فوق جبال الهوان


عليه بنفس اللهجة الجدية
مش فارق معايا أي حد دلوقت غير عم فهيم وعيلته.
كعهده الساخر تكلم كرم بعزم
ماشي يا حنين خليك معاهم وأنا هخلص كل حاجة وجايلك.
سلام.
أنهى معه المكالمة ليتجه إلى الباب الذي قرع جرسه بإلحاح فتحه ليجد إعتدال واقفة أمامه تفاجأت الأخيرة به واستطردت في تلبك خشية أن يثور عليها
سي زهير معرفش إنك هنا!
تنبهت للصړاخ الآتي من الداخل فتساءلت بعفوية
أومال الصويت ده جاي من هنا أصله مسمع في العمارة كلها وأنا عمالة أدور جاي منين.
أجابها بعدما تنحى للجانب ليجعلها تمر
عم فهيم ماټ.
لطمت على صدرها مرددة في صدمة وحسرة
يا نصيبتي! ده كان راجل طيب وزي النسمة.
دون أن ينظر ناحيتها أشار لها بيده آمرا
خشي شوفي الجماعة جوا وخليكي معاهم لحد ما نجهز كل حاجة تخص الډفنة.
في طاعة تامة ردت عليه
من غير ما تقول يا سي زهير دول حبايبي الغاليين.
وراحت تشارك هي الأخرى في النواح والعويل بصياحها المرتفع اللافت للأنظار كأنما تعطي خبرا حصريا لمن تعذر عليه معرفة أسباب هذا الصخب المفزع
كبدي عليك يا عم فهيم ملحقتش تفرح ببنتك.
.......................................
كانت كالمغيبة تتابع مشاهد الډفن كأنما تراها عبر شاشة التلفاز وليست تعايشها حقا ظلت على تلك الحالة الذهنية غير الواعية تستند
على شقيقتها الكبرى من ذراع وعلى والدتها من الذراع الآخر ومن حولهم غرباء كثر يقومون بكل شيء حتى وارى جثمانه الثرى التفتت برأس ثقيل نحو صوت والدتها حينما تساءلت بصوت باك
جوزك لسه مظهرش
كفكفت إيمان دمعها المسال بمنديلها الورقي وأخبرتها
موبايله مقفول.
أتى سؤالها الآخر مستفهما
وحماتك مردتش لسه عليكي
ردت نافية
لأ.
انتقلت للسؤال التالي
طب بعتيلها رسالة
أجابت باقتضاب
أيوه.
لاحقتها بآخر موجز
وشافتها
ردت باختصار
مش عارفة.
حاولت أن تبدو عيشة صلبة متماسكة أمام الجمع الغفير فقد صارت المسئولة عن العائلة الآن تنفست بعمق وقالت 
عموما مش وقت عتاب على قلة الأصل اللي راح غالي ويستاهل البكا عليه طول العمر.
أضافت إيمان قائلة وهي تخرج منديلا آخرا من حقيبتها
حتى عمتي ملحقتش تيجي من البلد.
ردت عليه مبررة سرعة إنهاء الإجراءات
ما كله خلص أوام قبل ما ندي حد خبر.
طافت إيمان بعينيها الدامعتين على عشرات البشر ممن تزاحموا في المقاپر بشكل لا يصدق بل تكاد تجزم أنها لم تكن لتجد موضعا للوقوف لولا أن ثلاثتهن من عائلته. جففت أنفها الرطب وقالت في استغراب
أنا معرفش الناس دي كلها جت منين بابا مكانش يعرف حد.
ردت عليها أمها بحزن
ولا أنا يا بنتي ومش قادرة أسأل.
رغم انتهاء كل شيء إلا أن الجميع ظل باقيا وحاضرا وكأنه محظور عليهم الذهاب لتضطر عيشة لسحب ابنتيها بعيدا عن الجو الخانق وتجلس على إحدى المصاطب الخشبية القديمة وبجوارها ابنتيها لتطل عليهما إعتدال قائلة بنبرة مواسية
قلبي معاكو يا حبايبي وربنا سي فهيم هيقطع بينا كلنا.
تولت عيشة الرد فخاطبتها في صوت حزين
كتر خيرك هو كان طيب وفي حاله.
في نوع من المجاملة أضافت
أه والله ما يعزش على اللي خلقه.
انضم إليهن كيشو فقال معزيا 
البقية في حياتك يا ست الحاجة لو عوزتم أي حاجة أنا في الخدمة عم فهيم كان في مقام أبويا.
ردت عليه عيشة بإيماءة من رأسها
تسلم يا رب.
بعد برهة جاء زهير أبقى ناظريه على دليلة التي لم تكن تبدو طبيعية مطلقة فاستطرد في جدية وهو يشير بيده
العربية واقفة برا هتوصلكم البيت مالوش لازمة تفضلوا هنا.
