فوق جبال الهوان


بالثلاثة الدخلاء وقف خلفه وهمس له بكلمات مقتضبة في أذنه
كبيرنا بيقولك اتعامل وهو هيخلص اللي وراه ويجيلك.
اتسعت ابتسامته اللئيمة مرددا وهو يفرك كفيه معا
زي الفل.
قرأ فهيم بحكم خبرته الحياتية الكبيرة ما ارتسم من علامات لا تبشر بخير على وجه ذلك اللئيم فبادر بمحاولة يائسة منه لحل المسألة دون أن تصل للمزيد من التعقيدات
يا أساتذة احنا آ...
قاطعه عباس قبل أن يتم جملته ساخرا منه بطريقة هازئة ومغيظة
أساتذة .. هأو هو إنت فاكرينا في مدرسة يا عم الحاج!
تحرج من طريقة إهانته الواضحة وقال وهو يحاول الحفاظ على ماء وجهه
ما أنا مش عارف أناديكم بإيه.
في شيء من الزهو أخبره وهو يضرب على صدره بتفاخر
أنا الريس عباس وإنت هنا في منطقة الكوبارة.
هز رأسه مرددا
ماشي يا ريس.
من جديد تكلم عباس بملامحه الممتعضة
وشوف بقى علشان ما نضيعش وقتنا...
اتجه بناظريه نحو دليلة وأشار إليها بإصبعه في لهجة مھددة
بتك غلطت ولازما تتحاسب على ده.
غريزيا اندفع فهيم خطوة للأمام ليقف أمام ابنته مشكلا بجسده حائلا بينها وبينه وهو يكلمه في نبرة عقلانية لعله يستوعب سوء الفهم
هي مكانتش تعرف إن الحرامي تبعكم.
لوى ثغره معقبا بنبرة متحاملة ضدها
موضوع سنجة كده كده هيتحل أنا بتكلم على إنها موالسة مع الحكومة علينا.
قطب جبينه مرددا
مش فاهم.
أوضح له مباشرة
بتبلغ عننا أول بأول.
لحظتها فقط خرجت دليلة عن دور المشاهد الصامت المذعور منذ بداية سخونة الأحداث لتقول في نبرة هجومية مدافعة عن نفسها بشجاعة لا تعرف من أين جاءتها
وده حصل امتى وأنا أعرفكم أصلا منين علشان أبلغ عنكم!!
التف والدها برأسه نحوها يحذرها
خلاص يا دليلة اسكتي.
مرة ثانية تكلم عباس موجها حديثه إليها على وجه الخصوص
رجالتنا عرفوكي يا حلوة أول ما ډخلتي القسم برجليكي ما هو اللي زيك بيتعلم عليه على طول.
اضطرت للرد والزود عن نفسها باستبسال غريب
وأنا مالي بيكم
ما لبث أن تحولت ملامحها للضيق الشديد وهي تتم جملتها بنزق
إنتو عاملين الحوار ده أونطة علينا!
وقتئذ غامت تعبيرات وجه كيشو وراح يضع يده على كتف فهيم ليضغط عليه قائلا في نبرة تحذيرية
لم بنتك يا عم فهيم كده هي بتولعها مش بتهديها.
وافقه الرأي في اندفاعها الأهوج وصاح بها يأمرها
اسكتي بقى يا دليلة هو أنا مش مالي عينك
اعتذرت منه في التو مبررة
أسفة يا بابا بس هو بيفتري عليا ظلم.
مرة أخرى تكلم فهيم ساعيا لتلطيف الأجواء
يا ريس عباس أكيد في سوء فهم في الموضوع ده احنا لسه جايين المنطقة قريب مالناش دعوة بحد وفي حالنا.
رد بسخط وعلى سحنته هذه التكشيرة المنزعجة
كل ده ما يخشش دماغي بمليم.
