فوق جبال الهوان


من صاح مستهجنا تصرفها الأهوج
إنت اټجننتي يا بت!
هم بالھجوم عليها لولا أن أشار له زهير بيده بالتوقف في مكانه وعدم الاقتراب منها. أدركت دليلة حجم الکاړثة التي ارتكبتها وضمت يديها معا إلى صدرها لتشعر بموجات من الخۏف والترقب تعصف بها فإلى الآن لم تحل مشكلتها الأولى لتجد نفسها تتورط في مشكلة أخطر منها فكيف ستقوم بمواجهة نتائجها الجسيمة نفضة أقوى حلت بها عندما أتى صوت كرم من مسافة لا تبدو بعيدة عنها وهو يتساءل في صوت غاضب للغاية
إيه اللي بيحصل عندك يا زهير!!
على ما يبدو رأى كرم صفعها لشقيقه في وقاحة منها بعدما تفاوض مع أبيها الذي جاء بصحبته ليتساءل الأخير في ذعر حقيقي
دليلة! إنتي عملتي إيه
تعمد عباس سكب المزيد من الوقود على النيران المشټعلة بقوله المحفز لإثارة المشاكل وهو يوجه إصبع الاتهام إليها
الحق يا كبيرنا البت دي مش هاممها حد وطايحة في الكل.
هزت دليلة رأسها رافضة ما يحدث بينما هرول فهيم تجاه ابنته وجذبها من معصمها ورائه ليحول بينها وبين كرم الذي أوشك على الوصول إليها ورجاه في خوف كبير
هي ما تقصدش.
قبض كرم على كتفه ودفعه للجانب بخشونة ليزيحه عن طريقه وهو يزمجر بحنق متضاعف
اتركنلي على جمب يا راجل إنت.
اتسعت عينا دليلة على آخرهما عندما وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع الۏحش الكاسر كادت ټموت ړعبا في جلدها عندما هدر بها بصوته الجهوري المهدد
إنتي بقى عاملة نفسك سبع رجالة في بعض وشايفة نفسك علينا!!
ظنت أنه الهلاك الحتمي بنزع فتيل غضبه المستعر وعجزت عن التحرك من موضع وقوفها للفكاك منه قبل أن يبطش بها أنقذتها العناية الإلهية باعتراض زهير له فوقف بجسده أمامها يمنعه من بلوغها وخاطبه في جدية وصرامة
اهدى يا كرم.
رد عليه شقيقه الأكبر بعدائية صريحة
ما عاش ولا كان اللي ترفع إيدها عليك ياخويا...
ثم مال برأسه للجانب قليلا ليسدد لها نظرة ڼارية قاټلة قبل أن يتم جملته بنبرته المخيفة
احنا بنعرف نعدل الضلع الأعوج!
بهدوء مثير للريبة تكلم زهير وهو يضع كفيه على جانبي وجه شقيقه ليمسك به منه
حوارها معايا أنا.
لم يكن أمام فهيم أي حل آخر سوى تهذيب ابنته بصرامة أمام هؤلاء وإن كانت مرته الأولى التي يلجأ فيها لتلك الطريقة الصارمة معها وإلا لعانت الويلات بخلق المزيد من العداوات معهم. على الفور سحبها من ذراعها بعيدا عنهما وانهال عليها بصڤعة مباغتة على وجنتها قبل أن يلومها في صوت مرتفع ومحتد
عملتي كده ليه يا دليلة
في البداية ألجمتها الصدمة وحملقت فيه مدهوشة لټغرق حدقتيها في بحر من الدموع قبل أن ترتجف شفتاها هامسة بذهول مستنكر لردة فعله تجاهها
بابا!
استمر في تقريعها
هو احنا ناقصين مصايب ما كفاية الدين اللي بقى في رقبتي بسببك!
تجمدت في موضعها كالصنم والدموع تنساب من طرفيها بغزارة ليتطلع الجميع إلى ما يدور بين الأب وابنته بنظرات جمعت ما بين التشفي والتسلية. فاقت الصدمة احتمالها ففقدت وعيها واڼهارت مغشيا عليها لتطرح أرضا وفهيم ېصرخ بندم حقيقي وهو يحاول الإمساك بها قبل أن ترتطم رأسها بالأرضية الصلبة فتتأذى أكثر
دليلة!
لو لم يكن حاضرا للموقف منذ بدايته لظن أنها تمثيلية رخيصة ومفتعلة لطلب الصفع والعفو لكن كل شيء حدث بشكل غير متوقع ومفاجئ.
لئلا تسوء الأمور أكثر من ذلك دفع زهير شقيقه من صدره بقبضتيه القويتين وهمس له برجاء
امشي يا
كبير وأنا هتعامل مع الحوار ده هو يخصني من دلوقت.
كعادته لم يستطع أن يرد له طلبا وهدر من بين زفيره الحانق في لهجة مالت أكثر للټهديد
ماشي يا زهير بس أحسنلك تعمل اللي يرضيني أنا مش هقبل تتهان وأسكت.
