فوق جبال الهوان


وما بعملش حاجة قولت أجي أقعد معاكي شوية أشوف أحوالك إيه.
بجدية وجمود ردت عليها عيشة محاولة إفهامها بشكل أو بآخر بأن أسرتها لا تحبذ هذه النوعية من العلاقات الزائدة عن الحد
احنا معندناش حاجة تتقال أعدين في حالنا وكافيين خيرنا شرنا.
وكأنها لم تقل شيئا فقد جاءت لمهمة محددة استطلاع الأخبار وجلب المعلومات التي تتناقلها مع بقية المعارف والجيران ليجدوا ما يتشاغلون به طوال فترة نهارهم الطويل فسألتها في فجاجة
أومال فين المحروسة بنتك البكرية إني ما شوفتها ولا مرة هنا!
ثم مالت ناحيتها لتسألها وهي تضيق نظرتها اللئيمة تجاهها
ولا تكونش مستعرية من المكان احكيلي وفضفضي ده أنا زي أختك وبعدين سرك في بير.
استنكرت بشدة وقاحتها وتحدثت إليها في رسمية واضحة
بنتي بخير يا ست إعتدال بس أعذريني رجل البيت عايز طلباته تتعمل وأنا معنديش وقت أضيعه في الرغي والحوارات.
تصعبت بشفتيها مبدية نقمها على صدها لها ورددت في غير رضا
أها.. قولتيلي.
تحولت نظرات الاثنتين تجاه باب المنزل عندما فتحته فهيم ليدخل ملقيا التحية
سلام عليكم.
اندهش من وجود إحداهن بصالة المنزل فتساءل بتلقائية
احنا عندنا ضيوف يا عيشة
قهقهت إعتدال ضاحكة بسخافة وتصنع قبل أن تنهض بتكاسل من موضع جلوسها لترد عليه
ضيوف إيه بس يا حاج ده أنا جارتكم إعتدال إنت مش واخد بالك مني ولا إيه
هز رأسه معقبا وقد لاح على ثغره بسمة باهتة
شرفتينا...
ثم الټفت ناظرا إلى زوجته يعاتبها
معقولة يا عيشة ما جبتيش حاجة لجارتنا لسه ما يصحش كده!
قبل أن تجيب زوجته تولت عنها الكلام مرددة بتطفل مزعج
ما أنا مش غريبة يا حاج ده أنا يعتبر في بيتي يعني.
رد مجاملا
أكيد طبعا.
شعرت عيشة بالانزعاج من وجودها ومع هذا لم ترغب في التعامل معها بوقاحة لئلا تتسبب في مشكلة من لا شيء تبعاتها قد تأتي بما لا يحمد عقباه خاصة مع جارة كتلك لا تستحي من ادعاء الباطل على أحدهم اڼتقاما فقط منه. تنبهت لصوتها عندما قالت
هسيبك تاخد راحتك وهعدي وقت تاني على عيشة أصل أنا حبيتها أوي.
باقتضاب مشوب بالاحترام تكلم فهيم وهو مخفض لعينيه ورأسه
تنوري.
تجاوزته لتتجه نحو الباب وهي تردد
فوتكم بالعافية.
تبعتها عيشة قائلة كنوع من المجاملة
تسلم رجليكي يا حبيبتي.
الټفت إعتدال ناحيتها وافتعلت الضحك قبل أن تخبرها
عايزة المرة الجاية أدوق عمايل إيدك بقى.
وكأنها تضع لها العراقيل لتزعجها أكثر فقبلت على مضض بتحديها المتواري
طبعا ده أنا هستنى رأيك.
صرفتها بأعجوبة من بيتها لتغلق الباب مدمدمة في سخط كبير
أعوذ بالله من دي ست حشرية بدرجة فظيعة.
زفرت في نفور واتجهت إلى زوجها الذي جلس على الأريكة شاردا فسألته في تحفز
مافيش جديد في موضوع الفرن
لم ينظر ناحيتها وهو يجاوبها
لأ لسه.
انتقلت بإلحاح إلى سؤالها التالي
طب ما فوتش على الراجل اللي اسمه درويش تتكلم معاه تاني
أوجز في رده المتجهم
لأ.
ضاقت ذرعا مما اعتبرته تكاسلا منه وصاحت في غير صبر
أومال بتعمل إيه كل يوم يا راجل طول النهار برا ومافيش جديد خالص.
هذه المرة أدار وجهه تجاهها لينظر إليها مليا بماذا يخبرها بالضبط وهو يبدو عاجزا عن فعل أي شيء بمفرده ما زال ينتظر على أحر من الجمر قبول كيشو بتقديم العون له في هذه المسألة فإن لا قدر الله رفض لبات في وضع أصعب حاول ألا يفكر
بسلبية وتعمد تغيير الموضوع بقوله غير المبالي
خلي دليلة تعملي شوية شاي.
فغرت شفتيها متسائلة باستهجان
هتشرب شاي قبل ما تاكل
في قدر من الانفعال رد
أه يا عيشة عندك اعتراض
لوت ثغرها قائلة
لأ.