تكلم كيشو من فوره
طب قولنا يا ريس عباس نراضيكم إزاي
من جديد كرر فهيم اعتذاره
أنا محقوقلك يا ريس وشوف الترضية اللي تعجبك وأنا موافق.
أتته الفرصة على طبق من ذهب لفرض سطوته فقال بكلمات لا ترد
بص يا عم الحاج دية الليلة دي كلها علشان تخلص خمسيناية والنهاردة.
تطلع إليه بعدم فهم وكأنه أعطاه قطعة من الأحجية لحلها وليست عبارات واضحة يسهل عليه استيعاب مغزاها فردد بشكل تلقائي كأنما يستعلم عما نما إلى مسامعه
خمسيناية إيه
تولى كيشو دفة الكلام فأخبره مباشرة
خمسين ألف يا عم فهيم!
تدلى فكه للأسفل صائحا في ذهول مستنكر
إيه
كانت دليلة مثله على نفس الدرجة من الاستنكار لكن غيظها من تعنته ومحاولته إذلالهم جعلتها في أوج عصبيتها فلم تتمكن من ضبط انفعالاتها أو السيطرة على شعور الحنق الذي تفشى فيها لتصيح بصوت
مرتفع محتجة على إجحافه البين
ليه إن شاءالله دي بجاحة وسړقة عيني عينك!
بالكاد جاهد عباس لمنع نفسه من التطاول عليها فأطلق تحذيره الأخير لها
لولا إنك حرمة وأبوكي واقف قصادي يتذللي كنت عرفتك مقامك.
استفزتها طريقته فكزت على أسنانها في حنق وهمهمت بزمجرة غاضبة
إنت آ...
في التو تدخل والدها ليمنعها من مواصلة الھجوم اللفظي عليه وافتعال المزيد من المشاكل بتوسله المستتر
بالله عليكي تسكتي.
رأت نظرات الضيق تتجلى في عينيه فقالت ممتثلة لأمره رغم غليل نفسها المحتقنة
حاضر.
كټفت ساعديها أمام صدرها ونظرت إلى أبيها الذي عاد ليتفاوض مع عباس بشيء من الرجاء
يا ابني المبلغ كبير عليا وأنا راجل ظروفي على أدي صعب أدبر حاجة زي كده في وقت ساعته.
في قساوة واضحة أخبره
مالناش فيه.
تدخل كيشو مقترحا بحذر
طب ينفع يا ريس عباس عم فهيم يستسمح الكوبارة يقسطله المبلغ ده بردك راجل كبير وعلى المعاش وفاتح بيت وعنده ولايا.
لئلا يبدو منزوع الرحمة قال على مضض وهو يلوح بكف يده في الهواء
خلاص كلمه وهو صاحب الناهية فيه.
استحسن قبوله بالأمر فيما دمدمت دليلة بغيظ من بين أسنانها وبهمس
حسبي الله ونعم الوكيل.
وجه عباس أمره لأحد أتباعه بعدما فرقع بأصابعه
روح ياض شوف الكوبارة خلص اللي وراه ولا لسه مشغول واديله خبر باللي حاصل.
انصاع له مرددا قبل أن يهرول تجاه المنزل ليلج ويختفي بداخله
أوامرك يا ريسنا.
....................................
انتهى زهير من مراجعة الأعمال العالقة والتي دون ملاحظات عنها في هاتفه المحمول ليدسه في جيبه متطلعا إلى شقيقه الأكبر الذي راح يقول بحبور وهو يرمقه بهذه النظرة المتفاخرة
اتفقنا.
شدد عليه زهير بغير تساهل
ابعت اللي يخلص ويحط عليهم.
ربت كرم على كتف شقيقه متمتما بشيء من التشجيع
زي الفل.
دق التابع الباب مرة ثانية وولج إلى داخل الغرفة هاتفا في صوت لاهث
يا كبيرنا الراجل اللي جاي في حوار سنجة عايز يتكلم معاك.
