فوق جبال الهوان


الصرف العطن الذي يغرق الشارع الضيق منذ بدايته. كما قامت برفع طرف ثوبها لئلا يتسخ أو يبتل لتتساءل عيشة في ضيق 
هو البيت مكانه فين
أجابها السمسار كيشو مبتسما بسماجة 
على الناصية يا حاجة.
لم تستطع عيشة منع نفسها من إظهار نقمها على سوء اختياره خاصة مع رؤيتها لمدى تدني مستوى المعيشة بالمنطقة 
ملاقتش أبعد من كده يا فهيم علشان نسكن
لحظتها استدار زوجها ناظرا إليها بعتاب وهمهم في صوت خفيض 
مش قصاد الراجل.
كان السمسار قد سبقهم في خطاه فوصل إلى منتصف المسافة وأشار بيده نحو أحد الأبنية القديمة قائلا 
وربنا الحتة هناك هواها يرد الروح دي بحري في الصيف طراوة والشتا مقولكش.
حاول فهيم مجاراته في خطواته السريعة ليصغي إليه بتركيز وهو يعطيه معلومة هامة 
وفرن العيش بعدها بعمارتين.
استحسن ذلك معقبا 
كويس.
انتفضت عيشة وابنتها معا حينما صدح فجأة أصوات صرخات ملتاعة فزعة من مكان قريب توحي بأن کاړثة مفجعة قد وقعت للتو فتساءلت بعفوية 
إيه الصويت ده
استطاع كيشو تحديد مصدر الصوت وقال في لهجة محذرة وقد انقلبت سحنته 
مالناش دعوة وخصوصا جماعة الست توحيدة دي مسنودة والزعل معاها وحش.
في لمحة من السخرية تساءلت دليلة وهي غير قادرة على منع نفسها من الابتسام 
مين دي كمان زعيمة ولا إيه
سمعتها والدتها فوكزتها في ذراعها تنذرها 
بطلي تريقة يا دليلة إنتي مش سامعة الراجل بيقول إيه ما هو ده اللي ناقص نشبك مع الأشكال اللي هنا!!
بعد بضعة دقائق وصلوا جميعا إلى مدخل العمارة لم يكن في أحسن صوره ولا مشجعا على تقبله فتشققات الطلاء ظاهرة بجانب الصدوع الممتدة بطول الحائط ورشح المياه ناهيك عن الرائحة الغريبة المنبعثة من طفح مجاري الصرف الصحي الموجودة بالمنور الخلفي. سدت
دليلة أنفها بطرف حجابها وتبعت أمها في خطاها الصاعدة على الدرج لتستوقفهم إحدى الجارات الفضوليات متسائلة بتطفل شبه فظ 
مين دول يا كيشو طالعين عند مين هنا
أجابها بلا ابتسام 
جيرانكم الجداد اللي ساكنين في الدور الأخير.
وكأنهم وضعوا تحت عدسة المجهر مررت الجارة نظراتها المدققة عليهم قبل أن تهتف في ودية عجيبة 
يا مراحب منورين الحتة إن شاء الله تكون بالخير عليكم.
ترفعت عيشة عن الرد عليها بينما تولى فهيم دفة الكلام مجاملا 
تشكري يا حاجة.
وفجأة راحت الجارة تنادي على معارفها لتطلعهم على ما اعتبرته بالأخبار العاجلة لتعلق دليلة هازئة مما يحدث معهم 
الظاهر هنا محدش يعرف حاجة عن مفهوم الخصوصية.
مجددا راحت والدتها تحذرها بنفاد صبر 
خلينا في حالنا.
أكملوا صعودهم إلى الطابق الأخير ومن ورائهم كانت الأبواب تفتح لرؤيتهم بشكل أوضح بعدما انتشر خبر وصولهم كسرعة البرق.
