فوق جبال الهوان


المحاضر من إلقاء كلمته فبدأ الجمع في الافتراق والتجمع على هيئة تشكيلات صغيرة لا تتجاوز في مجملها من أربعة إلى خمسة أفراد. لمح راغب مديره وهو يفرقع بأصابعه له فأسرع تجاهه محنيا رأسه قليلا في احترام مبالغ فيه ليصغي إليه بانتباه كامل وهو يخاطبه
مش هوصيك يا راغب عايزك تستفيد من كل لحظة هنا مش مجرد جاي تضيع وقت والسلام.
هز رأسه في طاعة فأكمل مديره كلامه الجاد إليه
إنت لو مشيت ورا كلامي هتمسك مناصب مهمة جدا مش مجرد مدير فرع عادي.
تكلم مبديا امتثاله لنصائحه الذهبية
أكيد يا فندم ده هيحصل بتوجيهات سيادتك ونصايحك.
استمر في إعطائه المزيد بقوله
عايزك تبص لقدام اللي معاك هيجروك لتحت وإنت أفضل من المستوى ده بكتير مفهوم
تلقائيا اختطف نظرة عابرة نحو مجموعته كانوا يتمازحون فيما بينهم ويتضاحكون بأريحية تامة لا تليق مع جدية الوضع عاود النظر في وجهه وهو يرد بلا ابتسام بعدما فهم المغزى من عباراته الموحية
حاضر يا فندم.
ظل كلاهما يتحادثان بخفوت لعدة دقائق قبل أن ينصرف المدير لينضم إلى رفاقه في حين سار راغب بتكاسل عائدا لزملائه انتبه لقول أحدهم المتحمس
شايف الأبهة والعظمة
رد عليه آخر ولمعة الانبهار تتجلى في نظراته
احنا مكوناش عايشين يا ابني.
بينما سأله ثالث في فضول
المدير كان بيقولك إيه يا راغب
تحفز في وقفته وارتدى قناع الجمود قائلا بلا تعبير واضح
مافيش بيسألني عن الدورة والتدريب كويس ولا لأ في حاجات نقصانا ولا محتاجين حاجة يعني كلام عادي.
ردوده كانت منمقة مرتبة فلم تجعلهم يرتابون في أمره ليقول رابع بتشوق
كويس عايزين نشوف البوفيه الواحد واقع من الجوع.
في التو تحولت أنظارهم نحو القاعة الجانبية التي تتواجد بها موائد الطعام اتجهوا إليها معا بخطوات شبه سريعة في حين تعمد راغب التلكؤ في خطاه لينظر إليهما بتأفف وانزعاج غمغم من بين أسنانه بامتعاض
هي دي أشكال الواحد يشتغل معاها
المدير معاه حق المفروض أبص لفوق.
كانت لا تزال على حالتها المصډومة لا تقوى عيناها على الرمش ولا جسدها عن التوقف عن الارتجاف فما تمر به منذ قرارها الطائش بترك مسكنها والهرب من أجل الزواج الأهوج يفوق قدرتها على الاحتمال أو التصديق لقد كانت أضعف بكثير من هذا. بدون أدنى مقاومة سحبتها خضرة معها لتعود إلى منزل توحيدة وبصحبة سنجة أيضا کسيرة الخاطر ذليلة النفس وفاقدة لكل شيء. لم تنظر مروة إلى من تكلمها هامسة پحقد وحسد عندما دفعتها دفعا إلى مخدعها
بيضالك في القفص يا بنت المحظوظة محدش لا أدك ولا زيك.
أجلستها على طرف الفراش ثم التفتت ناظرة إلى ربة عملها لتخبرها 
الريس الهجام موصي عليها يا أبلتي.
تنهدت توحيدة مرددة بهزة خفيفة من رأسها
وصلني الخبر من عباس يا خضرة.
