فوق جبال الهوان


تنكر إنها تعرفه وتقول اتلخبطت ويا رب تخلص على كده 
قال كلماته الأخيرة وهو يرمق دليلة بنظرة لائمة ليحيد ببصره عنها عندما سأله فهيم في توتر
ليه هو ممكن يحصل مشاكل أكتر من كده
أجابه بتعبير واجم
ده
أقل حاجة ممكن يعملوها معاك إنهم يطلبوا منك دية ولا تعويض! ده إن مكانش يسلطوا حد عليها يضايقها ولا تتعرضلها مجموعة نسوان تشتبك معاها 
أصابه الفزع تماما وهتف مستنكرا بشدة ما لا يخطر على البال
كمان!!
أكد له بنفس التعبير الغائم
أومال مفكر إيه هما ناس خطرين والتعامل معاهم بحساب وبنتك راحت لعش الدبابير بنفسها 
لاذت دليلة بالصمت مجبرة فكلامها لن يزيد الأمر إلا سوءا آه لو كانت تعلم بتبعات خطوتها تلك لما فكرت أبدا في التورط مع هؤلاء الأشرار واكتفت بالتحسر على ما تم خسارته ماديا! 
دافع فهيم عما اعتبرها رعونة واندفاع من ابنته عديمة الخبرة
مكانتش تعرف هي اتصرفت من دماغها 
زفر بثقل قبل أن يدمدم
يا ريت يفهموا كده 
أشار له ليتحرك تجاه قسم الشرطة فتبعه فهيم في خطاه مرددا بتضرع ورجاء
استرها علينا يا رب
پخوف غريزي تعلقت دليلة في ذراع أبيها وكأنها تبحث عن الملجأ والأمان في وجوده بقربها فحاول بث هذا الشعور المفقود إليها رغم دفقات الخۏف والذعر التي تعتريه الآن 
بناء على أوامره الشخصية والمشددة طلب كرم منه الانتظار خارج قسم الشرطة لإحضار تلك التي تسببت في الإبلاغ عن مشاجرتهم قبل سابق فور أن تخرج منه ليتم التعامل معها وفق قانون عائلة الهجام لذلك انتظر عباس مستندا بظهره على سيارته المصفوفة على مسافة قريبة من بوابة القسم وبصحبته عددا من أتباعه الجالسين بداخل هذه الحافلة الصغيرة 
لمحه كيشو حينما خرج من الداخل فتجمد في موضعه مصعوقا فوجوده بنفسه هنا يعني أن الموقف لا يزال متأزما لذا بشكل تلقائي الټفت برأسه ناظرا إلى فهيم ليخاطبه
شكل الحوار مش هيخلص 
سأله بقلق واسترابة
ليه كده ما على يدك البت قصادك سحبت البلاغ!
أخبره بشك وعيناه تحدقان في وجه عباس الذي كان لا يزال مصوبا نظراته القاتمة على ثلاثتهم
مش عارف بس الدراع اليمين ل كوبارتنا موجود هنا 
استغرب من وصفه وسأله مستفهما
مين ده كمان
ازدرد ريقه وقال وهو يشير لهما بالتحرك
هقولك بعدين إن شاء الله ما يكونش جاي لينا بينا أوام من هنا 
لسوء حظهم اعترض عباس طريقهم مرر ناظريه عليهم ببطء وهو يوجه أمره غير القابل للنقاش
وقفوا عندكم!
