فوق جبال الهوان


جارتكم إعتدال.
في البداية انتفضت بشكل لا إرادي مذهولة من تصرفها لتدارك الأمر قائلة بابتسامة مقتضبة
أهلا وسهلا لحظة أنادي ماما.
لم ترفع إعتدال عينيها عنها رغم ترك دليلة لها عند الباب لتسرع في خطاها نحو الداخل بل إنها اقټحمت الصالة دون استئذان لتتأملها بنظرات مبهورة وهي تطوف بعينيها على كل ركن فيها. زمت شفتيها هاتفة في استحسان
إيش إيش على الحلاوة.
تحسست ظهر الأريكة المذهبة بيدها وتابعت حديثها إلى نفسها
الواد كيشو مكدبش أما قال إنه قلب الخړابة دي قصر.
مين يا دليلة
تساءلت والدتها بهذه العبارة وهي تنهض عن سجادة الصلاة بحذر لتجد ابنتها تخبرها في صوت خاڤت وهي تشير بيدها نحو الخارج
واحدة بتقول إنها جارتنا.
انحنت عيشة لتلتقط السجادة من على الأرضية طوتها على عجالة وأمرتها وهي تشير نحو ضلفة الدولاب المفتوحة
طب خليكي جوا وكملي رص الهدوم.
اكتفت بهز رأسها لتسير بعدها والدتها متجهة إلى الصالة دون أن تبدل إسدال الصلاة حيث تنتظرها الضيفة الغريبة. وضعت على وجهها ابتسامة مهذبة واستطردت تحييها
السلام عليكم
في أريحية زائدة ردت عليها
وعليكم السلام يا حبيبتي أنا جارتكم إعتدال ساكنة في الأول.
مدت عيشة يدها لمصافحتها لكنها تفاجأت بها تجذبها ناحيتها لتنهال عليها بعشرات القبلات على وجنتيها كنوع من الترحيب الحار. بالكاد تمكنت من التملص منها وقالت مجاملة وهي تجاهد للحفاظ على ابتسامتها الودية
أهلا بيكي شرفتينا اتفضلي.
جلست إعتدال على الأريكة وتساءلت في اهتمام
ما اتشرفتش باسمك.
أجابتها الأخيرة باقتضاب
أنا عيشة.
انتقلت لسؤالها الفضولي التالي
واللي البنوتة الحلوة اللي فتحتلي تبقى مين
بعد زفرة سريعة أخبرتها
دي بنتي دليلة.
هتفت مجاملة
عاشت الأسامي...
ثم أضافت في ألفة عجيبة وكأنها على سابق معرفة بعائلتها
أنا قولت أشأر عليكم وأشوف إن كنتم محتاجين حاجة.
قالت في امتنان
كتر خيرك.
مدت بعدها يدها بالصحن الذي أحضرته معها واستطردت في إصرار
اتفضلي يا عيشة ياختي حاجة كده تفتح نفسكم عمايل إيديا وحياة عينيا.
شكرتها على هديتها في تهذيب
مالوش لازمة تعبك كفاية زيارتك الطيبة.
تصنعت الضحك وهتفت في صوت شبه صاخب
ولا تعب ولا حاجة ده إنتي ما تعرفنيش...
لم تعقب عيشة بكلمة فاستمرت ضيفتها في الاسترسال عن مدى تفوق مهاراتها في طهي الطعام
وربنا مافيش حد في الحتة دي يعرف يعمل محشي زيي.
كنوع من المجاملة ردت
ما هو باين من الريحة الحلوة.
عادت إعتدال لفضولها المتطفل وتساءلت في صوت جاد
على كده معندكيش إلا المحروسة دي
اضطرت على مضض للإجابة عليها
لأ في بنتي الكبيرة إيمان وهي متجوزة وأعدة في بيتها.
ابتهجت أساريرها مرددة
يا صلاة النبي.
ردت بتلقائية
عليه الصلاة والسلام.