نهض بعدها متجها إلى الشرفة ليتطلع إلى الطريق الضيق المزدحم بالمارة والدراجات ومركبات التوكتوك. أخرج تنهيدة ثقيلة من صدره محادثا نفسه في يأس وإحباط
هعمل إيه لو معرفتش أجيب حقي
على عكس طبيعة شقيقه المتباهية والداعية للفت الأنظار كان زهير يحب العمل في هدوء والتحرك بلا أدنى صخب أو ضوضاء وكأن في التخفي عن الأعين لذة عجيبة لذلك لم يبد راضيا تماما عن الحشد الذي وقف في انتظاره خارج أسوار السچن تمهيدا للاحتفاء به بعد انقضاء مدة حپسه. 
تقدم شيكاغو تجاهه ليستقبله ويرحب به فهتف في حماس فرح وهو يشير بيده للفرقة الموسيقية الشعبية التي أتت بصحبته لتبدأ في العزف الصاخب
الكوبارة بنفسه باعتنا ليك يا سي زهير.
أمر الجميع بلهجة الآمر الناهي
مش عايز أسمع دقة طبلة ولا صوت مزمار.
سادت الحيرة بينهم فأكمل على نفس الوتيرة الصارمة
أنا مابحبش الحركات دي وبقول من تاني مش عايز لا زفة ولا مولد الكل يرجع من مطرح ما جه.
معارضته لم تكن إحدى الخيارات المتاحة لهذا صفق شيكاغو بيديه للجميع حتى يمتثلوا لأمره وينصرفوا تباعا ثم الټفت ناظرا إليه قبل أن يردد
كل اللي أمرت بيه اتنفذ يا ريس زهير.
تقدم بعدها تجاه إحدى السيارات فتح الباب الأمامي وجلس مجاورا لمقعد السائق ليأمر الأخير بتعابير جادة للغاية
اطلع على التبة.
هز رأسه في طاعة قبل أن يدير المحرك متمتما
ماشي يا كبير.
انطلقت السيارات المنتظرة خلف بعضها البعض في تتابع صامت نحو الطريق الرئيسي المؤدي إلى ذلك المكان القصي لتبدأ فترة جديدة ربما تكون عصيبة على البعض حينما تتضافر جهود الشقيقين معا من أجل تدعيم نفوذهم وسلطتهم على من يقطنون منطقتهم وضواحيها !!!!
يتبع الجديد
بعد مراقبة حثيثة لعدة دقائق في محيط هذه المنطقة المزدحمة بالمركبات المختلفة والمارة وقع الاختيار على أحد بعينه للقيام ضده بهذه الخطوة الجريئة فالأخير كان مشغولا بالحديث في هاتفه المحمول وهو جالس في المقعد الأخير الملاصق للنافذة بالحافلة الصغيرة. تأهب شيكاغو في جلسته على محرك دراجته البخارية غطى وجهه بطرف وشاحه ثم حركها ببطء إلى أن أصبح على مسافة قريبة منه.
لسوء حظ هذا الفتى كان يشعر بالاختناق من الزحام فتعمد طرح جانبه الأيمن عبر النافذة ليصبح ذراعه الممسك بهاتفه بارزا لمن بالخارج وانشغل في الحديث مع الطرف الآخر دون أن ينتبه لزوج الأعين المراقبة له. 
أعاد شيكاغو من جديد تقييم الموقف في رأسه وحدد وجهته التي سينطلق ناحيتها بمجرد أن يتم مهمته فالأجواء تقريبا مهيأة للشروع في إتمام سرقته.. حينما حانت اللحظة المناسبة زاد من سرعة الدراجة وفي غمضة عين اختطف من بين أصابع الفتى الصغير هاتفه الجديد ليزيد من سرعته ويهرب في الحال.
استطاع سماع صراخه ينادي مستغيثا
حرامي يا ناس موبايلي اتسرق.
في التو انحرف بدراجته عبر زقاق جانبي ومنه إلى آخر ليتجنب بحرفية أي محاولة لإلقاء القبض عليه. أصبح بعد برهة بعيدا عن الخطړ فأبطأ من سرعة دراجته ونظر بتفحص إلى غنيمته التي ظفر بها راح يقلبها يمينا ويسارا وهو يحادث نفسه متسائلا في تحير
يجيبله كام البتاع ده
لم يحاول التخمين كثيرا ووضعه في جيبه ليعود إلى مقر إقامته من أجل الترتيب مع شريكه لبيعه والاستفادة من المبلغ الذي سيجنيه من ورائه في الترويح عن نفسه.
أتاه أخيرا التكليف الرسمي بحضور ذلك التدريب الهام والذي سيعقد في إحدى قاعات المؤتمرات بواحد من الفنادق الشهيرة في العاصمة. تحمس كغيره للتواجد هناك وجلس مع باقي زملائه يتفقون فيما بينهم على ما يجب فعله للاستفادة بكل المنح المصاحبة لذلك. قال أحدهم كنوع من الاقتراح
احنا نخلص تدريب الصبح ونقضيها سهر بالليل.