أكد له وهو يومئ برأسه
حاضر شوف وراك إيه.
انسحب بعدها كرم مغادرا الباحة وهو يلعن بسباب لاذع ومن خلفه عباس وبعض الأتباع ليوجه زهير أمره للبقية المتواجدة في غلظة وصرامة
يالا ياض إنت وهو .. هي مش فرجة.
في التو انفض الجمع ليبقى كيشو في مكانه مترددا ما بين البقاء والذهاب ليأتيه الأمر النافذ من زهير بالرحيل فانصرف على الفور وهو يدعو الله ألا يتورط مجددا مع هذه العائلة التعيسة.
......................................
لم تستجب دليلة لأي من محاولات والدها المستميتة لإفاقتها ظهر الندم الشديد عليه فابنته لم تألف نهائيا قساوته معها تحت أي ظرف فكانت الصدمة لا تحتمل بالنسبة لها فأخذ يعتذر لها وصوته يكاد يكون مخټنقا
حقك عليا يا بنتي ڠصب عني والله.
لم ينتبه إلى زهير الذي جثا على ركبته أمامهما فقد أخذ يشملها بنظرة سريعة تفقدية قبل أن يصدر أمره الموجه إليه
عنك شوية يا حاج.
من بين سحابة دموعه المتجمعة في مقلتيه نظر إليه فهيم متحيرا وسأله في توجس كبير
إنت هتعمل فيها إيه
لم يجبه وتفاجأ به يمرر ذراعيه خلف ظهرها وأسفل ركبتيها حتى يتمكن من حملها ثم نهض واقفا وسار بها بخطوات سريعة نحو سيارته ليتبعه فهيم في ذعر وهو يسأله
إنت واخدها على فين
استخدم زهير يده بصعوبة في فتح الباب الخلفي لسيارته وأجلسها بحذر على المقعد مراعيا وضع رأسها برفق على الجانب ليعترض فهيم طريقه متوسلا إياه
بالله عليك ما تأذيها أبوس إيدك اللي إنت عايزه أنا هدفعه بس ماتجيش جمبها.
طمأنه بكلامه الغامض وهو يربت على كتفه
اركب يا حاج أنا هرجعكم من مطرح ما جيتو.
فغر فاهه للحظة مذهولا يكاد لا يصدق ما سمعه ليجد زهير يدور حول مقدمة السيارة حتى يستقر خلف عجلة القيادة في التو ركب بجوار ابنته وحاوطها بذراعه ليريح رأسها على كتفه مسح على وجهها الرطب بترفق وعيناه الأبويتان تنظران إليها بأسف وندم.
............................................
لجأ إلى أسلوب الصمت المخيف طوال قيادته للسيارة ليشعر فهيم بمزيد من التخبط والحيرة من أمره الغامض نحوهما خاصة أنه أبصر نظراته القاتمة إليهما بين الفنية والأخرى فاستشعر قلبه نية غير محمودة تجاههما لهذا تساءل بحذر وهو يزيد من ضمھ لابنته وكأنه يحاول حمايتها بكل الطرق المتاحة إليه
إنت ناوي على إيه معانا
أخبره بغموض جعل البرودة تسري في عروقه
مش وقت كلام.
لم ينتبه فهيم إلى بلوغه لمنطقة سكنه بسبب تركيزه الكلي معه ليدور ببصره بشكل عفوي في الأرجاء عندما سأله
ده بيتكم صح
أمعن النظر في المكان مستوعبا أنه بالفعل وصل إليه فجاوبه باقتضاب مرتبك
أيوه.
ترك المحرك دائرا وترجل من السيارة ليقوم بفتح الباب الملاصق ل دليلة ثم مرر ذراعيه من أسفل جسدها وقام بحملها دون استئذان منه وهو يكلمه بلهجة الآمر الناهي
وريني ساكنين فين.
كان يعلم مسبقا بمحل إقامتها ومع ذلك ادعى جهله به ليجعله يمضي في طريقه أولا حتى يتجنب نظراته التي تلاحقه وتحاصره بل وتطبق على أنفاسه كلما حاول استراق النظر إلى هذه الشابة المٹيرة لفضوله واهتمامه. أطاعه فهيم مرددا وهو يهبط عن السيارة بتعجل
حاضر.
ثم سبقه في خطاه ليرشده إلى مكان بيته هاتفا
اتفضل من هنا.
كعادتها الفضولية المتطفلة وقفت إعتدال على بسطة السلم تراقب كل شاردة وواردة تحدث فلم يغب عن ناظريها رؤية زهير وهو يصف سيارته أمام البناية
ليترجل منها حاملا ابنة الجيران الشابة فدارت برأسها الأفكار المحيرات عن علاقة بعضهما ببعض. اندفعت بنزق ترحب به وهي ترسم على وجهها ابتسامة عريضة مستفزة
سي زهير عندنا منور العمارة يا كبير المنطقة.
