فوق جبال الهوان


حد ما تتحاور بالمنطق والعقل بسبب إنهائه لتعليمه الجامعي وحبه للمعرفة والعلم وما أكد على ذلك اهتمامه الدائم بالقراءة ومطالعة الكتب المختلفة الموجودة في المكتبة الملحقة بالسجن لكن في حقيقة الأمر كان هذا هو المكان الوحيد الذي اعتاد أن يجري فيه صفقاته السرية ويرتب لإدارة كافة الأمور الهامة دون إزعاج من الآخرين.
جلس زهير بشيء من الشموخ على طاولته القريبة من النافذة يستمتع بتسلل أشعة الشمس عبر زجاجها المفتوح وفي يده هذا الكتاب شرد يتأمل الحديقة المتواضعة عبر القضبان المعدنية أما أمامه فاستقر أحد النزلاء يتطلع إليه بترقب فقد كان يخشى من احتمالية رفضه التدخل في حل معضلته العويصة وخصوصا وهو محتجز هنا وعاجز عن التصرف بأريحية مثلما كان بالخارج وفي يده زمام السلطة. ازدرد النزيل ريقه وسأله بحذر
إنت مردتش عليا لسه
دون أن يكلف نفسه عناء النظر ناحيته أخبره بعجرفة
ما أنا ما شوفتش منك أمارة.
زوى ما بين حاجبيه متسائلا
قصدك إيه
هذه المرة حملق فيه بنظرة قوية ثابتة قبل أن يخبره مباشرة
حسابي يتحط فيه الفلوس هتلاقي كل مشاكلك اتحلت.
امتعضت ملامح الأخير في استياء ولاحظ زهير ما انعكس على تعبيراته فأعلمه بلهجة صاحب القرار الأول والأوحد
ويا ريت ما تضيعش وقتي تاني طالما مش جاهز لأن وقتي مش ببلاش.
نهض من على مقعد معقبا في وجوم
ماشي الكلام.
قبل أن ينصرف النزيل حذره مبتسما في مكر
وما تنساش إنت بتتعامل مع عيلة الهجام واحنا مش أي حد.
حدق فيه وهز رأسه معلقا باقتضاب
فعلا.
غادر بعدها المكان ليعود زهير إلى مطالعة كتابه في هدوء وكأنه لم يقم بإجراء أي اتفاق من الأساس ربما يظنه البعض أنه على النقيض مع شقيقه الأكبر لكنه كان يحتكم إلى صوت العقل أولا قبل الاندفاع بتهور في تيسير شئونه مستفيدا بسنوات تعليمه الممتدة حتى انقضاء دراسته في كلية التجارة. في بعض الأحيان يطغى عليه الجانب الإنساني فيجعله يتردد وربما يتعاطف مع البعض ورغم هذا لم يعارض قرارات شقيقه حينما يصدرها إلا إذا تطلب الأمر تدخله للتصرف بروية كلاهما كانا يكملان بعضهما البعض بشكل مشوق وغريب.
ظلت قبضتاها ممسكتان بطرفي الملاءة القديمة ترفض إزاحتها عنها وكأنها درعها الوحيد الذي يحجب عنها الأعين الشامتة فيها برغم كونها أصبحت بداخل هذا المنزل الملعۏن إلا أنها ما زالت تشعر بأنها مجردة مما يسترها. اصطحبتها خضرة إلى الغرفة التي استفاقت فيها قبل برهة وأجلستها على طرف الفراش لتواسيها في نبرة جمعت بين قدر محدود من التعاطف والمزيد من اللوم
عيني عليكي يا حبيبتي قولتلك من الأول دخول الحمام مش زي خروجه.
لم تجرؤ على رفع رأسها والنظر إلى من حولها فالجميع قد شهد على فضيحتها العلنية وعلى تدنيس سيرتها النقية بوقاحة فجة وكأنها حقا شابة سيئة السمعة فكيف لها أن تحظى بالاحترام من جديد أصغت مروة إليها وهي لا تزال تخاطبها في حماس يناقض ما يعتريها الآن من مشاعر ذليلة ومقهورة
وبعدين يا حلوة إنتي متعانة للكبير وده يا بخته اللي تنول شرف الأعدة معاه.
التشوش الذي استحوذ على عقلها بعد تجربتها الأليمة والصاډمة جعلها عاجزة بقدر كبير عن تفسير ما ترمي إليه من عبارات ورغم هذا لم تنطق بشيء أو تستعلم عن مقصدها ظلت صامتة تبكي بحړقة والرجاء يحدوها أن يكون ما تعايشه مجرد كابوس لحظي ستستفيق منه في أي وقت. أضافت خضرة وهي تلكزها في كتفها بخشونة طفيفة
واحدة غيرك كان
المفروض تبوس إيدها وش وضهر إنها جت مع الست توحيدة وهي بتقدر اللي معاها.
افتعلت الضحك فبدت ضحكاتها مزيفة وسخيفة قبل أن تقول
بكرة تدوقي الشهد وتودعي الفقر.
