فوق جبال الهوان


الفارغة لتضعها في حوض المطبخ ثم خرجت إلى الصالة ومنها إلى الشرفة لتلقي نظرة عابرة على العالم الخارجي. وقعت عيناها مصادفة على مجموعة من ذوي الوجوه المميزة تلك التي تنتمي لفئة الخارجين عن القانون فقد رأت أشباههم حينما كانت في التبة العالية .. للغرابة كانوا مرابضين في مواجهة شرفتها وكأنهم تعمدوا الجلوس في هذه الوضعية لمراقبة مكانها نفرت منهم بشكل لا إرادي وعاودت أدراجها للداخل وهي تتمتم بضيق
أعوذ بالله أشكال ضالة على الصبح.
اندهشت أمها من حالة العبوس التي كانت عليها وسألتها باهتمام
في حاجة يا دليلة
أخبرتها وهي تشير بيدها نحو الشرفة
جيت أبص من البلكونة شوية لاقيت ناس أعدة في وشنا شكلها صعب.
أسرعت ناحيتها لتغلق نافذتي شباكها الخشبي قائلة بتبرم
اقفليها احنا مش ناقصين مشاكل تانية مع حد.
اكتفت بهز رأسها كتعبير عن قبولها بأمرها فلم ترغب في إثارة المزيد من البلبلة دون داع. تحولت أنظارهما معا نحو الباب عندما سمعتا قرع الجرس فتساءلت عيشة بشكل آلي
مين ده اللي جاي على الصبح
أشارت لابنتها بالتوقف حينما همت بالتحرك ناحيته لفتحه واتجهت بدلا منها إليه لتتفاجأ بجارتها السمجة عند عتبته وهذه الابتسامة السخيفة تملأ كامل وجهها رددت بشفاه مقلوبة وكأنها بطريقة غير مباشرة تشعرها بعدم ترحيبها بزيارتها الثقيلة
ست إعتدال!
كعادتها اقټحمت المكان دون استئذان وقالت وهي تفتعل الضحك
وربنا أنا المفروض أزعل منك ليل نهار تلاقيني عندك ومافيش مرة كده تفوتي عليا ليا لي حق أزعل ولا لأ
بررت بسحنة منقلبة
معلش مشاغل البيت وطلبات الحاج مخلياني مش فايقة لحاجة.
علقت عليها وهي تطوف ببصرها على الصالة
عموما أنا قلبي أبيض وبسامح على طول....
سرعان ما جمدت ناظريها على دليلة لتهتف في حماس مريب
الله ده ست البنات أهي فاقت وراقت!
لم تكن عيشة بحاجة لتخمين سبب الزيارة تلك المرة فطريقتها المستهلكة في تقصي الأخبار جعلتها مكشوفة للغاية وتأكدت من صدق تخمينها عندما استطردت إعتدال موجهة حديثها إلى ابنتها تحديدا في خبث
المرة اللي فاتت خاضتنا عليها لما كانت راجعة غميانة مع سي زهير.
ما لبث أن غامت ملامح الأخيرة ضيقا وتجهما فهي بالكاد تحاول تجاوز ما مرت به لتأتي تلك المرأة اللزجة وتذكرها بما لا تحبذ معايشته في التو تدخلت أمها لتأمرها بنظرة صارمة وهذا التعبير الجاد يحتل كامل وجهها
قومي يا دليلة علقي على الشاي لطنطك إعتدال.
سألتها الأخيرة في استعتاب سخيف
وهو أنا ضيفة
ردت عليها بفم ملتو
لأ إزاي ما يصحش يالا بسرعة يا دليلة.
وكأن في أمرها نجدة من السماء هربت في التو من الصالة وهي تردد
حاضر يا ماما.
مثل العادة افترشت إعتدال الأريكة بأريحية تامة وتساءلت بلا مقدمات استهلالية وتلك النظرة الماكرة تصدح في حدقتيها
ما قولتليش صحيح إيه لم الشامي على المغربي
تعاملت معها بنفس أسلوبها اللئيم وسألتها
قصدك إيه
جاء ردها مباشرا
سي زهير على بنتك.