ثم أعطت أوامرها الصارمة إلى الجميع وهي تشير بإصبعها
دلعوها وهننوها دي اللي هتخلي الكبير يرضى عننا.
تطوعت إحداهن لترد عن البقية
حاضر يا أبلتي.
غادرت توحيدة الغرفة لتجد سنجة ما زال متواجدا بالصالة فسلطت ناظريها عليه عندما طلب منها
ملاقيش حاجة عندك أشربها يا ستنا لأحسن ريقي ناشف.
من موضع وقوفها هتفت منادية
بت يا لوزة إنتي يا بت.
جاءت الأخيرة تلبي ندائها الآمر
أيوه يا ست توحيدة.
سرعان ما تعلقت عيناها به وراحت تومض في عقلها كلمات حمص الأخيرة عن علاقته المباشرة برضيعها المفقود عليها أن تبذل ما في وسعها لتقصي أي معلومات منه عنه ركزت سمعها مع توحيدة عندما أمرتها
هاتي ل سنجة حاجة باردة يشربها.
ابتسمت في تدلل وردت وهي تمسك بطرف منديل رأسها لتلفه حول إصبعها 
تعالى معايا وأنا أعملك الساقع والسخن كمان.
تبعها بعدما منحته توحيدة الإذن للحاق بها لتشيعهما الأخيرة بنظرات مهتمة وهي تهمهم بصوت خفيض
شكلها عقلت ورجعت لدماغها.
راقبت خضرة مثلها تحركاتها لتقول بعدها كنوع من التأييد لها
يا ريت يا أبلتي.
لم يستطع إغفال نظرات الاستحقار وأمارات الاشمئزاز والنفور الظاهرة على أعين ووجوه كل من يتطلع إليهما منذ أن ولجا إلى داخل هذا المطعم الشهير المعروف بنوعية رواده الذين ينتمون لفئة الأثرياء وعلية القوم بالمدينة فالأمر ببساطة يعود إلى هيئتهما غير المهندمة ومظهرهما البسيط الذي يناقض طبيعة المتواجدين به. 
شعر زهير بالضيق من طريقة تحديق الآخرين به ورأى كيف تقدم أحد الندلاء تجاههما على مضض ليوجه سؤاله إليهما وهو يوزع نظراته بينهما كأنما يحاول صرفهما من المكان بشكل غير مباشر قبل أن يفسدا بوجودهما أناقته
في حجز يا فندم
انقض عليه كرم وسأله بلهجة هجومية
ولو مافيش هتمنعنا يعني
ارتاع النادل من أسلوبه العڼيف في التعامل وحاول أن يبدو منضبطا قدر استطاعته
لأ يا فندم بس آ...
قاطعه قبل أن ينهي كلامه قائلا بلهجة من يقرر لا من يخير
من غير بسبسة شوفلنا أجدعها تربيذة عندك وأقعدنا فيها...
وقبل أن يوشك على رفض مطلبه أو حتى الاعتراض عليه جذبه ناحيته ليهمس في أذنه بغير تفاهم
بدل ما أجيبلك سقف المكان ده في حلقه.
ازدرد النادل ريقه وقال في طاعة تامة
حاضر يا فندم.
تركه بعدما ربت على كتفه مبتسما بسخافة
تعجبني.
اضطر إلى اصطحابهما إلى أكثر الأماكن تميزا بداخل هذا المطعم ما إن تأكد من استقرارهما حتى فر هاربا ليبلغ عن وجودهما المزعج إلى رئيسه في العمل. استنكر زهير طريقته محتجا
مش لازم الأسلوب ده يا كرم ما كنا نشوف حتة تانية.
في نبرة مملوءة بالزهو والعجرفة تكلم شقيقه الأكبر مشيرا بيده
اللي إنت ما تعرفوش أنا شريك في أم المخروبة دي يعني أقعد في أتخنها حتة تعجبني وعلى مزاج مزاجي.