بنفس النهج الذي تتبعه لاحقتها إعتدال بسؤالها التالي
والحلوة دي متجوزة ولا في
حد متكلم عليها
الوداعة التي كانت على وجهها اختفت بالتدريج لتبدو قسماتها جادة إلى حد ما وهي تخبرها
دليلة لسه بتدرس واحنا مش بنفكر في الكلام ده دلوقت أبوها مستني أما تخلص دراسة.
مصمصت جارتها شفتيها مرددة
وماله في النهاية الواحدة مالهاش إلا بيت جوزها وراجل تخدمه وتشوف طلباته.
لم تكن عيشة راضية عن محدودية تفكيرها في هذا الشأن ومع هذا لم تجادلها واكتفت بالحفاظ على صمتها وهدوئها لتتفاجأ بها تعرض عليها بتصميم
وبعدين ماتقلقيش لو مجالهاش عدلها أنا سدادة عندي بدل العريس عشرة أنا مجوزة نص بنات الحتة.
بلا ابتسام ردت
متشكرين.
وقبل أن تستمر في وصلتها التحقيقية التي جاءت من أجلها نهضت عيشة من على الأريكة هاتفة
أنا مش عايزة أعطلك معايا وزي ما إنتي شايفة البيت مكركب والحاج زمانه راجع فلازم أروقه.
بتثاقل وكسل نهضت هي الأخرى قائلة
أه وماله أنا جاية أصلا زيارة على الواقف أتعرف بيكم...
إلى حد ما انقلبت سحنة عيشة عندما أتمت جارتها السمجة جملتها
وبعد كده هتلاقيني ليل نهار عندك احنا كلنا هنا في الحتة زي العيلة الواحدة.
حرصت على ألا تعقب بشيء فاتخاذ موقف صارم مع هذه النوعية من الشخصيات الفضولية قد يأتي بنتائج عكسية خاصة في منطقة شعبية كتلك. ظلت على وديتها المصطنعة وأشارت لها لتصحبها تجاه الباب وإعتدال لا تزال تكلمها
لو عوزتي حاجة نادي عليا من السلم أنا باب بيتي مفتوح ليل نهار.
هزت رأسها كأنما توضح لها دون كلام أنها تصغي لها لتضيف الأخيرة في جدية
ماهو مافيش حد غريب بيدخل حتتنا دي احنا مقفول علينا.
أوجزت في التعليق عليها
واضح.
بصبر أوشك على الانتهاء تساءلت دليلة بعدما خرجت من الغرفة في ضيق وتذمر
مين الست الحشرية دي
قبل أن تجيبها انتبهت كلتاهما لهذا الصړاخ المخيف الذي صدح فجأة في المكان وكأن إحداهن قد فقدت عزيزا لديها فراحت تنعي ۏفاته بطريقتها. من تلقاء نفسها استطردت دليلة وهي تتجه نحو الشرفة
في صويت جامد في الشارع.
تبعتها أمها قائلة بشيء من الفضول الحائر
خلينا نشوف في إيه
كلص يتم مطاردته ومعاقبته من قبل الجميع جرت جرا إلى خارج مدخل العمارة وهي بالكاد تحاول تغطية ما برز منها بيد وباليد الأخرى تقاوم سحب هذا الرجل العتيد لها بينما احتشد أهالي المنطقة في المساحة الضيقة الفاصلة بين العمائر والأبنية القديمة ليشهدوا بأم أعينهم على ما يجري الآن بما يسمى بڤضيحة علنية بطلتها شابة مجهولة الهوية ممسك بها الذراع الأيمن لمن يفرض السطوة والقانون هنا كذلك امتلأت الشرفات بعشرات النساء والأطفال ممن شعروا بالأسف على هذه المسكينة التي وقعت في يد من لا يرحم. 
هدر عباس عاليا وذراعه مفرود على طوله في الهواء
يا أهل الحتة تعالوا اشهدوا واتفرجوا...
