فوق جبال الهوان


ساعات من استقلال عربة القطار إلى هذا الحي البعيد بتلك المدينة النائية عن بلدتها. لم تتوقع مروة أن يكون مستوى المعيشة هنا متدنيا فبناء على ما أخبرها به سابقا من المفترض أنه يعيش في منطقة راقية بها مظاهر الترف والراحة لكنها رأت عكس ما وصف تماما. سألته بقلب متوجس وهي تدير رأسها لتنظر إليه 
هو احنا هنا فين كده
أجابها وهو يدفعها برفق للولوج إلى داخل مدخل هذه العمارة القديمة 
عند ناس معارفنا.
توقفت فجأة وعلامات الدهشة قد تجسدت على تعابير وجهها نظرت إليه في شك وسألته بقلب راحت نبضاته تتصاعد خوفا وتوجسا 
إيه ده مش إنت قولتلي هتاخدني عند أمك
برر لها بكذبة غير مقنعة 
مش هينفع دلوقت لازما أمهدلها الأول خلي الليلة تسلك وتمشي للآخر.
حاول دفعها برفق لإجبارها على الصعود على سلم الدرج وهو لا يزال يحادثها في ودية 
وبعدين أنا موديكي عند ناس حبايبي جدا.
ما زالت ترفض التجاوب معه لشكوكها المتزايدة وسألته في قلق أكبر 
هي متعرفش عن موضوعنا ولا إيه
اضطر للف ذراعه حول كتفيها ليحاوطها واستمر في دفعها بترفق نحو السلم وصوته يهمس بالقرب من أذنها 
يا بت هي عندها خبر وكل حاجة بس علشان نتجوز كده خبط لزق صعب اليومين دول.
مدفوعة بواسطته بدأت في الصعود على الدرج وهي تسأله 
لما هو صعب طلبت مني أجي معاك ليه
تنهد مليا قبل أن يخبرها متصنعا الحزن 
ما أنا مش هطول على الأقل أجيب أوضة نوم جديدة وأنا يدوب حوشت نص فلوسها.
مجددا توقفت عن الصعود واستطردت 
أنا راضية أنام على فرشة قديمة بس نكون سوا وفي الحلال.
ابتسم مؤكدا لها 
هيحصل الحكاية كلها أسبوع ولا اتنين...
راح يستحثها من جديد على الصعود متابعا حديثه إليها 
وبعدين هو أنا وعدتك بحاجة وكدبت عليكي فيها
ردت نافية 
لأ.
أضاف في جدية 
ده أنا حتى كنت بحوش فلوسي معاكي ومكونتش بسرقك.
أخبرته بملامح وجه مشدودة 
وأنا حافظت على الأمانة.
ابتسم في خبث قبل أن يخبرها 
وده كان اختباري ليكي اللي تصون مالي هتصون عرضي.
وكأنه يعلم جيدا كيف يستغل سذاجتها وافتقارها للخبرة ليخدعها ويوقعها أكثر في شباكه فما كان منها إلا أن واصلت السقوط في بئر الهاوية لتجد مروة نفسها أمام باب منزل انقبض قلبها لمجرد رؤيته وما عزز من هذا الشعور المخيف قوله الغامض 
تعالي احنا وصلنا.
دق بأصابعه على الزجاج المغبش بعدما قرع الجرس مرتين ليأتيه صوتا أنثويا مألوفا من الداخل يبلغه بالانتظار والصبر ريثما تقوم بفتح الباب. تطلعت خضرة إلى ضيفيها بنظرات شاملة فاحصة ليأتي سؤال بغدادي في جدية توافقت مع ملامح وجهه 
الست توحيدة موجودة
تحولت بناظريها تجاه تلك الشابة المرتجفة في نفسها وسألته بشكل تقليدي مستهلك 
أيوه بس إنت مش لواحدك
غمز لها بطرف عينه مرددا 
لأ معايا أمانة.
صدح صوت توحيدة من الداخل في صيغة متسائلة 
مين يا خضرة
من موضع وقوفها أجابت عليها بنبرة مرتفعة لتضمن سماعها لها 
ده الواد بغدادي يا أبلتي.
استغربت مروة من طريقة تلفظها لهذا اللقب وحاولت مغالبة ما يعتريها من مخاۏف وتوتر. على نفس الوتيرة العالية نادته توحيدة من الداخل 
تعالى يا واد.
أمسك بغدادي بمعصم فريسته الجديدة وجرها معه إلى الداخل قبل أن تقوم خضرة بإغلاق الباب بالمفتاح والمزلاج وكأنها تضمن بذلك عدم قدرة تلك المخدوعة على الهروب من وكر صاحبة هذا المكان. لم
يكن أمام مروة سوى الإذعان لما يريده منها من يعد مجازا المسئول عن شأنها ألقت نظرة خاطفة على البيت كان وضعه مريبا أثاثه رغم قدمه يوحي بأشياء لا تحبذ التفكير فيها تشتت عن الاستغراق في أفكارها الحائرة عندما تكلمت هذه المرأة الغريبة بلهجة بدت مقلقة إلى حد كبير 
بقى تهون عليك العشرة يا قليل الأصل تاخد في وشك بالشهور وتقول عدولي!