الترقية التي حصل عليها مؤخرا في عمله جعلته يتولى إدارة فرع هذا البنك الاستثماري كنائب عن المدير في حالة غيابه مما أكسبه سمة العجرفة والاستعلاء على الغير خاصة هؤلاء الذين يعرفون أصله وكيف بدأ بموظف بسيط بعقد مؤقت في بنك لا يسمع عنه أحد فظل يتمسح لهذا وذاك إلى أن واتته فرصة حقيقية وانتقل عبر وساطة أحدهم إلى بنك آخر ذائع الصيت فسهل عليه إظهار مهاراته في الإدارة وتولي الأعمال.
نثر راغب عطره باهظ الثمن بإفراط على قميصه السماوي قبل أن يفرقع بإصبعيه لزوجته لتحضر له سترته الكحلية ساعدته على ارتدائها ثم استخدمت فرشاة الملابس لتمسح عليها ببطء حتى تزيح قشرة الشعر وأي أشياء صغيرة قد تفسد مظهره الأنيق. ابتسمت إيمان لوجاهته وقالت في شيء من العتاب 
مش كان واجب علينا روحنا مع ماما وبابا وأختي نطمن عليهم في بيتهم الجديد.
نظر لها من طرف عينه قبل أن يرد متهكما 
هما المكان اللي سكنوا فيه ينفع أصلا يتراحله
وجمت ملامحها في إحباط فتابع على نفس النهج الوقح 
دول ساكنين مع المجرمين وسط النور والهليبة.
ابتلعت بصعوبة ريقها وردت مبررة اضطرارها للانتقال إلى هناك 
ما إنت عارف إنه وضع مؤقت.
وكأنه يحملها اللوم في أمر ليس لها أي يد فيه فسألها 
وأبوكي ما خدش شقة بالإيجار ليه في مكان أحسن لازم يعني يعمل فيها صاحب أملاك!!
تعللت له بأسباب بدت من وجهة نظرها منطقية 
إنت عارف إنه ما بيحبش يسكن عند حد وبعدين المكان مش وحش للدرجادي هو إكمنه متطرف شوية فطالع عليه السمعة دي.
استخدم يده للتطاول عليها ولكزها في جبينها مستهترا بما فاهت قبل أن يخرج من غرفة نومهما 
إنتي مش عايشة معانا ولا إيه
تأوهت من وكزته القاسېة وسارت خلفه لتتبعه مواصلة الدفاع عن عائلتها 
وبعدين ما تنساش بابا وقف جمبنا وساعدنا إننا ننقل هنا ولولاه كنا زمانا لسه في سكن الموظفين.
وكأنها مست كرامته وجرحتها بهذه الحقيقة فتوقف عن السير ليلتفت تجاهها هاتفا في حقد 
وأظن إن اللي استلفته منه سددته كله على داير المليم بس هو اللي ضيعه في توضيبات مالهاش لازمة على أساس لما يجي لأختك عريس يلاقي بيتكم زي القصر.
استشعرت إيمان أن زوجها يفتش بطريقته الحانقة تلك عن أسباب للجدال وإثارة الخلاف بينهما فوأدت المشاجرة في مهدها قبل أن تنشب بقولها الحاسم 
راغب هي الحكاية مش مستاهلة نتخانق.
كان مثلها لا يريد تعكير صفوه بالحديث عن ذكريات الماضي فتجاوز مشادتهما الوشيكة بإعلامها 
أنا احتمال اتأخر عندنا مراجعة وتقفيل ميزانيات.
ضبطت رابطة عنقه وتبسمت في وجهه قائلة بتدلل خفيف 
براحتك يا
حبيبي هستناك علشان ناكل سوا.
بلا ابتسام قال وهو يبتعد عنها متجها نحو باب المنزل 
طيب.
