فوق جبال الهوان


سنين.
في التو انتقلت لسؤالها التالي
وعندكم عيال
أجابت بحرج مرسوم على تعبيرات وجهها
لسه ربنا مأذنش.
تصنعت الضيق ورددت في شيء من المواساة
يا عيني يا بنتي بكرة ربنا يرزقك.
قالت في وداعة
إن شاء الله.
من تلقاء نفسها أضافت إعتدال وكأنها رفعت الكلفة بينهما
أنا أعرف شيخ مبروك إنما إيه على إيده بتتحل كل العقد والمشاكل مافيش واحدة راحتله إلا وربنا جبر بخاطرها.
تحرجت دليلة للغاية من فجاجتها مع شقيقتها التي عجزت عن الرد عليها فقالت في عبوس ظاهر
مش وقته يا طنط.
في شيء من العتاب صححت لها إعتدال وهي تفتعل الضحك
طنط إيه والجو
ده قوليلي يا خالتي على طول.
ثم عاودت التحديق في ثياب إيمان متسائلة
صحيح إيه اللي مبهدلك كده
وكأنها تملك الجواب قبل السؤال فتولت أيضا الرد مبتسمة بسخافة
أكيد من الجري علشان الخناقة ما هو الكل لازم ياخد ديله في سنانه ويقول يا فاكيك بدل ما يتاخد في الرجلين.
ضجرت دليلة من لزاجتها وأنفها المحشور في أمور لا تعنيها مطلقا لذا أمسكت بشقيقتها من معصمها وسحبتها من أمامها قائلة بتعجل وهي تهم بالصعود للأعلى
معلش احنا متأخرين على ماما وزمانها قلقانة علينا بسبب القلق اللي حاصل في الشارع.
لم تنتظر ردها وانطلقت بها بعيدا عنها لتتبعهما إعتدال لعدة خطوات وهي تخبرهما
القلق اتفض في ساعتها ده الريس الهجام بنفسه كان هنا.
لحظتها تساءلت إيمان في فضول
مين ده كمان
سمعتها إعتدال من موضعها فأجابت من نفسها كالعادة
ده بقى كبير الحتة وآ...
مجددا قاطعتها دليلة قائلة بتعجل
معلش يا طنط.. قاصدي يا خالتي احنا اتأخرنا على ماما وتلاقيها قلقانة علينا هنستأذنك.
وقفت إعتدال في منتصف بسطة السلم تتطلع إلى الأعلى وقالت باسمة الثغر
وماله مسيرنا نتقابل ونتكلم من تاني أصلي أنا عشرية وبحب الناس واللمة أوي.
ردت عليها دليلة بصوت مرتفع وهي تواصل الصعود
أه طبعا عن إذنك.
أتى صوتها مرددا
اتفضلوا يا حبايبي سلامي لأمكم وأنا هفوت عليها بعدين.
زفرت دليلة في استياء وضيق قبل أن تهسهس بصوت خاڤت
ست فظيعة.
أيدتها شقيقتها في الرأي وزادت عليها
مش ممكن أنا أول مرة أقابل حد كده في حياتي.
بالكاد منعت نفسها من الضحك وهي ترد
ده الطبيعي هنا.
بحرارة ممزوجة بالسعادة الغامرة استقبلت عيشة ابنتها وراحت تضمها إلى صدرها لعدة دقائق متنعمة بدفء وجودها فيه لا تريد إفلاتها أو إبعادها عنها. ظلت كلتاهما على تلك الوضيعة إلى أن قالت دليلة بشيء من الغيرة الطبيعية
أنا كده هزعل عمرك يا ماما ما عملتي معايا ده.
ردت عليها تمازحها
لما تتجوزي هبقى أخدك في حضڼي زيها.
تصنعت العبوس وهي تسألها باستنكار
ويعني لازم أتجوز علشان أتحضن
أشارت لها أمها لتركض إلى حضنها الأمومي الحاني قائلة
تعالي يا هبلة.
ضمتها هي الأخرى إليها مستشعرة حلاوة وجود فلذتي كبدها معها. بعد برهة كان الثلاثة يجلسن على الأرائك متجاورات لتتحدث عيشة أولا في نبرة عبرت عن خۏفها الغريزي
أنا قلبي وقع في رجليا لما شوفت من فوق الخناقة قولت إنتو هتتحاشوا فيها.
مدحت إيمان شقيقتها في تفاخر
دليلة طلعت ناصحة وطلعت بينا من حتت كده غريبة أنا قولت تاهت بس طلعت بتدور على سكة سالكة نعرف نيجي بيها على هنا.
ردت عليها أمها في نبرة شبه مهمومة
أنا لو أعرف إنك هتتبهدلي كده مكونتش وافقت إنك تيجي هنا.
مدت ابنتها الكبرى يدها ناحيتها وأمسكت بكفها لتضغط بأصابعها عليه قائلة في ودية
فداكم أي حاجة المهم إني أشوفكم.
بدت نظراتها رقيقة تحوم في عينيها سحابة أرق من الدموع وهي تسألها
لسه زعلانة مني يا ماما
هزت والدتها رأسها نافية
لأ يا حبيبتي ما إنتي عارفاني بزعل وأتصافى بسرعة.