ضمن الحوز على انتباه الحشد الغفير له ثم بخشونة كبيرة دفع مروة للأمام ففقدت اتزانها وانكفأت على وجهها لتصرخ في حسرة وعجز وهي تحاول مواراة ما بدا منها بيديها
حرام عليك.
أشار ناحيتها بإصبعه ملقيا باتهاماته المجحفة عليها
المحروسة بنت الأصول هربانة من بيتها ومش عاجبها إن الست توحيدة سترتها عندها ومسألتهاش عن اللي كانت بتعمله..
ارتفعت صيحات الاستهجان وسرت بين الجموع المشاهدة
وقالت تخليها تشتغل في خدمة البيوت إكمنها شغلانة بالحلال.
لم تكن لها أي مطالب سوى الخروج من هذا المستنقع قبل أن تطأه لكن عاصفة الظلم هبت وجرفتها معها راحت مروة تصرخ مدافعة عن نفسها
والله العظيم ده كداب أنا شريفة ومعملتش حاجة غلط.
ظل الجميع يتابعون في صمت وجل ما تتعرض له وعباس يزيد في اضطهاده لها
شايفين هو ده اللبس اللي جاية بيه
دنا منها حتى وقف
أمامها نظر إليها من علياه وقال بشبح ابتسامة مخيفة
وأنا لو مكان أهلك كنت صفيت دمك.
للغرابة تدخلت توحيدة بعدما خرجت من المدخل وفي يدها ملاءة شبه بالية ألقتها على هذه المغلوبة على أمرها وتوسلته في سمة من التعاطف الزائف
خلاص يا معلم عباس ربنا أمر بالستر.
حتى وإن كانت ما ألقته خرقة بالية لأخذتها حتى تتوارى بداخلها فما اختبرته الآن يفوق قدرتها على الاحتمال. ربتت توحيدة على كتفه قائلة
احنا مش ملايكة بس ربنا غفور رحيم.
منحها نظرة ذات مغزى فبادلته أخرى ممتنة لكونه ببساطة قد نجح في إتقان الدور وإخضاع من تفكر في عصيانها تكلمت بعدها آمرة تابعتها اللصيقة بها
خديها يا خضرة فوق.
في التو امتثلت لأمرها واتجهت ناحيتها قائلة
حاضر يا أبلتي.
عاونتها على النهوض ولفت من حولها الملاءة لتهمس في أذنها پشماتة
مش قولتلك قبل سابق دخول الحمام مش زي خروجه.
طأطأت مروة رأسها في خزي وانساقت هذه المرة بطواعية منها عائدة إلى الداخل ليهدر عباس في صوت مرتفع وهو يصفق بيديه
المولد اتفض كل واحد يشوف سكة.
مثلما اجتمعوا تفرقوا في ثوان معدودة لتظل توحيدة معه تنظر لها بافتنان وإعجاب قبل أن تمتدحه ويدها تمسح على صدره برفق
طول عمرك راجلي وراجل الناس يا سي عباس.
زجرها في خشونة
اطلعي وراها يا ولية احنا في الشارع.
ضحكت بشكل رقيع وعلقت وهي تتغندر في مشيتها
أموت فيك وإنت حمش.
لم تكن لتبالي للحظة واحدة بما جرى على مرأى ومسمع منها لو كان ما تشاهده مشهدا عابرا ضمن أحداث أحد تلك الأفلام الهابطة التي تعرض على التلفاز في السهرة لكن ما حدث للتو لا يصدق أبدا شعرت عيشة بالذعر والخۏف وخاصة على ابنتها النقية التي أرغمت على رؤية إذلال إحداهن وإلصاق العاړ بها لذنب لا تعلمه وربما لم ترتكبه من الأساس وذلك لأنها فقط تمردت على أمثال هؤلاء الأشداء القساة.