فهمت ما ترمي إليه وأخبرتها بحزم
مافيش حاجة من اللي في دماغك يا ست إعتدال...
ومع ذلك نظرت إعتدال لها بتشكك فاضطرت للكذب عليها وتلفيق حكاية وهمية لإقناعها لهذا استرسلت في هدوء محاولة ترتيب أفكارها في رأسها لتخرج منطقية
دي كانت صدفة البت تعبت ووقعت من طولها وهو كان موجود فعرض على أبوها يساعده ويجيبها على هنا وشكرناه واتقفل الموضوع.
زمت شفتيها مرددة بغير تصديق
والله!
قالت بثبات
أيوه واحنا ناس في حالنا مالناش دعوة بحد.
ردت بفتور حيث بدا ما ألقته على مسامعها غير مقنع بالمرة
كويس.
صاحت بعدها عيشة منادية في رنة صوت شبه منزعجة
الشاي
يا دليلة لأحسن طنطك إعتدال مشغولة ومش فاضية!
برغم تلميحها المفهوم بعدم ترحيبها لها إلا أنها تجاهلته عن عمد ما فاهت به وظلت ماكثة من أجل إشباع فضولها بتتبع أخبار هذه العائلة وعن كثب!
............................................
بمجرد أن انقضت الإجراءات الخاصة بخروجه من قسم الشرطة والتي استطالت لبضعة أيام للتأكد من عدم تورطه في جرائم أخرى انطلق سنجة عائدا إلى التبة العالية لتقديم فروض الولاء والطاعة لمن يملكون زمام أمره. جثا على إحدى ركبتيه وطأطأ رأسه وهو يمد يده ليمسك بكف كرم مرددا في امتنان عظيم أمام كافة الحاضرين
إيدك أبوسها يا كوبارتنا...
تركه يفعل ذلك بغير ممانعة ليتابع كلامه إليه بتذلل
لولاك كان زماني عفنت في الحبس.
استطرد عباس معلقا في سخافة
مش كل مرة تسلم الجرة يا غشيم.
نهض من رقوده ليقول بعد نحنحة سريعة
صح كلامك يا ريس عباس.
أشاح كرم بيده في وجهه يأمره بصبر قليل
روح شوف مصالحك مش ناقصين خوتة.
في التو أطاعه
اللي تؤمر بيه.
في حين أشار إليه عباس وهو يوجه إليه أمره ليتبعه
تعالى معايا يا واد عايزك في مصلحة.
حك سنجة مؤخرة عنقه وهو يرد
ماشي يا ريس.
انتظر كرم مغادرتهما وانفضاض الجمع ليتمشى مع شقيقه الأصغر في الباحة وسأله مباشرة وهو يتفرس في وجهه
في جديد في حوار البت إياها
توقف زهير عن السير وطالعه بهذه النظرة الغامضة فما كان من شقيقه الأكبر إلا أن سأله في نبرة لا تبشر بخير
ولا شكلك طنشت
بلا ابتسام أخبره
متقلقش عندنا حاجات أهم منها دلوقت بس هي في دماغي!
جملته كانت موحية للغاية تحمل الكثير من المعاني المبطنة ورغم هذا لم يقف كرم عندها كثيرا وخاطبه في لهجة جادة مشوبة بقدر من الټهديد
وماله خليني معاك للآخر علشان محدش يزعل في الآخر!
لم يعقب عليه وتركه يفرغ ما في جعبته من عبارات منزعجة لينتقل إلى الحديث عن أعمالهما الخاصة بالرغم من انشغاله بالتفكير في بعض الأحيان حينما يختلي بنفسه في شأن تلك الشابة العصية خاصة بعدما بلغه بامتناعها كليا عن النزول وعدم رؤيتها في الشارع منذ المرة الأخيرة التي أحضرها إلى منزلها وهذا ما جعل فضوله يزداد أكثر حولها.