اقشعر بدن دليلة لرؤيته وانتصبت شعيرات جلدها فزعا منه التصقت بأبيها أكثر عندما خاطبها على وجه الخصوص وهذه النظرة العدائية مثبتة عليها وحدها
إنتي بقى اللي عاملة فيها سبع فتوات في بعض
تدخل فهيم في الحال للذود عن ابنته متسائلا بقليل من التحفز
كلمني أنا يا حضرت مالك ومال بنتي
ساعده كيشو هو الآخر في محاولة لم الأمور قبل بعثرتها قائلا برجاء طفيف
لا مؤاخذة يا ريس عباس الجماعة دول معرفتي في حاجة
دفعه عباس من كتفه للجانب وحدثه في استحقار
اتركن على جنب شوية ياض 
لم يجرؤ على معارضته ووقف جانبا ليتقدم عباس نحو فهيم وابنته ثم مد ذراعه تجاهها ليمسك بها قائلا وهذه الابتسامة تبرز على زاوية فمه
تعالي يا حلوة معايا 
حال فهيم دون وصوله إليه هاتفا بتعصب أبوي مبرر
إيدك عن بنتي 
اړتعبت دليلة للغاية مما يدور وتشبثت بأبيها أكثر مستنجدة به
الحقني يا بابا ما تسبنيش!
أولاهم عباس ظهره ليتطلع إلى أتباعه الأشداء الذين ترجلوا عن الحافلة الصغيرة سار نحوهم وصوت أمره الصارم يكاد يخرق الآذان
اشحنوهم كلهم !!!
يتبع التالي 
الفصل الحادي عشر
يا له من تجبر وتبجح لا يمكن تخيله فهو يحدث أمام قسم الشرطة وعلى بعد عدة أمتار من رجال حفظ الأمن والقانون! لقد صدر الأمر الصارم بأخذ ثلاثتهم وكأنه لا يوجد أي قانون رادع يسري عليهم. شهقت دليلة فزعا عندما اقترب منها أصحاب الأجساد الضخمة واحتمت بوالدها الذي ضمھا على الفور تحت ذراعه وألصقها بصدره ليحميها من بطش هؤلاء العتاة وراح يصيح فيهم هادرا
محدش يقرب من بنتي!
تكلم أحدهم من تلقاء نفسه يحذره
يبقى تيجي معانا بالذوق.
رد عليه مكرها
طيب.
كان مرغما على الذهاب بصحبة ابنته إلى الحافلة الصغيرة ليجنبها التعرض للمهانة أو الخطړ. حاول كيشو معالجة الموقف بتوسله غير المجدي
يا ريس عباس إنت فاهم الموضوع غلط دي مكانتش تقصد ولو تعرف إن سنجة تبعكم مكانتش جت واشتكت.
دون أن ينظر إليه خاطبه في استعلاء
مكانتش أول مرة ليها.
استغرب للغاية من جملته الغامضة وسأله
تقصد إيه بالظبط
أخبره على نفس النهج الغريب الباعث على الارتياب
مش أنا اللي بقرر.
سأله بقلب يدق في خوف
يعني إيه
لحظتها استدار برأسه نصف استدارة لينظر إليه قائلا بابتسامة خبيثة
الكلام مع الكوبارة دلوقت.
جحظت عينا كيشو في محجريهما وأخذ يولول في حسرة
يا سنة سودة ومالهاش ملامح!
انقبض قلب فهيم بارتعاب وهو يتساءل بعد سماعه لجملته تلك
هو في إيه
أكد مخاوفه المتزايدة حينما أخبره بتعبير مذعور احتل كافة قسماته
وقعنا في إيد اللي ما بيرحمش حد!
رغما عنه ارتعدت فرائصه ونظر إلى ابنته پخوف متعاظم فما الذي يمكن أن يحدث لهم وتحديدا هي!
......................................
لم تتوقف عن معاودة الاتصال بكليهما وما عزز شعورها بالقلق والتخبط هو تجاهلهما التام لمكالماتها المتتالية. دارت الهواجس في رأس عيشة وأخذت تدور حول نفسها في صالة المنزل وتتجه للشرفة لتلقي نظرة عابرة على الشارع قبل أن تردد مع نفسها بغير صبر
البت ولا أبوها ما بيردوش خالص!
خشيت من تأزم الوضع وتعقده واستمرت في التضرع للمولى
استر يا رب عديها على خير.