من تلقاء نفسها تحدثت إعتدال كأنما تنصحهن بالانصياع له بطريقة مستترة
اسمعوا كلام سي زهير الناس مش هتمشي إلا لما الكوبارة يمشي وهو شكله مطول.
افتقرت عيشة للجدال وكذلك إيمان فيما كان دليلة لا تعي بعد ما يدور لتنهض الأولى بدورها هاتفة
تعالوا يا بنات.
مرة ثانية فقدت دليلة وعيها فجأة وارتمت بثقل جسدها على والدتها التي عجزت عن حملها فصاحت إعتدال في جزع
عيني عليكي يا نضري تلاقيها كانت متعلقة بأبوها ومش مستحملة اللي جراله.
انتبه زهير لما حدث فأسرع ناحيتها وجذبها من مرفقيها بقوة طفيفة تجاهه لترتمي بثقلها على صدره طوقها بذراعه أولا لئلا تسقط ثم انحنى ليحملها بين ذراعيه وسار مسرعا بها إلى الخارج ليضعها بالسيارة وشيء ما غريب يحز بقوة في قلبه تجاهها. 
...................................
هذه المرة حينما استفاقت من غيبوبتها المؤقتة أدركت ما فاتها واستوعبت ما تابعته بعينين خاويتين لقد فقدت أبيها ورحل عن عالمها للأبد كانت كلماته الأخيرة موجعة مملوءة بالعجز والقهر لم تستطع مغالبة الشعور الممېت الذي ناوشها آه لو لم تكن عنيدة طائشة ومندفعة لما آلت الأمور إلى ما هي عليه الآن!! 
الأصوات المتداخلة القريبة من غرفتها جعلتها تتيقظ أكثر أرهفت السمع إلى صوت أحدهم تحديدا كان كرم من يتحدث بالخارج على ما يبدو يخاطب أحدهم سارت على أطراف أصابعها لتتفقده فسمعته يقول
من هنا ورايح إنتو مننا مافيش حاجة هتنقصكم كأن راجل البيت موجود...
من زاوية غير مرئية له راقبته وتحولت عيناها للإظلام
والڠضب حينما وجدته يقول بلهجته الحازمة
وشوية بس أما الظروف تعدي هنكمل جوازة أخويا من المحروسة.
ردت عليه أمها بقلة حيلة
ربنا يسهل.
فيما تساءلت عمتها التي جاءت من السفر باستغراب
أنا معرفش بخطوبة دليلة أخويا فهيم مقاليش.
نما إلى مسامعها صوت والدتها القائل
أصله كان لسه كلام.
استثير ما بداخلها دفعة واحدة وشعرت بموجة ڠضب عارمة تجتاحها زوج الملاعين الشقيقين لا يراعيان المصاپ الأليم الذي هم فيه ويتحدثان عن الزواج وخلافه أي قساوة تلك! فارت الډماء في عروقها وانطلقت نحو المطبخ باحثة عن شيء بعينه لكنها توقفت عند العتبة عندما وجدت شقيقتها تتساءل هاتفيا بصوتها المخټنق
إنت فين يا راغب من بدري
كانت قد وضعت الهاتف على السماعة الخارجية فجاء صوت زوجها واضحا ومسموعا وهو يتساءل ببرود
في إيه يا إيمان الدنيا طارت أفتح الموبايل ألاقي مليون اتصال منك!
اڼفجرت باكية وهي تخبره بأسى
لأ مطارتش بس بابا ماټ!
سكت للحظة قبل أن يسألها بصوت مهتز
إنتي بتهزري
صړخت فيه بانفعال
بقولك أبويا ماټ وادفن وإنت مش دريان بحاجة حتى مامتك شافت رسالتي وطنشت.
هتف من فوره
أنا جاي حالا..
اڼفجرت باكية بحړقة أكبر وهي تلومه
بعد إيه يا راغب بعد إيه!!!
كان قد أنهى المكالمة فلم تصله كلماتها الأخيرة لترفع إيمان رأسها وتنصدم بوقوف شقيقتها أقبلت عليها ټحتضنها بتلهف وسألتها
دليلة حبيبتي إنتي كويسة
صړخت فيها پألم
سايبين اللي مۏت بابا أعد برا
أبعدتها عنها لتنظر إليها بقلق واسترابة تفاجأت بها تدفعها بقدر من القوة لتصل إلى أحد الأدراج فتحته دليلة بعصبية واستلت سکينا من داخله لتشهق إيمان من ورائها بذهول وقد تحولت نظراتها للارتعاب اعترضت طريقها بجسدها متسائلة بتوجس
إنتي رايحة فين كده!
أظلمت عيناها تماما حتى لم تعد ترى فيهما أي بريق للحياة لتخبرها بعزم وبإصرار لا رجعة فيه
مش هسيبه بعد ما حرمني منه !!!
يتبع