اندهش للمفاجأة وسأله بتعبير شبه واجم
وإزاي معنديش
خبر
أعطاه ردا مقنعا
أومال أنا جايبك هنا ليه علشان تشوف وتعاين بنفسك على الطبيعة وتقولي يستاهل اللي اتدفع فيه ولا لأ.
مسح بنظرة شمولية محيط المطعم ليردد في قدر من الإعجاب
مش بطال بس لازما أشوف ورقه وأطمن.
هز رأسه هاتفا في إذعان معتاد لتحقيق مطالبه
حقك يا خويا.
جاء مدير المطعم على وجه السرعة بناء على ما أخبره به النادل ليتعامل مع هذين الدخيلين بصرامة وحزم لكنه في التو عرف هوية أحدهما فتراجع عن طريقته المتحفزة قبل أن يمارسها حتى ليقول في ترحيب شديد وهو شبه مطأطئ لرأسه
المطعم نوع يا فندم مش كنت تدينا خبر سيادتك علشان نستقبلك كويس.
رد عليه بتعال
أنا أحب أطب على اللي يخصني من غير إحم ولا دستور.
تصنع الابتسام وقال في تهذيب
مكانك يا فندم.
جاء رده وقحا كعهده مع كل من يحاول استخدام معسول الكلام في الحديث إليه بتودد
ما هو مكاني فعلا.
لم يسع لقول المزيد مما قد يضعه في موقف سخيف واكتفى بسؤاله
أوامر سيادتك
رفع كرم يده أعلى رأسه ليفركها في حركة سريعة واستطرد
عايزين ناكل أنا وأخويا شوفلنا إيه ينفع عندك هنا.
عقب عليه بأسلوبه المتأدب في التحاور مع الغير
كل حاجة متاحة يا فندم.
لحظتها وجه كرم سؤاله إلى شقيقه
في دماغك حاجة معينة تاكلها
حرك رأسه بالنفي مرددا
لأ مش فارقة.
آنئذ الټفت ناظرا إلى مدير المطعم يأمره
هاتلنا أجدعها أكل وأوام مش ناقصين لكاعة.
رد عليه مبديا فروض الطاعة
حاضر يا فندم دقايق وهيكون الأكل عند سيادتك.
صرفه كرم بإشارة من يده ليعاود التحديق في وجه شقيقه وجده مشغولا بالتطلع في تركيز مريب نحو بقعة بعينها فاستدار برأسه ناظرا إلى حيث يحدق فأبصر شابة متأنقة الثياب تجلس بصحبة أحدهم وتبتسم إليه في لطافة ورقة فظن بديهيا أنه يعاكسها وأفصح عن ذلك ممازحا إياه
عينك رايحة فين
انتبه زهير لكشف أمره وانعكست علامات الانزعاج على تعابير وجهه قبل نبرته عندما خاطبه
ولا حاجة.
مجددا سأله كرم في وقاحة جريئة
عجباك ولا إيه
تجهم أكثر حينما اقتضب في رده
لأ.
مرة ثانية عاود شقيقه الأكبر التحديق في الشابة ولكن بنظرات متفرسة أكثر فبدت نوعا ما مألوفة إليه لذا راح يخبره بعفوية
وشها مش غريب.
اعتصر ذهنه ليتذكر أين رآها قبل سابق لم يستغرقه الأمر أكثر من لحظات ليقول في الحال في صيغة تساؤلية
مش دي البت بتاعة الكلية
حسنا لم تكن هذه المسألة تحديدا من الأمور التي يحبذ زهير الحديث عنها لكونها تمثل مصدرا للحرج والإزعاج فلم يتجاوز بعد نظرتها المتعجرفة المتعالية عليه حينما عبر لها ببلاهة وحماقة في أول عام دراسي له عن إعجابه بها وقتئذ صدته وعاملته بازدراء وسخرية وتعمدت الحط من شأنه للإمعان في مضايقته وإزعاجه ليعلم بعدها شقيقه بالأمر ويتعامل مع عائلتها شخصيا وبالطريقة التي جعلتها تعتذر له علنا قبل أن تنتقل فورا من الجامعة وتغادر المدينة بأسرها لكن بقيت أطلال ما مر به قابعة في دواخله.