دار في خلدها مهاتفة ابنتها الكبرى إذ ربما ذهب كلاهما إليها لكنها أعادت التفكير في الأمر فلا داعي لإصابتها بالتوتر. عجزت عن البقاء ساكنة في موضعها وواصلت التعبير عن قلقها
قلبي متوغوش ومش مرتاح.
حينما قرع الجرس انتفضت ركضا ناحيته وهي تهتف عاليا
أيوه يا اللي على الباب.
اعتقدت أنهما قد أنهيا ما ذهبا لأجله لكنها تفاجأت بوجود جارتها السمجة عند عتبة الباب انقلبت سحنتها وهمهمت بتجهم
ست إعتدال.
بوقاحتها المعتادة اقټحمت الصالة دون استئذان وأردفت قائلة في ودية زائدة عن الحد
حبيبتي يا عيشة لاقيت نفسي فاضية قولت أجي أخد بحسك شوية.
رغما عنها اضطرت لاستقبالها مرددة باقتضاب
تسلمي.
نظرت إليها إعتدال بتفرس وسألتها في فضول
إنتي كنتي مستنية حد ولا إيه
أجابتها بعبوس لا يمكن إخفائه
دليلة وأبوها.
في شيء من التحقيق علقت عليها جارتها
أه صحيح أنا شوفتها نازلة معاه من شوية وكانوا مستعجلين هو حصل حاجة لا سمح الله
اندهشت من ملاحقتها المستمرة لأخبار عائلتها وتدلى فكها للأسفل مرددة في نبرة ذاهلة
هه!
بطريقتها الخبيثة والماكرة ألحت عليها إعتدال لعلها تصل إلى غرضها وتشبع فضولها النهم لمعرفة ما تخفيه عنها
قوليلي يمكن أقدر أساعدك.
تهربت من منحها ما تريد معرفته بادعائها الزائف
لأ مافيش ناقصها حاجات في الكلية فأبوها بيجيبهالها.
لم تبد مقتنعة بما تقول ومع ذلك ردت راسمة على ثغرها ابتسامة صفراء سخيفة
وماله ربنا يخليه ليكم.
كم ودت عيشة لو استطاعت طرد هذه المتطفلة من بيتها لكنها اتخذتها وسيلة لإلهاء عقلها عن التفكير في أسباب تأخر زوجها وابنتهما.
.................................
بشكل غريزي التصقت دليلة بأبيها حينما أجبر الثلاثة على ركوب الحافلة الصغيرة حاولت أن تختطف نظرات سريعة عبر النافذة لتنظر
إلى الطريق المؤدي إلى هذا المكان القفر المسمى بالتبة العالية. مالت عليه وهمست له في أذنه بصوت شبه مرتجف ينم عن مشاعر الذعر المتفشية في داخلها
بابا هو احنا هيحصلنا إيه
رغم خوفه المعكوس على تقاسيمه المجعدة إلا أنه حاول بث الطمأنينة إلى نفسها فأخبرها بصوت خفيض وهو يربت على كف يدها
ماتقلقيش يا حبيبتي إن شاء الله كل حاجة هتتحل.
عبرت له عن شعورها دون مواراة
أنا خاېفة أوي.
مجددا بذل جهده لتخفيف ما ينتابها من أحاسيس طبيعية بقوله المؤكد
مټخافيش يا بنتي محدش هيقرب مننا.
قطع وعدا على نفسه بألا يسمح لأحدهم مهما كان يملك من قوة أو سلطان بفعل ما قد يضر بابنته وإن عنى بذلك الټضحية بحياته من أجل صغيرته المدللة.
مضت عدة دقائق وتوقفت الحافلة بداخل منطقة تبدو للوهلة الأولى مخيفة للغاية لمن هو غريب عنها انتصبت شعيرات جلد دليلة وتشبثت أكثر بذراع أبيها الذي حاول حمايتها وضمھا إلى صدره طوال سيرهما إلى الباحة الرئيسية المواجهة لبيت يبدو وكأنه منزل خاص بحاكمها الأوحد.
