقم وجاهدت لتبدو مطيعة له وملبية لكل أوامره مما منحه الفرصة لاستغلال سكوتها فإذ ربما إن تسلحت بالقدر الكافي من الشجاعة وتكلمت لمرة واحدة لما اضطر للتمادي هكذا معها.
انتشلها من دوامة أفكارها التي ڠرقت فيها بصياحه وهو يكمل ارتداء ملابسه
وإنتي عارفة لما بتخبي عليا الحاجة النتيجة بتكون إيه!!
مجددا تحملت كامل اللوم بتقريعه اللفظي فأخبرته من بين دموعها المسالة
وأنا مكانش قصدي أعمل حاجة من وراك أنا كنت بس عايزة أطمن على أهلي.
صاح بها في زمجرة جعلتها ترتجف
برضوه بتأوحي في الغلط
مناطحته الرأس بالرأس لم يكن من شيمها لذا أثرت التراجع عن مواجهته أو حتى معاتبته وقالت في صوت متقطع
أنا أسفة.
دنا من الفراش ليمسك بها من ذراعها جذبها بقوة طفيفة لتنهض معه وأمرها
قومي اغسلي وشك وحضريلنا الأكل.
الحركة المفاجئة لجسدها الواهن جعلها غير قادرة على حفظ اتزانها فترنحت في وقفتها واستندت على صدره بكفيها لتمنع نفسها من السقوط. لف راغب ذراعه حولها ليسندها وهمس بالقرب من أذنها
اقفي على حيلك لسه ليلتنا طويلة!
نظرت إليه بعينين مغلفتين بالدموع رغم اتساعهما فشدد من ضمته إليها مكملا بهمس متشوق
وبعدين إنتي وحشتيني.
كانت تواقة لسماع مثل هذه العبارات التي تبدو كالسحر عليها فتغطي على أي عيوب أو نواقص بشخصيته ثم مال عليها ببطء وعيناه لا تبارحان وجهها أغدق عليها بعاطفته ورأى مدى تأثيره عليها ليقول في انتشاء وزهو
عرفتي أنا بغير عليكي ليه
ابتسمت في خجل وهي تعترف له
بحبك.
لم يقل لها الكلمة الوحيدة التي لطالما رغبت في سماعها منه وقال 
طب يالا يا حبيبتي ظبطي نفسك.
وكأنها تناست في لحظة ما اقترفه في حقها لتعود إلى لطافتها ووديتها الحانية معه فاتجهت إلى الحمام لتغتسل وتبدل ثيابها إلى أخرى جذابة لائقة تجعله دوما مشتاقا إليها وتجدد معه مشاعر حبها إليه.
................................
اعتراها في هذه اللحظات
الحرجة مزاجا متوترا فمن هي على وشك الزواج به ليس بشخص عادي يسهل خداعه أو التلاعب به واستدراجه لفخها ناهيك عن معرفته الكاملة بتاريخها 
توقعت أن تكون علاقته بها جامدة جافة مفروضة عليه كواجب لابد من تنفيذه وإلا لتعرض للعقاپ من قبل رؤسائه إلا أنها تفاجأت به يعاملها بالرفق واللين كزوجين متحابين تجمعهما علاقة ممتدة لسنوات حيث نقلها بخبرته وطريقته المتحكمة إلى عالم آخر عاشت فيه لحظاتها المميزة معه بكل جوارحها وكأنه وجد فيها ما ينشده بالنقيض مع ما يشعر به وهو بجوار توحيدة.
استلقى على الفراش وأشعل سيجارته ليبدأ في سحب دخانها بعمق إلى رئتيه اعتدلت وزة في رقدتها وتجرأت لتتأمله بنظرة مطولة. شجعتها تعابيره الهادئة على سؤاله
ناوي على إيه يا سي عباس بعد كده
دون أن ينظر تجاهها قال بصوته الخشن
أنفذ كلام كبيرنا.