شيعته بناظريها وهي لا تزال محافظة على ابتسامتها اللطيفة الودودة إلى أن صفق الباب پعنف طفيف وقتئذ تلاشت بسمتها واحتل التجهم تقاسيمها لتلومه في استعتاب حزين 
ليه المعاملة دي يا راغب أومال لو مكانش أهلي بيحبوك وعملوا كل حاجة ترضيك علشان تكون إنت مرتاح ومبسوط!
ظلت مطرقة الرأس لبعض الوقت وهي تقاوم غزو دموعها لحدقتيها اضطرت أن تسحب نفسا عميقا لتثبط به ما غص من مشاعر مخټنقة تجعلها دوما في صراع ما بين إرضائه وإسعاد أسرتها.
في دوائر صغيرة راح السمسار يلتف في أرجاء الصالة بعدما انتهى من إجراء التعديلات المطلوبة لجعل المكان يبدو أفضل إلى حد ما وفرشها بالأثاث الذي لم يكن مماثلا لما امتلكوا في وقت سابق ثم قام بفتح كافة النوافذ وشرح مزايا السكن هنا لهم ليستدير مخاطبا فهيم بحماس متقد 
مافيش بعد كده يا حاج كل اللي طلبته اتعمل.
رد في امتنان مقتضب 
تسلم.
تفقدت دليلة محيط المنزل عبر نوافذه في تعجل وعادت إلى والدتها لتميل عليها هامسة في تذمر 
هو احنا هنقعد إزاي هنا ده البيوت كلها بتطل على بعض!
تحركت عيشة من موضع وقوفها لتنظر بتدقيق إلى موقع المنزل في هذه المنطقة المتواضعة وابنتها من ورائها تعقب في نفس النبرة المنزعجة 
مافيش إلا الصالة اللي يدوب جايبة الشارع.
ڼهرتها أمها من جديد في استياء معكوس عليها 
خلاص بقى يا دليلة أنا على أخري ومش قادرة أستحمل يدوب متلصمة.
استغلت حالتها تلك لتطلب منها بإلحاح 
طب ما تقنعي بابا نغير المكان واحنا لسه فيها.
زفرت عاليا وحدجتها بهذه النظرة المحذرة قبل أن تنطق بصبر قد نفد تقريبا 
اللي قولته هنعيده تاني لما الظروف تسمح.
وقف فهيم أمام النافذة وتطلع إلى الطريق بتركيز فأخذ كيشو يشرح له مستخدما يده في الإشارة 
من الشارع ده تقدر تمشي لآخره لحد ما توصل قسم الشرطة والله يبعد سيرتهم عننا ومن الناحية التانية لو مشيت طوالي هتوصل للتبة ودي حتة ربنا يكفينا شړ الناس اللي فيها.
سمعت كلتاهما من الخلفية وصفه للطريق فعلقت دليلة ساخرة 
كلامه يطمن أوي.
تساءلت عيشة وهي تستدير بجسدها لتسير نحو ردهة صغيرة 
على كده شكل الحمام إيه!
سبقها كيشو في خطواته وقال بتفاخر 
دي حاجة أبهة!
قام بفتح الباب الخشبي للحمام وولج إلى داخلها مشيرا بيده وفي نفس الوقت مخاطبا فهيم 
غيرت الإشاني يا حاج والقاعدة أفرنجي أهي بدش خارجي مش بلدي زي ما كنت مفكر.
ألقى الأخير نظرة على مقعد المرحاض الأبيض بالفعل كان قد تم تغييره إلى آخر جديد بجانب الحوض وكذلك المغطس والبلاط الذي كان مزيجا من اللونين اللبني والأبيض. استحسن صنيعه مرددا بابتسامة باهتة رغم عدم اقتناعه بذوقه العجيب في اختيار مثل هذه الألوان 
كويس.
سمع جميعهم صوتا يصدر عن مقعد المرحاض فبدا وكأن شيء ما يخمش سطحه الداخلي. رفع كيشو الغطاء فتفاجأ بوجود فأر صغير يقفز بداخله في التو أعاد وضع الغطاء البلاستيكي ريثما يبحث عن شيء يساعده على التخلص منه بينما صړخت دليلة في فزع وهي تشير بإصبعها تجاهه 
ماما الحقي فار!