تساءل كرم مستفهما وقد رفع حاجبه للأعلى
هو مش عباس بيخلص معاه
أخبره بجدية
ما الريس عباس باعتني أبلغك باللي عمله..
ثم سرد له بإيجاز عما جرى وإلزامه بدفع تعويضا ماديا تقدر قيمته بخمسين ألف جنيها فبدا كرم غير معترض على قراره وعقب بتجهم ساخط
ومطلوب مني إيه أديله إعفا من المبلغ
علق التابع بلا نقاش
اللي تؤمر بيه يا كبيرنا هيتنفذ.
في حين تنهد زهير بصوت مسموع نسبيا قبل أن يقترح
شوفه عايز إيه الراجل ده جايز معذور وسهلها عليه طالما جاي ندمان.
لم يرد حديثه وقال بلا ابتسام
ماشي كلامك يا زهير.
تحرك شقيقه الأصغر تجاه باب الغرفة متابعا كلامه إليه بعدما أخرج هاتفه من جيبه
وأنا هكلم رجالتنا تظبط حوارنا التاني.
هتف من ورائه في استحسان
الله ينور عليك...
ليقوم بتوجيه باقي كلامه للتابع في لهجة آمرة
وإنت ياض ناديلي على الراجل ده هنا.
ماشي يا كبيرنا.
قالها التابع مومئا برأسه قبل أن يسرع في خطاه لينفذ أمره الصارم في الحال.
.........................................
بنفس الخطوات الراكضة عاد التابع إلى رب عمله ليخبره بالمستجد فابتسم عباس معقبا وهو يثبت نظرته القوية على فهيم
حظك حلو الكبير بنفسه وافق يقابلك.
هلل كيشو في سرور وكأن الأمل قد عاد ليلوح في الأفق
يا فرج الله!
ثم مال على فهيم ليهمس له في أذنه
أهوو كده في أمل إنك تعرف تدفع المبلغ على أجزاء.
رد عليه بغير تعبير
ربنا ييسر...
سرعان ما أصبحت ملامحه أكثر عبوسا وضيقا وهو يحادث نفسه
كنت ناقص ورطة أكتر من كده.
الټفت محدقا في ابنته وأمرها لتتبعه
تعالي يا دليلة.
قبل أن تتحرك خطوة واحدة من موضع وقوفها اعترض عباس على ذهابها قائلا بنبرة عالية
الكوبارة عايزك لواحدك.
احتج على بقائها بمفردها وسط هؤلاء هاتفا في توجس شديد
بس أنا مش هسيب بنتي.
رفضه يعني إضاعة فرصة
ثمينة للتفاوض وتقليل حجم الخسائر لهذا عمد كيشو لنصحه بطريقة تبدو أقرب للرجاء خاصة مع نظرته المصوبة إليه
أنا معاها يا عم فهيم.
على مضض اضطر أن يقبل واستدار يوصي ابنته
خليكي هنا دليلة وأنا دقايق وراجعلك.
هز رأسه قائلة في طاعة
ماشي يا بابا.
قبل أن ينصرف حذره كيشو بجدية شديدة
خد بالك من كلامك يا عم الحاج معاه.
فهم رسالته المبطنة في تحذيره وردد بتضرع وخفوت
ربنا يستر.
لينصرف بعدها صاعدا الدرجات الرخامية ومن أمامه أحد أتباع عباس ليرشده إلى مكان اللقاء بزعيمهم.
..............................
كان من الصعب عليها فهم طبيعة الحياة في هذا المكان المليء بكل ما يحفز النفس البشرية على تقبل الشرور برحابة صدر وكأنها حقيقة مفروغ منها. بالكاد ضبطت أعصابها ولاذت بالصمت وهي تسمع التلميحات المستفزة لها إلى أن فرغ صبرها مع كلام عباس الأخير الموجه إليها تحديدا
اللي حصل النهاردة ده قرصة ودن ليكي علشان ما تحشريش مناخيرك في اللي مالكيش فيه.