علمت بالطبع بتفاصيل ما تم تقريره في منزل توحيدة حينما كانت فاقدة للوعي فشككت في احتمالية تنفيذ ذلك خاصة أن تلك المرأة ليست بالشخصية السهلة التي يمكن التعامل معها وتقبل ما يفرض عليها بغير مشاكل لكونها رائدة في مجال المكائد والمؤامرات. 
سألته في صوت مهتز لتتأكد من صحة الأمر
يعني هرجع أعيش في بيت توحيدة
التوى ثغره بابتسامة متهكمة وهو يخبرها
ومش بس كده هتأمري وتنهي زيها!!
شعرت بجفاف في حلقها فازدردت ريقها وسألته بتردد
وهي.. مش هتعترض!
حانت منه نظرة جانبية ناحيتها وقال بهدوء
دي أوامر كوبارتنا.. ولو مش عاجبها تمشي.
ها قد واتتها الفرصة أخيرا لإذاقتها من نفس الكأس المرير الذي تجرعته لسنوات وسنوات أخبرته في امتنان صادق
ربنا يقدرني يا سي عباس وأسعدك.
وكأنها بكلماتها العفوية تلك جعلته يشعر بتفرده.. فلفظ دخان سيجارته قبل أن يطفئ عقبها
في منفضدة السچائر الموضوعة على الكومود الملاصق للفراش ليتقلب على جانبه وينظر إليها قائلا بابتسامة متسعة
وماله ما إنتي طلعتي حوار يا بت!
ردت بتدلل كانت واثقة من نتيجته الفعالة معه
خدامتك يا سيد الناس!
.....................................
رغم انقضاء عدة أيام منذ الواقعة الأخيرة إلا أنها ظلت قابعة في المنزل تلازم غرفتها غالبية الوقت رافضة الخروج منها لكن اليوم قررت التخلي عن عزلتها الاجتماعية التي فرضتها على نفسها وخرجت منها لتمكث مع أمها بالخارج. فرحت عيشة لرؤية ابنتها تستعيد عافيتها فأعدت لها ما لذ وطاب لتتناوله في وجبة الإفطار راحت تربت برفق وتحنان أمومي على كتفها وهي تستحثها على أكل المزيد
كلي يا بنتي ده إنتي بقالك كام يوم من ساعة اللي حصل وإنتي وشك دبلان وجسمك خاسس.
لم تبد دليلة ممانعة من الإفراط في تناول ما تحب فقالت وهي تومئ برأسها إيجابا
حاضر.
استحسنت تجاوبها معها وردت
يحضرلك الخير يا حبيبتي.
جمعت عيشة الصحون الفارغة فوق بعضها البعض وتابعت باهتمام
عايزين نكلم أختك نطمن عليها.
هزت رأسها مرددة باقتضاب
ماشي.
تساءلت والدتها بعدها وهي تضع قطعة من الجبن في طبقها
ناوية تروحي كليتك إمتى
حسنا لم تكن مستعدة بعد لمواجهة العالم الخارجي خاصة بعد إحراجها علنا في معقل هؤلاء الأوغاد فإذ من المحتمل أن يكون الجميع على معرفة بالأمر وهي لن تتحمل نظرات الغير الفضولية عليها فكان من الأسلم لها الابتعاد عن مثل تلك الضغوط لهذا أجابتها بفتور وهذا التعبير المهموم يكسو وجهها
اليومين دول معنديش محاضرات مهمة وأنا موصية أصحابي يصورولي الناقص.
تفهمت أمها لما تمور به نفسها من انزعاج وقالت بشيء من التشجيع
وماله واحنا نخلي أبوكي يجيبلك الورق تذاكريه.
ردت باختصار
طيب.
انتبهت كلتاهما لرنين الهاتف الخاص بأمها فاستطردت عيشة تقول وقد تركت ما في يدها لتتجه إلى حيث تركت هاتفها المحمول بداخل غرفة نومها
ده بينه بيتصل
هروح أكلمه من جوا لأحسن الشبكة وحشة هنا.
علقت عليها بهدوء
براحتك يا ماما.
ابتلعت دليلة ما تبقى في صحنها وجمعت الأطباق