علل بغدادي غيابه قائلا وقد أدار يده خلف مؤخرة رأسه ليحكها بعدما ألقى بالحقيبة أرضا 
لزوم الشغل يا ستنا.
بنظرة تبدو كعدسة المجهر جالت توحيدة بها على ضيفتها المرتاعة من رأسها لأخمص قدميها كانت ذات بشړة خمرية وتمتلك زوج أعين بنية اللون وفم واسع وأنف دقيق لم تتوقف عن فحصها ظاهريا وتساءلت وهي تلوك العلكة في جوفها بصوت مسموع وطريقة مقززة 
مين الحلوة اللي معاك
أشار بيده ناحيتها قائلا في نبرة متباهية 
إيه رأيك حاجة بكرتونتها على أبوها!
كلماته الغريبة وطريقة وصفه الأغرب جعلتها ترتاب أكثر في شأنه وما زاد من هذا الشعور المخيف بداخلها تعليق هذه المرأة الغامضة 
شكلها باين أهي دي تجيب رجل الزبون اللي يحب التجديد.
قصف قلبها بارتعاب أكبر وشحب لون وجهها مما تسمعه وتراه لوهلة ظنت أنها تعايش كابوسا مؤقتا سينتهي بمجرد أن تستيقظ من نومها لكنها ليست الحقيقة إن ما تختبره الآن واقعا ملموسا وهي طرف متورط فيه بل إنها محور كل شيء يجري هنا.
تساءل بغدادي في لؤم وهو يفرك كفيه معا 
أستاهل نفحة
أطلقت توحيدة ضحكة رقيعة عالية لتقول بعدها في شيء من الذم 
مصلحجي طول عمرك.
ما زالت مروة على حالتها المصډومة تلك لا تصدق ما تسمعه بأذنيها وما أكد صډمتها الموجعة التي كانت كطعڼة غادرة في منتصف قلبها قوله المتفاخر 
مش برجعلك باللي يرضيكي.
لم تعد تتحمل مروة ما يجري كل ما يدور يصيبها بالړعب والرهبة لهذا قررت التخلي عن جمودها لتتساءل 
مين دول يا بغدادي
تولت مضيفتها الإجابة عنه بقولها المتعجرف وهي ترفع ساقها لتثنيها وتضعها على أريكتها حتى تستند بمرفقها على ركبتها هذه 
أنا ستك توحيدة يا حلوة.
تجاهلتها تماما وتحدثت إلى من جاء بها إلى هذا المكان الباعث على كل ما هو مخيف في عصبية مشوبة بالتوتر 
أنا عايزة أمشي من هنا.
من ورائها تكلمت خضرة في لهجة ساخرة 
هو دخول الحمام زي خروجه
التفتت مروة لتنظر ناحيتها بنفور قبل أن تعاود توجيه سؤالها إليه في حمئة وهي تمسك به من ذراعه 
فهمني يا بغدادي مين دول
نفض قبضتها عنه بقوة فاڼصدمت أكثر من تصرفه غير المتوقع ليأتي بعد ذلك قوله 
أنا كده عملت اللي عليا سلام.
في التو انتفضت متحركة تجاهه لتعترض طريقه أمسكت به من كلا ذراعيه وراحت تصرخ فيه 
استنى هنا إنت سايبني ورايح فين
استخدم نفس الأسلوب الخشن في إبعاد يديها عنه مرددا بجمود وعيناه تتطلعان إليها بنظرة متجافية خالية من أي مظهر للحب أو حتى الشفقة 
هما هيفهموكي الحوار ماشي إزاي.
رفضت تركه يمضي لحال سبيله لكن خضرة تدخلت لمنعها من اللحاق به فتمكن من المغادرة ورحل من الباب الآخر للمنزل ذلك الذي لا تعلم عنه شيئا لتظل هي محاصرة بين جدران هذا المكان. ما لبث أن تغلب حنقها على خۏفها لتصيح بتصميم وقد تخلصت من يدي خضرة المحتجزتين لها 
أنا استحالة أفضل هنا لازم أمشي مع بغدادي.
مرة ثانية ضحكت توحيدة بطريقة مستفزة قبل أن تخاطبها بما جعل الډماء تفر من عروقها 
هو إنتي لسه معرفتيش حقيقته
قالت وهي
تجاهد للتغلب على رعشة بدنها الخفيفة 
حقيقة إيه
استرخت الأخيرة أكثر في جلستها واسترسلت بعدما تصعبت 
بصي يا حلوة الواد بغدادي شغلته إنه يجيب الحلوين المغفلين اللي زيك عندي ده طبعا بعد ما يوقعهم في حبه ويفهمهم إنه هيتجوزهم ويخليهم يهربوا من بيوت أهاليهم زي العبط ويسلمهم ليا وأنا بقى أوضبهم وأسنجفهم علشان يليقوا بزباينا...
برزت عيناها في صدمة عظيمة لتضاعف من إحساسها بالحسړة والخذلان بإضافتها 
هللت خضرة في انتشاء سعيد 
ودي تبقى من التوب واللي الحظ ماسك في ديلها يا أبلتي.