واليوم تفاجأ بوجودها هنا في نفس المكان معه لو كان يعلم لما فكر في المجيء تجنبا لتلك الذكريات المزعجة التي انهالت عليه كالسيل لتذكره بما حاول نسيانه. انقلبت تعبيرات وجهه بوضوح وحذره بضيق
كرم قفل على سيرتها كإنها مش موجودة.
رد مستهزئا من الأمر برمته
أهوو على يدك المشاكل هي اللي بتيجي لحد عندنا.
ظل زهير على تكشيرته الكبيرة وهو ينذره
إنت لو عملت اللي يضايقني همشي.
رفع كفيه للأعلى قائلا
خلاص احنا جايين نتبسط أصلا.
لاحظته الشابة حينما مررت عينيها بشكل عابر على أرجاء المطعم فتبدلت في التو قسماتها للقلق والخۏف ثم راحت تميل على من معها لتهمس له بشيء قبل أن تنهض
فجأة وتجمع متعلقاتها الشخصية وتهرع مغادرة للمطعم بأقصى سرعة وكأن هناك من يطاردها به. 
سخر كرم من الطريقة التي ذهبت بها هاتفا
أهي طفشت من نفسها.
مجددا عاتبه زهير في انزعاج بائن على نبرته وكذلك وجهه
برضوه هتتكلم عنها
راح يمازحه باستظراف زائد
خلاص خلينا في سمارة طيب.
ضجر منه مرددا في استياء
برضوه
بعدما أصبحت بمفردها معه تمكنت وزة من سؤاله بصوت خاڤت وحذر لئلا يسمعها من بالخارج
ما تريحني يا سنجة وتقولي ابني فين
أفضى إليها بالسر الذي لا يعرفه سواه
ماټ يا حلوة.
ظنت أنه يلاعبها بكلماته المراوغة ليضللها فسألته في تخوف
هي الست توحيدة موصياك تقولي كده خليك صادق معايا.
ابتعد عنها قائلا بجمود وهذا التعبير الساخط يسود كامل وجهه
اقري عليه الفاتحة ربنا رحمه من أم زيك.
إهانته كانت قاسېة للغاية لكنها لا تفوق تصريحه الذي لم يكن بالمزاح مطلقا فهتفت تسأله بقلب يدق في خوف
إنت بتقول إيه
أجابها صراحة ودون تجميل للحقائق الصاډمة مشيرا بكفيه
بجيبلك الناهية..
برزت عيناها في محجريهما وأمسكت به من تلابيبه تسأله في نبرة صاړخة وقد فاض الدمع الغزير من طرفيها
حرام عليك ليه كده عملك إيه 
وكأنها امتلك قوة جسدية هائلة سيطر عليها
ڠضبها الممزوج بحسرتها وقهرها فانقضت عليه هي تتوعده
أنا هموتك مش هسيبك النهاردة يا ابن ال 
تفاجأ بهجومها الضاري عليه وحاول تخليص نفسه من براثنها.
أتى على صوت صړاخها الهائج خضرة وبعض الشابات تدخلن على الفور للفصل بينهما والأولى تلومها بشدة
إنتي اټجننتي يا بت إيه اللي بتعمليه ده
واصلت وزة الصړاخ بمشاعر أم مكلومة وقلبها قد انكوى بلوعة خسارة فلذة كبدها
ابني ضنايا!
بالكاد نجا سنجة من بين يديها لتشكل الشابات حائلا فاصلا بينهما سحبته توحيدة نحو الخارج وهي تكلمه
امشي يا واد من هنا