........................................
بدت على تعابير وجهه أمارات الاستياء والانزعاج خاصة وهو يسعى بكل جهده لإصلاح ما فسد في دراجته الڼارية. حدق حمص في رفيقه متسائلا باهتمام
مالها الماكنة لابخ نفسك بيها ليه من الصبح
أجابه شيكاغو بتذمر
المرايات اتكسرت...
نظر له مصډوما فأكملت توضيحه باستياء عارم
عيل دغوف دخل فيا بالتوك توك بتاعه!
سأله حمص مهتما وهو يدور ببصره على بدنها المعدني
طب وإنت سبته
التوى ثغره بابتسامة متشفية وهو يخبره بعدما غمز بطرف عينه
عيب عليك خدت حقي تالت ومتلت.
في شيء من الفضول تساءل حمص وهو يفحص موضع المرآة المهشمة
وهتتصرف إزاي هتشتري مرايات غيرها
قال بعبوس قد ساد تقاسيمه من جديد
وأنا بتاع شړا برضوه
قطب جبينه متسائلا
أومال
أخبره في ثقة
بسيطة نشوفلنا أي عربية نهبأ عليها وناخد منها المرايات.
استحسن فكرته الجهنمية مرددا
زي الفل.
لم ينتظر كثيرا وشرع في تنفيذ ما هداه إليه تفكيره الشيطاني فأخذ يجول بعينيه الثاقبتين على السيارات المصفوفة على جانبي الطريق على ما يبدو وجد واحدة مناسبة فطوح بيده لرفيقه يأمره
أمن المكان لحد ما أقلب العربية دي.
رد عليه حمص بإذعان
ماشي الكلام.
انطلق شيكاغو ناحية هدفه وتلفت حوله بنظرات سريعة دقيقة ليقوم بعدها بانتزاع إحدى المرايا الجانبية لهذه السيارة الحديثة لكنها تهشمت أثناء محاولته لفكها فتركها أرضا ثم دار حول السيارة واستل الأخرى بحذر قبل أن يفر من المكان ليعيد تركيبها في موضعها المخصص بدراجته الڼارية. 
عاونه حمص على تثبيتها واستطرد يعلمه
صحيح الريس عباس عايزنا
نرقد عند بيت حد.
دون أن ينظر تجاهه تساءل وهو يمسح بخرقة قديمة على المرآة لتبدو لامعة وبراقة
ليه
أجابه وهو يمرر يده على رأسه 
معرفش لسه بس دي الأوامر.
لم يبد ممانعا على الإطلاق من تنفيذ ما لا يفهم وقال وهو لا يزال يتفحص دراجته
نخلص ونطلع على هناك.
لم يضف المزيد وتعاون معه للتأكد من سلامة وسيلة انتقالهما قبل التحرك نحو وجهتهما الجديدة. 
.........................................
إنت بتقول إيه
نطق بهذه العبارة في صوت أقرب للصړاخ المستهجن بعدما وصلته الأخبار بالتفصيل عن استعانة شريكه فهيم بأتباع الهجام لتهديده وذلك بوساطة سمسار المنطقة كيشو ليزداد ثورة وڠضبا من ازدرائه وتحقيره علنا. أكد عليه تابعه بملامحه الغائمة
زي ما سمعت يا حاج درويش.
ضړب بعكازه في عصبية على الأرضية الصلبة لمخبزه وهدر في توعد
ده نهاره أسود ومهبب!
تساءل تابعه في اهتمام
هنتصرف إزاي
جاء رده حاسما
أنا هكلم العترة ولازما أخد حقي منه!
لم يجادله مطلقا بل أبدى استعداده التام لخوض كافة معاركه ضد الطرف الآخر
واحنا جاهزين بالرجالة يا حاج.