راحت توحيدة تشير بعدها بكفيها وهي تتكلم 
وياما وصلت بإيدي دول بنات وقيع لسلم الشهرة والمجد.
أشادت تابعتها المؤدية لها قولا وفعلا بما تقوم بها هاتفة 
فيكي الخير يا أبلتي.
استوعبت مروة أخيرا حجم الکاړثة التي حلت بها فأطلقت صيحة غاضبة وقد انتفض كل ما فيها للابتعاد عن هذا البيت الملعۏن 
أنا استحالة أفضل هنا المۏت أهون عليا من اللي هيحصلني لو استنيت للحظة.
استخدمت خضرة قوتها لإيقافها وهتفت في ضيق 
شكلك مش ناوية تجي بالذوق.
من الخلف حذرتها توحيدة في هدوء عجيب وعلى وجهها نظرات التسلية والاستمتاع 
بالراحة يا خضرة هي لسه مستجدة مالهاش في اللون.
اكتفت فقط بدفعها تجاه ربة عملها مرددة 
أوامرك يا أبلتي.
جاية تعملي شريفة عليا أنا ده إنتي يا بت مضحوك عليكي من واد مدورها ليل نهار.
توالت عليها الصدمات كالصواعق الكهربية فبكت قهرا وكمدا ومن الوراء توحيدة تهتف بنفس النبرة المستمتعة 
خديها على الهادي يا خضرة الصدمة لسه كبيرة عليها.
شحذت مروة قوى ڠضبها مما حدث لها واستخدمتها في التخلص من تلك المرأة السمجة التي ترفض تركها وصاحت بإصرار معاند 
أنا مش هفضل هنا ثانية واحدة..
ثم راحت تضربها بقوة أكبر في ومعدتها فتأوهت خضرة من الألم واضطرت في النهاية لتحريرها لتدفعها مروة جانبا وهي تندفع بخطوات راكضة تجاه الباب صائحة فيها 
أوعي من سكتي.
تمكنت من إدارة المفتاح في قفل الباب ومن نزع المزلاج لتقوم بفتحه لكنها تفاجأت بأحدهم يسد عليها مهربها الوحيد كان ضخم الچثة أسمر اللون ذي ملامح خبيثة بوجهه ندوب متفرقة جراء مشاجراته الدائمة عيناه لا توحيان سوى بالشړ المستطير. تسمرت في موضعها مندهشة من رؤيته ارتاعت من احتمالية تعرضها للإيذاء على يده. في التو لحقت بها خضرة لتجد ضيفها حاضرا بغير ميعاد مسبق كعادته دوما فهتفت تناديه باسمه 
معلم عباس!
لم يبعد الأخير نظراته الفضولية عن وجه تلك الشابة غير المألوف عليه وسألها في صوت أجش 
في إيه يا بت صوتك مسمع ليه برا
ابعد عني.
استغلت خضرة فرصة تواجده لتستنجد به 
حوشها يا معلم ده أنا بوضبها لكوبارتنا حتة جديدة نقاوة الست توحيدة وفرز أول كمان.
ظهرت أمارات الاستحسان على تعبير وجهه فقال في حبور وهو لا يزال قابضا على ذراعها 
إن كان كده يبقى ديتها عندي.
بذلت مروة كل جهدها للتحرر منه لكنه على في بقعة معينة ليفقدها الوعي في الحال ارتخى بدنها على ذراعه فظل ممسكا بها وهو يتحدث
في صوته المتحشرج الخشن 
نادي على النسوان اللي جوا ياخدوها بدل ما هما عاملين زي البهايم أكل ومرعى وقلة صنعة.
هتفت خضرة في طاعة 
عينيا.
في أقل من لحظات عادت ومعها ثلاثة من نساء هذا البيت تعاونت جميعا في حمل جسدها ونقلها إلى داخل إحدى الغرف بينما أتت توحيدة لترحب بضيفها العزيز في حفاوة شديدة 
اتفضل يا سيد المعلمين مطرحك ومكانك.
جلست مجاورا لها على الأريكة وأمسك بمبسم النارجيلة ليسحب نفسا عميقا منها قبل أن يتلفظه على دفعات وهو يخبرها 
عايزك تظبطيلي مزاجي لأحسن طالع عيني الأيام اللي فاتت.
وضعت توحيدة قبضتيها الممتلئتين على كتفيه لتدلكهما في نعومة ورفق وراحت تخاطبه بصوت متدلل 
بكرة الكبير يخرج ويريحك.
نفث دفقة أخرى من الدخان الكثيف في الهواء قائلا 
أديني مستني اليوم ده من زمان.
أطلقت ضحكة عالية فرحة قبل أن تضيف في نشوة 
خلي التعابين تتلم وتخش جحورها.
حسب الاتفاق المسبق استسلم حقيبة سفر قماشية قديمة عند مكب النفايات العمومي والموضوع بداخلها الرضيع النائم ليتحرك بعدها مباشرة لمقابلة أحدهم بعدما خابره هاتفيا للقائه في بقعة
أخرى مهجورة ليعطيه إياه. خشي حمص من