انتشلها من تفكيرها المړتعب صوت دليلة المتسائل
إيه الناس دي
صاحت بها في تعصب استغربته
مالناش دعوة بيهم حاجة ماتخصناش واقفلي الشباك ده خالص.
اندهشت للغاية من عصبيتها التي استثيرت فجأة وهتفت بملامح حائرة
أنا مش فاهمة حاجة.
وكزتها أمها وأرجعتها للخلف لتقوم بغلق شباك الشرفة الكبير وهي تعقب بنفس اللهجة الصارمة
مش مهم وملكيش دعوة بحد هنا...
كادت تنطق بشيء محتج لولا أن أضافت والدتها لتعلمها بما قررته فجأة
وأنا هشوف صرفة مع أبوكي وأخليكي تروحي عند أختك.
انفرجت أساريرها ابتهاجا وقالت في سرور كبير وتنهيدة ارتياح تنطلق من رئتيها
يا ريت والله.
فهم بالتدريج أن ما يقدمه العامل له طوال النهار من حجج وأعذار سخيفة هي مجرد وسيلة لإلهائه ومماطلته ريثما يأتي صاحب الفرن ليتحدث شخصيا إليه فجاء الحاج درويش بالفعل وسحب كرسيه الخشبي وجلس مجاورا له ليخبره بأن المخبز الذي يتشارك فيه معه لا يحقق الربح الكافي وعلى وشك الإفلاس. نظر إليه فهيم مدهوشا وسأله باستنكار
إيه الكلام ده إزاي الفرن ما بيكسبش
حسبما تابع منذ وقت جلوسه المبكر فإن الزبائن يترددون عليه دون انقطاع وبأعداد معقولة فأفصح عما رآه بعفوية
ده ما شاء الله الناس داخلة خارجة عليه.
آنئذ خمس درويش بكف يده في وجهه هادرا بضيق وقد حل العبوس على كامل تقاسيمه
الله أكبر إنت هتحسد مالي ولا إيه
استهجن ردة فعله وسأله
مالك 
واصل درويش هجومه اللفظي عليه
دول كام ملطوش يدوب بجيب بيهم مصاريفه هتبص فيهم كمان
غامت تعبيرات وجهه من أسلوبه الفظ وقال رغم هذا بهدوء
طب هات الدفاتر أراجعها.
اڼفجر فيه صائحا بغلظة
إنت بتسرقني كمان
في التو برر له مقصده لئلا يستمر في إساءة تفسيره
حاشا لله أنا بس عايز أعرف الغلط فين.
كانت
كلماته قاسېة مهينة إلى حد كبير خاصة عندما خاطبه في استحقار وهو يوكزه في كتفه
بقولك إيه يا عم فهيم روح شوف حالك وتبقى تيجي أول كل شهر تاخد اللي فيه النصيب.
حفظا لماء وجهه علق بعدما نهض من على المقعد وهو يبتلع تلك الغصة المريرة العالقة في جوفه
أنا مش بشحت منك أنا ليا لي في الفرن ده.
قام الأخير بدوره وناطحه في تحد مستفز
ده اللي عندي ولو مش عاجبك اشتكي.
كور فهيم قبضة يده معقبا
حقي هجيبه بس ما ترجعش تزعل يا .. حاج.
جاء رده على هيئة ټهديد أخطر وأكثر بثا للړعب في قلبه
إنت عندك بنات أحسنلك تخاف عليهم لأنك ما تعرفش أنا تبع مين وأقدر أعملك فيك إيه.
لم يكن بالممازح معه نبرته ونظرته
أكدت أنه قادر على سحقه ما لم يتراجع عن موقعه معه لكنه رغم هذا قبل بذلك النوع من التحدي غير المحمود العواقب ورد بإباء
هنشوف !!!!!!!!!
يتبع الفصل الجديد
الفصل الثالث
من بعيد بدت الهالة المحيطة به وكأنه شخصية مثقفة غير عدوانية راقية إلى