اشتدت ضغطتها اللطيفة على يدها قائلة بامتنان
ربنا يخليكي ليا.
في مكتبة ما قابعة في وسط المدينة مختصة في بيع كل ما يلزم الطلبة من أدوات مدرسية ودراسية مختلفة وقف فهيم في مؤخرتها حيث يتواجد الباب الخشبي الفاصل بينها وبين المخزن الملحق بها وبيده دفتر صغير. راح يحصي الأشياء الموجودة ويدون عددها به ليشعر بيد أحدهم توضع على كتفه ابتسم في وقار ورحب بصاحب المكتبة الذي ألحقه بالعمل لديه بعدما ظل يجوس بين المحلات المختلفة باحثا عن وظيفة تتناسب مع عمره ليتقاضى منها أجرا يساعده على الإنفاق على أسرته ريثما تحل مشكلة المخبر.
استطرد رجائي متسائلا في اهتمام
إيه
الأخبار
أجابه وهو يشير بالقلم نحو الكراتين المتراصة فوق بعضها البعض
الطلبية الجديدة وصلت وأنا بفرزها.
هز رأسه في استحسان وعلق
كويس عايزك بقى تعمل إحصائية بكل الوارد وتسجلها.
رد عليه مشيرا نحو الدفتر الذي بحوزته
ما أنا شغال فيها.
ابتسم متابعا في جدية
حلو لما يجي ابني سلمه الدفاتر وإيصالات التوريد علشان يبص فيها هو كمان.
كان يعلم جيدا أنه لا يثق بسهولة في الآخرين لهذا تقبل أمره في تفهم واقتضب في رده
ماشي يا أستاذ رجائي.
قال الأخير كشيء من الدعم المعنوي له
ربنا يقويك.
ظل محافظا على ابتسامته الصغيرة قائلا
تسلم يا رب.
تابعه بناظريه إلى أن انصرف بعيدا عنه وجلس على مكتبه ليعاود التحديق بنظرات شاردة في الكراتين مستشعرا تلك الغصة التي تؤلم حلقه لولا تبدل الأحوال وتغير الظروف لما اضطر للجوء لوظيفة متواضعة كتلك يعامل فيها كالأجير بدلا من التنعم بالراحة والسلام في خريف عمره. 
أحس باهتزازة هاتفه المحمول في جيبه فالتقطه منه لينظر إلى شاشته قرأ اسم السمسار عليه فأجابه فورا
أيوه يا كيشو خير يا ابني
استطاع تبين القلق والتوتر من نبرة الأخير وهو يخبره
مش خير خالص يا عم فهيم.
انخلع قلبه في صدره وسأله بتعابير مالت للشحوب
ليه يا ابني
جاء رده صاډما بل وجاعلا قلبه يقصف بقوة في ړعب أكبر
بسبب حوارك الكبار وقعوا في بعض وشكلها هتبقى سواد على الكل .!!!
يتبع الجديد
الفصل السابع 
بهتت ملامحه وزاغت نظراته بمجرد أن علم بحجم الکاړثة التي حلت فوق رأسه لم يكن ينتمي لفئة الباحثين عن المشاكل ليتورط في واحدة منها بل على العكس كان مسالما لأقصى درجة يحاول حل الأمور العالقة والمشاحنات العادية بالسلم والود. أحس فهيم بالعرق البارد يغمر كامل جسده ويغرقه تساءل في صوت خفيض محاولا عدم لفت الأنظار إليه
طب إيه الحل دلوقت
رد عليه كيشو بنبرة منزعجة
مش عارف.
توسله على الفور في رجاء شديد
بالله عليك يا كيشو ما تسيبني في الليلة دي لواحدي أنا مش هعرف أتصرف...
اختطف نظرة سريعة تجاه رجائي قبل أن يكمل وصلة استجدائه
ده أنا راجل كبير وماشي جمب الحيط.
استطاع سماع أنفاس كيشو الثقيلة قبل أن يخبره
هشوف كده وادعي ربنا تعدي على خير.
أنهى معه المكالمة وهسهس مع نفسه في توجس شديد
سترك يا رب.
لاحظ رجائي تبدل حالة مخدومة من الهدوء إلى الارتباك والاضطراب فناداه من موضع جلوسه متسائلا في استفهام
في حاجة يا عم فهيم
ابتلع ريقا غير موجود في حلقه وأجابه بوجه شاحب
لأ كله تمام.
أمره في لهجة شبه حازمة
طب شوف شغلك ومتعطلش مصالح الناس.
رد عليه بصوت متقطع وهو يحاول استعادة رباطة جأشه بعدما سابت أعصابه وانفلتت
ح.. حاضر.
مؤخرا وبعد انتشار خبر هروبها من المنزل بين أهالي بلدته أصبح يسير بين الناس متجهما عابسا وقلما يختلط بأحدهم فقد كان محرجا من الڤضيحة التي تسببت بها شقيقته الصغرى وجعلته في قمة شعوره بالخجل. 