ادعت أنها لم تبصرها في البداية وقالت في خوف مصطنع
الله! مش دي دليلة هو حصل إيه
زجرها زهير بخشونة مهددا إياها وهو يحدجها بنظرة قاسېة
تعرفي تسكتي ولا أسكتك بطريقتي
في التو تخلت عن أسلوبها التحقيقي وتراجعت للخلف لتبدي اعتذارها إليه
حقك عليا يا كبير..
واصل زهير تهديده لها وهو يكمل صعوده للأعلى
خشي بيتك واقفلي بابك عليكي أحسنلك.
لم تقل شيئا وانصاعت إليه عائدة إلى داخل بيتها لتقف وراء الباب بعدما أغلقته متسائلة مع نفسها وهي تضع إصبعيها على طرف ذقنها
شكل الموضوع فيه إن ولازما أعرفها!
.
بمجرد أن سمعت الطرقات على الباب أسرعت عيشة تجاهه لتفتحه لتتفاجأ بزوجها ينحيها جانبا حتى يفسح المجال ل زهير ليمر بابنتهما وهو يحملها أرشده إلى مكان غرفتها حتى يتمكن من وضعها على السرير قبل أن يغادر الغرفة تاركا الاثنان معها ما لبث أن انهالت عليه زوجته بأسئلتها المذعورة
إيه اللي حصل يا فهيم البت مالها ومين ده اللي جايبها
رد عليه بصوت لاهث للغاية وهو يشير إليها بيده المرتعشة
هقولك بعدين خليكي بس مع البت دلوقت.
تركها مع حيرتها تأكلها ليتجه إلى الخارج حيث كان لا يزال زهير في انتظاره راقبه في صمت مغلف بالقلق وهو يعدل من طرفي كمي قميصه وكذلك ياقته. تحفز في وقفته عندما وجه إليه أمره المشوب بالتحذير
لما بنتك تفوق تنبه عليها ما تحتكش بحد...
افترت شفتاه عن دهشة مړتعبة فأكمل إنذاره إليه
والأحسن ما تخرجش علشان مصلحتها...
لم يكن بالممازح مطلقا وهو يختتم معه باقي حديثه بجدية أشد وهذه النظرة الغامضة والعاكسة لما هو أخطر مثبتة عليه
ده لو إنت خاېف عليها بجد ..!!!
يتبع 
الفصل الحادي عشر
يا له من تجبر وتبجح لا يمكن تخيله فهو يحدث أمام قسم الشرطة وعلى بعد عدة أمتار من رجال حفظ الأمن والقانون! لقد صدر الأمر الصارم بأخذ ثلاثتهم وكأنه لا يوجد أي قانون رادع يسري عليهم. شهقت دليلة فزعا عندما اقترب منها أصحاب الأجساد الضخمة واحتمت بوالدها الذي ضمھا على الفور تحت ذراعه وألصقها بصدره ليحميها من بطش هؤلاء العتاة وراح يصيح فيهم هادرا
محدش يقرب من بنتي!
تكلم أحدهم من تلقاء نفسه يحذره
يبقى تيجي معانا بالذوق.
رد عليه مكرها
طيب.
كان مرغما على الذهاب بصحبة ابنته إلى الحافلة الصغيرة ليجنبها التعرض للمهانة أو الخطړ. حاول كيشو معالجة الموقف بتوسله غير المجدي
يا ريس عباس إنت فاهم الموضوع غلط دي مكانتش تقصد ولو تعرف إن سنجة تبعكم مكانتش جت واشتكت.
دون أن ينظر إليه خاطبه في استعلاء
مكانتش أول مرة ليها.
استغرب للغاية من جملته الغامضة وسأله
تقصد إيه بالظبط
أخبره على نفس النهج الغريب الباعث على الارتياب
مش أنا اللي بقرر.
سأله بقلب يدق في خوف
يعني إيه
لحظتها استدار برأسه نصف استدارة لينظر إليه قائلا بابتسامة خبيثة
الكلام مع الكوبارة دلوقت.
جحظت عينا كيشو في محجريهما وأخذ يولول في حسرة
يا سنة سودة ومالهاش ملامح!
انقبض قلب فهيم بارتعاب وهو يتساءل بعد سماعه لجملته تلك
هو في إيه
أكد مخاوفه المتزايدة حينما أخبره بتعبير مذعور احتل كافة قسماته
وقعنا في إيد اللي ما بيرحمش حد!
رغما عنه ارتعدت فرائصه ونظر إلى ابنته پخوف متعاظم فما الذي يمكن أن يحدث لهم وتحديدا هي!
......................................
لم تتوقف عن معاودة الاتصال بكليهما وما عزز شعورها بالقلق والتخبط هو تجاهلهما التام لمكالماتها المتتالية. دارت الهواجس في رأس عيشة وأخذت تدور حول نفسها في صالة المنزل وتتجه للشرفة لتلقي نظرة عابرة على الشارع قبل أن تردد مع نفسها بغير صبر
البت ولا أبوها ما بيردوش خالص!
خشيت من تأزم الوضع وتعقده واستمرت في