رد عليه راغب ممازحا
هو هيكون فينا حيل
لكزه في كتفه قائلا بزهو
يا ابني احنا بنتعامل معاملة VIP .. فرصة نستفيد بكل حاجة في الفندق.
سأله آخر في فضول
على كده هتقول إيه لمراتك
الټفت راغب تجاهه وأجابه بملامح جادة
مش هجيب سيرة طبعا إنه في أفخم الفنادق وهفضل أزن إنه حاجة فقر وۏجع دماغ.
استغرب من تحامله عليها وتساءل
ليه كده
قال بوجه ممتعض
هتفضل تقولي خدني معاك وأنا مش ناقص خانقة.
تصنع زميله الضحك وقال وهو يسترخي في جلسته على المقعد
على رأيك الستات طول عمرها غاوية نكد ومشاكل.
بينما تساءل آخر عن شيء يخص العمل
أومال هنعمل إيه في آ...
لم يبد راغب مهتما بمتابعة باقي الحوار فقد انشغل باله في كيفية الترتيب لغيابه ووضع زوجته أثناء ذلك. بالطبع تبادر إلى ذهنه إرسالها للمكوث عند ذويه لهذا استأذن للقيام بمكالمة ما ضرورية فخرج إلى الرواق وبحث في هاتفه عن رقم والدته ليتصل بها.
على عكس ما توقع تفاجأ بوالدته السيدة نجاح تتذمر من الأمر
لأ يا راغب مش هينفع معايا الكلام ده.
اندهش من رفضها القاطع هذه المرة وسألها في استغراب
ليه بس
أتاه صوتها مسترسلا في الشرح
بصراحة كده أنا طالعة مع أبوك رحلة تبع النادي بتاعنا ولو مراتك جت أعدت معانا هنضطر ناخدها وأنا مش عايزاها تيجي هتفضل تبص لكل اللي بنعمله وتبقى كابسة على نفسنا وتعد علينا خطواينا.
اعترض على ظنونها السيئة تجاهها قائلا بشيء من التحيز
بس هي غلبانة ودايما بتقوم بطلباتك مافيش حاجة لو اتفسحت اليومين دول معاكو.
سمع نبرتها الحادة تعلمه
ما تفسحها إنت على حسابك.
رد محتجا
ما الجاي يدوب على أد اللي رايح.
علقت
عليه في إصرار
مش مشكلتي يا راغب وبعدين دي وش فقر وهتقول لأمها ويفضلوا يؤروا علينا واحنا مش ناقصين حسد ولا نتنش عين.
سألها في تحير وهو يتابع بناظريه أحد الموظفين المار بجواره
طب والعمل
جاء تعليقها فجا بعض الشيء
ما تتنيل تفضل في بيتها هيجرالها حاجة يعني
لوى ثغره متمتما بخفوت محاولا عدم إظهار ضيقه
أنا مش متعود أسيبها لواحدها وفي نفس الوقت مش عايزها تروح عند أهلها الحتة اللي هما أعدين فيها صعبة شويتين.
غمغمت نجاح في غير مبالاة
الموضوع ما يخصنيش أنا عايزة أغير جو مع أبوك واصطفل إنت مع مراتك.
نفخ مليا قبل أن يرد
ماشي يا ماما اللي تشوفيه.
من جديد عاودت التشديد عليه لئلا يتراخى في وعده لها
أوعى بس تجيبلها سيرة عننا سامعني يا راغب لو هي عرفت يبقى منك وساعتها هزعل.
على مضض أخبرها
طيب.
أنهى معها المكالمة وظل باقيا في الرواق ويده موضوعة على طرف ذقنه راح يحكه لبعض الوقت مستغرقا في تفكيره قبل أن يكلم نفسه حاسما المسألة
خلاص خليها تفضل في البيت وأهي تعتبرها بجميلة إني وافقت على طلبها ده.
حينما تشرد كل شابة وتسرح بالخيال تتمنى تحقيق الكثير من الأحلام كان من أبسطها إقامة ليلة زفاف خيالية يتحاكى الجميع عن مدى روعتها وحضور كل المعارف والأقارب لتهنئتها لكن ذلك أصبح مستبعد الحدوث بل إنه صار من المستحيلات الآن بعدما تبخرت كل الأحلام وسارت كالسراب في الصحراء الجرداء.
لم تنضب دموعها أو تخف بالرغم من مرور الكثير من الوقت على تركها بمفردها في هذه الغرفة الكئيبة. لم تختر هذا المصير المشؤوم لكنها سارت
بإرادتها في الطريق الذي أودى بها في نهايته إلا ما لم تتوقع حدوثه أمنت بعهود الحب ووضعت ثقتها فيمن لم يحافظ على وعوده فأصبحت كالمغيبة وانساقت وراء المجهول حتى هوت في مستنقع مظلم لا تعلم متى يمكنها النجاة منه.
تلفحت مروة بالغطاء محاولة الاختباء بها كانت لا تزال على رجفتها تبكي بأنين وحړقة خسارة كل شيء ..
انتفضت بهلع حينما