ناداه أحد رفاقه عدة مرات فلم يبد أنه يسمعه فأسرع الأخير في خطاه ليلحق به متسائلا في استعتاب
يا موجي بناديك من بدري إنت مطنشني ولا إيه
توقف عن المشي ليستدير إليه قائلا بوجوم
والله ولا سمعتك من الأساس.
مازحه في بساطة
اللي واخد عقلك.
جاء رده مغلفا بالحنق خاصة وتعبيراته تشي بانزعاجه الشديد
هو في غيرها بنت ال ....!
مد يده ليربت على كتفه مظهرا تعاطفه معه
معلش يا موجي هون على نفسك هي بردك صغيرة ومالهاش خبرة في الدنيا.
كور قبضة يده وضغط عليها حتى ابيضت مفاصل أصابعه ثم كز على أسنانه متوعدا
أه لو بس أوصل لأراضيها ولا أعرف كانت ماشية مع مين!
رد عليه رفيقه مومئا برأسه بشكل آلي
مسيرك تعرف.
تابع موجي مضيفا في استهجان متعاظم
هتجنن دي كانت طول الوقت تحت عيني وأنا والله كنت ناوي أجوزها للي يصونها ويعيشها ملكة في بيتها بس هي مصبرتش على رزقها.
سأله في شيء من الاستفهام وهو يطالعه بهذه النظرة الحائرة
طب في حد معين في دماغك يكون شاغلها وضحك عليها وخلاها تعمل كده!!
صمت للحظات وكأنه قد استغرق في التفكير ليجيبه بعدها مسترسلا في شرح ما يدور في خلده
مش متأكد بس في واد كده شاكك فيه لمحته نواحي بيتنا كذا مرة وكانت هي بتبقى واقفة في الشباك وتتلبخ أول ما تشوفني جاي وارد يكون ليه صلة بيها وخصوصا إنه ما هوبش ناحية المكان من ساعة ما طفشت.
عاد ليسأله رفيقه مستوضحا
طب إنت فاكر شكله
أكد له بما لا يدع مجالا للشك
ده أنا أطلعه من وسط ألف.
عقب عليه في رجاء
ربنا يعترك فيه!
هم موجي بالمغادرة لكن استوقفه رفيقه مرة ثانية مقترحا عليه
تعالى نقعد على القهوة شوية.
اعتذر منه بنفس أسلوبه الواجم
ماليش مزاج خليها وقت تاني.
أصر عليه بتصميم
يا عم ما تحبكهاش دي ربعاية هو أنا بقولك نبات فيها
على مضض اضطر للتخلي عن عناده وواقف على الذهاب معه مرددا
ماشي.
سار كلاهما تجاه مقهى البلدة الشهير ليكملا تسامرهما هناك ورغم شعور موجي بالحرج من ظهوره علنا وفي تجمعات يعرفها فيها أهل بلدته إلا أنه لم يحادثه
أي شخص في شأن شقيقته فالجميع يعلم من طباعه الصارمة أنه لن يترك الأمر يمضي هكذا دون أن يصل إلى ما يعيد للعائلة مكانتها.
توقع أن يقوم أحدهم بتدبير مکيدة ما واستدراج شقيقه للإيقاع به ومن ثم جره للمشاكل مجددا لضمان استمرار المشاحنات والعداوة لكنه لم يظن أن يبادر العترة بهذا ويسبق غيره وهو الذي لم يعلن بعد عن خروجه من محبسه إذا هناك من ينقل عن عمد أخباره إليه من باعه مقابل طمعه في كسب المزيد من المال.
أراد معرفة ذلك الخائڼ المندس بين رجاله في أقرب وقت لكنه لن يتعجل في كشف الستار عنه سيتربص به وينتظر اللحظة المناسبة للإيقاع به في شړ أعماله ولحظتها فقط سينال ما يستحق.
استقل الشقيقان سيارة أخرى تابعة ل كرم لكنه لم يتجه إلى التبة بل قادها إلى منتصف المدينة تقريبا حيث تتواجد المراكز التجارية والمطاعم الشهيرة. استغرب زهير من تغيير وجهتهما وسأله
رايح فين كده مش ورانا مصالح
أجابه وقد لاحت ابتسامة باهتة على زاوية فمه
كله يستنى المهم نكون سوا.
علق ساخرا
ومن إمتى الاهتمام الزايد ده
خاطبه
في لهجة لينة لا تناسب طبيعة شخصيته غير المتساهلة
سبني أفرح بخروجك وإنت من ساعة ما طلعت لابس معايا في المشاكل.
أتى رده كالعادة متهكما
وهي من إمتى سابتنا دي زي ما تكون بتطاردنا كأنا عاملين معاها اتفاق.
ضحك كرم بعفوية قبل أن يعقب عليه
على رأيك خلينا نفك شوية ونبعد عن الواغش اللي حوالينا.
وافقه الرأي واسترخى في مقعده مرددا بعد تنهيدة بطيئة
ماشي.
بداخل إحدى القاعات المتسعة التي تعج بعشرات الأفراد الذين اتفقوا فيما بينهم على ارتداء البدلات الرسمية انتهى