بالطبع تعلقت الأنظار الفضولية والمتسائلة بهم خاصة كلما عرجوا على جماعة مجتمعة فكانوا يهللون بالترحيب ب عباس في توقير قبل أن يميلوا على بعضهم البعض ليتهامسوا عنهم.
قلة قليلة فقط مضت تتبعهم لتعرف ما الذي يدور معهم.
أجبر الثلاثة على الوقوف أمام باب المنزل بعدما رأوا إشارة يد عباس المرفوعة إليهم في الهواء قبل أن يستدير ناحيتهم ليهتف في استمتاع وتشف
جه وقت الحساب.
هوى قلب دليلة في قدميها وكان حال والدها لا يختلف كثيرا عنها بالرغم من بذله الجهد ليبدو ثابتا وهادئا إلا أن فرائصه كانت ترتعد فمن هم على وشك مواجهتهم لا يقبلون بالغفران كخيار.
................................
في غرفة تشبه حجرة المكتب بسبب احتوائها على مكتب ضخم من خلفه رفوف وضعت عليها عشرات الكتب والمجلدات بجانب عدة أرائك جلدية وتبدو من موقعها معزولة عمن حولها من غرف لكنها كانت الاختيار الأمثل للشقيقين لجعلها حجرة للنقاش والترتيب لمخططاتهما بعيدا عن تلصص أو تربص المقربين قبل الغرباء بهما.
انفرد كرم بشقيقه الأصغر وسأله باهتمام بعدما أطفأ قداحته التي أشعل بها طرف سيجارته
في إيه يا زهير
جعد أنفه قليلا قبل أن ېلمس طرفه بإصبعه ليستطرد موضحا بنبرة لا تزال غامضة
حاجة خدت بالي منها معرفش إن كنت تعرف حاجة عنها ولا لأ.
رد عليه في اهتمام ونظراته بالكامل مثبتة عليه
رسيني على الحوار.
في نبرة جمعت بين الجد والهزل أجابه
الواد عصفورة شكله عصفورة.
سكت قليلا وكأنه يفكر في مغزى عبارته قبل أن يأتي رده محملا بالضغينة
أنا بقالي مدة مش مرتاحله.
أضاف زهير في نبرة جادة وهو يشير بإصبعه
سهل يتكشف ونعرف بينقل أخبارنا لمين.
هز رأسه بإيماءة موافقة فتابع الشقيق الأصغر كلامه إليه بهدوء
احنا نرميله معلومة ونشوف لو وصلت يبقى هو اللي حكم على نفسه بالقاضية.
لم يجادله على الإطلاق واستحسن اقتراحه متمتما
ماشي كلامك.
قطع خلوتهما الجادة أحد أتباعهم فدق على الباب قبل أن يلج إلى الداخل مستطردا
بصوت شبه لاهث
يا كوبارتنا الريس عباس جه ومعاه صحبة.
تساءل كرم بحاجبين معقودين
مين دول
أجابه بعبارات مفهومة له
اللي بلغوا الدبابير عن سنجة.
فرك طرف ذقنه براحة يده في بطء وأصدر أمره الحاسم
خليه يتعامل وأنا شوية وطالع أشوف الحوار.
هز رأسه في طاعة قبل أن يعقب
تمام يا كبيرنا.
عاود بعدها الحديث إلى شقيقه فخاطبه باهتمام وهو يظهر هاتفه المحمول له ليطلعه على شيء بعينه
بص دلوقت احنا عندنا مصلحة مع آ....
انشغل كلاهما بالحديث الجاد عن إتمام مسائل أخرى أكثر أهمية من متابعة ذلك الأمر التافه والذي يمكن لغيره إكماله وإنهائه دون
الحاجة لمشورته.
...................................
فيما بعد راقبت الأعين الجامعة ما بين نظرات فضولية ونظرات مرتاعة ذلك التابع حينما عاد إلى موضع اجتماع عباس