ذعرت والدتها هي الأخرى وتراجعت للخلف لتقف عند عتبته بينما تمكن السمسار من استخدام عصا الممسحة في القضاء على ذلك المتسلل القميء ثم أمسك به من ذيله فانكمشت دليلة على نفسها ليقوم بإلقائه من النافذة الصغيرة مرددا في زهو 
جبت خبره.
تساءل فهيم في دهشة 
إزاي طلع من القاعدة
كده
جاء رد كيشو عاديا 
تلاقيه مشى في المواسير.
من الخلف هتفت دليلة متسائلة وعلى وجهها علامات الذهول والتأفف 
عملها إزاي!
أجاب عليها والدها بتبرم 
ابقي اسأليه أنا اللي هعرف.
هذه المرة وجهت سؤالها للسمسار فحادثته بتعبير مشمئز 
على كده الحتة مليانة من الكائنات دي
كعادته أتى رده واضحا للغاية 
متعديش بس حلها سهل مصيدة وحتة جبنة وهتجيبي أبوهم مش قصة هي.
اقشعرت شعيرات جلدها فعقبت في سخرية مغلفة بالخۏف 
أنا أخاف يطلعلي تعبان وأنا جوا.
تصنع كيشو الضحك قبل أن يخاطبها 
مش للدرجادي بكرة تتعودوا...
ثم اتجه ناحية فهيم ليناوله مفتاح المنزل قائلا 
المفتاح أهو يا حاج وربنا يجعلها قدم السعد عليكم.
أخذه منه وسار معه نحو الصالة هاتفا في شيء من التقدير 
تعبتك معايا يا كيشو.
رد عليه مجاملا 
متقولش كده يا حاج...
ناوله فهيم مظروفا مطويا وضع بداخله العمولة المتفق عليها مسبقا فمد يده ليأخذها في سرور وشكره 
يدوم يا رب..
ثم وضع المغلف في جيبه بعدما تفقده بنظرة سريعة ليتابع كلامه إليه 
لو احتجت حاجة أنا في الخدمة.
هز رأسه مرددا 
أكيد طبعا.
أوصله إلى خارج المنزل وبقيا على البسطة يتحدثان للحظات بينما قامت عيشة بإلقاء نظرة أخرى مدققة لمحيط بيتها وهي تتمتم برجاء 
ربنا يعدي اللي جاي على خير!!!!!!
يتبع الفصل الثاني
الفصل الثاني
انفطر قلبها منذ اللحظة التي حرمت فيها من وجود رضيعها إلى جوارها قبل حتى أن ټشتم رائحته كان ذلك أقسى ما استطاعت اختباره في هذه الدنيا المجحفة فمنذ أن رمتها الحياة إلى هذا المنزل المملوء بكل مساوئ البشر تحملت كل شيء وصبرت على ما لا يمكن لفرد سوي احتماله لعل وعسى يأتي من ينتشلها من هنا ومع ذلك ظلت قابعة في الوحل هذا ېهينها وهذا يدللها وهذا يصب عليها جام غضبه سكتت وتقبلت الهوان على نفسها إلى أن علمت بمسألة حملها شعرت آنذاك بأن هناك بارقة من الأمل ستكون لها عائلة وإن كانت مكونة منهما فقط.
لكن ربة المنزل وصاحبته اللئيمة رفضت إكمال هذا
الأمر بشدة وسعت لإجهاضها والتخلص من البذرة القابعة في رحمها تارة بالضړب المپرح وتارة أخرى بالأدوية المسببة لإسقاطها إلا أن جنينها أظهر تشبثه أكثر بالحياة فتخلت توحيدة عن مسألة حرمانها منه وقتها