دمدمت في حنق وقد ساد على تقاسيمها تجهما عظيما
والله العظيم احنا في زمن العجب بقى المجرمين والبلطجية ليهم عين وبيتكلموا!
لم يستطع تبين ما تهمهم به فواصل استفزازها بطريقته السمجة
احمدي ربنا إن الكبير دخل في الحوار وإلا كان زمانك متعلقة مع أبوكي.
في تلك الأثناء خرج زهير من داخل المنزل ليتطلع إلى عباس أولا ثم وقعت عيناه على تلك الشابة في التو عرفها إنها نفس الفتاة الباحثة عن المتاعب تعقدت تعبيرات وجهه وظهرت حيرة لحظية على ملامحه أيعقل أن تكون هي المتورطة في مسألة إبلاغ الشرطة عن مشاحنتهم السابقة لم يحتج للتخمين كان الأمر جليا ومحسوما خاصة مع مرور والدها بجواره برأس مطأطأ وخطوات بطيئة تدل على العجز وقلة الحيلة. انتبه إلى صوتها الثائر وهي تتواجه مع عباس بلا خوف
ده على اعتبار إن اللي بتعملوه ده حلال!!
اغتاظ عباس من عدم مبالاتها بشأن تهديداته وتحفز في وقفته صائحا بحدة
بتبرطمي تقولي إيه
تقدم زهير ببطء ليتابع باهتمام ما يدور بينهما من سجال محتدم حيث ناطحته دليلة الند بالند دون أن تكترث مجددا لتبعات اندفاعها الطائش
بقول العيشة اللي إنتو فيها دي من مال الغلابة.
ارتفعت نبرته فبدت أقرب للزئير وهو يهتف مستهجنا وصفها
نعم يا ختي
وكأنها تناولت حبوب الشجاعة فأكدت له بلا خوف
أيوه زي ما سمعت الحوار اللي عامله مع كبيرك علينا ده بس علشان تستبيحوا فلوس الناس الغلابة وتلهفوها بأي حجة وده لأن مافيش حد قادر يقف قصادكم.
ليبدو جادا في تهديده المزعوم إليها أخرج عباس زجاجة صغيرة من جيبه ونزع غطائها المعدني في عصبية وهو يتوعدها
الظاهر إنك عايزة يتعلم عليكي بجد.
كانت مجرد زجاجة دواء لمعالجة تقلصات المعدة لكونه يعاني مؤخرا من صعوبات في الهضم ابتاعها في طريقه إلى هنا من الصيدلية أو الأحرى أن يقال أنه أخذها بلا مقابل هداه عقله لاستخدامها كوسيلة لإرعابها وتهذيبها فقڈف ما بها في وجهها مرددا
وأنا معنديش مانع.
صړخت من هول المفاجأة وظنت أنه قڈف بسائل
مادة ما في وجهها ليلهب بشرتها ويشوهها فاستدارت بكامل جسدها بعدما غطت وجهها بيديها للجانب لتصطدم بحائط بشړي لم تتوقع تواجده ورائها.
ضړبت دليلة برأسها صدر زهير لتتفاجأ به يحاوطها بذراعيه وكأنه يضمها إلى أحضانه فرفعت عيناها پذعر إليه بعدما شعرت بلمسة يده على ظهرها حملقت فيه بعينين متسعتين فناظرها عن قرب خطېر وهو يستعتبها مبتسما بعبثية
مش تلمي لسانك أحسن
استشعرت الټهديد من طريقته الملبكة للأبدان وما زادها إحساسا بالحنق منه هو تجرؤه على وضع يده عليها وكأن هناك ما يربطهما معا انتفضت مبتعدة عنه ورفعت
يدها في الهواء لتهوى بها على صدغه لټصفعه بقسۏة وهي تنعته في انفعال وثورة
ما تلمسنيش يا حيوان!
اڼصدم الجميع بردة فعلها القوية فكان عباس أول