كز درويش على أسنانه في غيظ وهسهس من بينهم في وعيد شديد وشرارات الڠضب تنتفض في عينيه الحمراوين
ماشي يا فهيم الكلب إن ما ربيتك وعرفتك مين هو الحاج درويش ..!!!
يتبع
الفصل الثالث عشر الجزء الثاني
منذ أن أصبحت مهمشة في بيتها وأحوالها قد تبدلت فارتدت الثياب السوداء ومسحت الزينة عن وجهها وجلست على الأريكة تنوح وتندب حظها وهي تعقد حول رأسها عصابة من اللون الأسود وكأنها فقدت عزيزا تبكي فراقه.
تحسرت خضرة على حال ربة عملها فقد نهش الحزن والقهر في معالم وجهها وجعلها تبدو أكبر عمرا بعدما كانت تفيض بالحيوية والدلال. حاولت جاهدة تخفيف وطأة الأمر عليها بمواساتها إلا أنها ظلت أسيرة همومها فليس من السهل
عليها تهميشها بعدما كانت الآمر الناهي والأسوأ من ذلك الإتيان بأخرى وضيعة تستحقرها لتشاركها في زوجها.
أعدت تابعتها المخلصة كوبا من عصير الليمون الطازج أسندته على الطاولة أمام توحيدة وجلست عند قدميها تسألها في اهتمام مشوب بالضيق
هتفضلي لابسة أسود كتير كده يا أبلتي
لم تجب عليها فاستمرت تقول في امتعاض
ده حتى وحش عليكي.
حررت توحيدة زفيرا ثقيلا من صدرها وأخبرتها بوجوم تعيس
ومين يجيله نفس لحاجة بعد اللي حصل!
هنا انتصبت بكتفيها وأخبرتها في نبرة ماكرة لتستحثها على الخروج من قوقعتها المهلكة
ما تشمتيش فيكي الأعادي ده إنتي ست الكل ومهما حصل مافيش ولا واحدة تقدر على الست توحيدة.
آنئذ تطلعت إليها بغرابة فتيقنت أن كلامها المحفز قد بدأ يؤثر فيها لهذا واصلت على نفس المنوال
وبعدين وزة مين وبطة مين اللي هتيجي تركب وتدلدل هنا!!
قطبت جبينها وضيقت ما بين حاجبيها بشيء من الاهتمام لتضيف خضرة بنفس الوتيرة المحفزة
ده هي ماتجيش مداس في رجلك.
تبدلت تعبيراتها من التعاسة إلى الجدية خاصة وتابعتها تخبرها في لؤم
وفرصتك جتلك لحد عندك تربيها بطريقتك...
تعمدت خفض نبرتها عندما أتمت باقي جملتها الخطېرة
أو حتى تخلصي منها!
لحظتها فقط اعتدلت توحيدة في جلستها على الأريكة ونزعت منديل الرأس الكئيب عن شعرها لتقول بتحمس
إنتي بتتكلمي صح يا خضرة.
ابتهجت أساريرها لأنها نجحت في إخراجها من دوامة الحزن التي حبست نفسها داخلها واستطردت تقول المزيد وقد هبت واقفة
ده أنا لحم كتافي من خيرك يا أبلتي.
نهضت توحيدة بدورها وقالت بعزم ونظرتها الغامضة راحت تشرد في الفراغ أمامها
أنا لازما أفرسها وأكيدها وبعد كده أزحها من طريقي.
فركت خضرة كفيها معا في حماس وأخذت تردد بتحفيز
هو ده الكلام.
حلت توحيدة أزرار عباءتها الداكنة تلك التي تلفحت بها على مدار الأيام السابقة وهتفت تأمر تابعتها
روحي عندي الأوضة وطلعيلي من الدولاب الحتة المدندشة.
انتفضت بنشاط مهرولة تجاه الغرفة وهي تهتف
عينيا يا ست الناس كلها.
أزاحت الأخيرة العباءة عن جسدها وأسقطتها أرضا لتخاطب نفسها في عزم وقد باتت ملامحها