من بعيد راقبت وزة ما تعرضت له هذه المسكينة من ظلم واضطهاد فشعرت بالأسف عليها وانتظرت ابتعاد هذه اللئيمة عنها لتحضر بعض الثياب لها لتدنو منها قائلة في صوت خفيض ونظرة حذرة تطوف في أرجاء الغرفة
ما تسمعيش كلامها...
انتبهت لها مروة وتطلعت إليها من خلف سحابة الدموع التي تحتل حدقتيها لتجدها مستمرة في حديثها الخاڤت
لو جتلك فرصة تهربي من هنا اعملي كده وانفدي بجلدك.
لم تتوقف عن البكاء ووزة تواصل إفراغ ما في جعبتها من مشاعر ناقمة ساخطة
دول أبالسة مايعرفوش ربنا.
لاحظت خضرة وجودها بالقرب من كنزهما الثمين فاتجهت إليها بخطوات سريعة تسألها في تحفز
بتزني في ودانها بإيه يا بت
في التو عمدت إلى تغيير الموضوع بسؤالها المتذلل
مش هتكلميلي الست توحيدة عن ابني
بجمود واضح أخبرتها وهي تدفعها بيدها للخلف
حوارك ما يخصنيش.
توسلت إليها في إلحاح
ده أنا حبيبتك ساعديني الله يكرمك.
زمت شفتيها متمتمة في تجهم
وأنا ماليش حبايب ويالا ابعدي عنها وشوفي وراكي إيه.
اضطرت وزة للانصياع لها وتراجعت مبتعدة عن مروة لتسمع خضرة وهي تدمدم
نسوان فاضية.
رغما عنها كبتت وزة مشاعرها الأمومية في صدرها وراحت تردد بين جنبات نفسها في رجاء
مسيري أعرف طريقك يا ضنايا وأرجعك لحضني.
بقي على وجومه وشروده بعدما غادر محيط المخبز فقد كان يعتمد على الربح القادم منه لادخاره من أجل الانتقال لمنطقة سكنية أفضل لكن حديث درويش هدم كافة آماله بل وجعله عرضة للتشاحن معه وتصعيد الأمور لشيء خطېر. انتشله من سرحانه رنين هاتفه المحمول. انقبض قلب فهيم عندما وجد زوجته تتصل به لا إراديا ظن أن ذلك البغيض نفذ تهديده ومكروها قد وقع لإحدى ابنتيه فأجاب على الاتصال في جزع
خير يا عيشة في حاجة حصلت
اندهشت من اللهفة التي كان عليها وهو يسألها ومع ذلك تغاضت عن سؤاله لتعلمه
أنا هاخد دليلة ونروح لبنتك إيمان شوية.
ما زال زوجها على خوفه فتساءل بنفس النبرة المتوجسة وكامل وجهه يعكس قلقا متعاظما
هي كويسة حصلها حاجة ما تتكلمي.
استغربت أكثر من طريقته المريبة في السؤال عن أحوالها وأكدت له
هي بخير والله...
تنفس الصعداء وأصغى إليها بقدر من التركيز وهي تخبره
بس إنت عارف صعب تيجلنا هنا وأنا عاوزة أشوفها وأقعد معها شوية.
وافق على طلبها مبديا شرطه الإلزامي
ماشي روحي بس ما تطوليش.
أطاعته بلا جدال
طيب.
أنهى معها المكالمة ليعيد وضع هاتفه داخل جيب بنطاله القماشي وتابع سيره المهموم ليلتقي مصادفة مع كيشو الذي هلل مناديا باسمه وهو يلوح بيده في الهواء
عم فهيم.
وكأن في رؤيته نجدة من السماء فأقبل عليه هاتفا في صوت عبر عن مدى احتياجه إليه
كيشو ابن حلال أنا عايزك في حاجة مهمة.
لم يرفض مطلبه ودعاه للجلوس معه قائلا
طب تعالى نتكلم على القهوة.
هز برأسه موافقا
ماشي.
اتجه الاثنان إلى المقهى القريب لينادي كيشو على الصبي الذي يعمل هناك ليعد لهما كوبان من الشاي حتى يصغي بتركيز إلى ما يريده منه.
بعبارات بسيطة ومفهومة راح يسرد ما تعرض له من عملية يمكن وصفها بالاحتيال لنهب حقه الشرعي ولم يقاطعه كيشو طوال حديثه إلى أن فرغ تماما حينها لوى ثغره بعبوس وفرك طرف ذقنه بيده مرددا في امتعاض
حوارك ده في مشاكل وناس هتزعل من بعض.
تعبيرات وجهه أوحت بمدى تعقيد الأمور وتيقن فهيم أكثر من صدق حدسه حينما أعطاه تلميحا بدا غامضا إلى حد ما
وخصوصا إن الحاج درويش تبع جماعة العترة.
حدق فيه متسائلا
مش فاهم مين
ده كمان
شرح له ببساطة
الدنيا نواحينا متقسمة زي مناطق وكل منطقة ليها كبير واحنا كبيرنا الهجام وهو مش أد كده مع العترة إكمنه عمل كام دقة نقص معاه.
انقبض قلبه في توجس وسأله
طب والعمل إيه
نفخ بصوت مسموع قبل أن يقترح عليه
بص احنا نحاول نشوف واسطة خير يحللنا الحكاية جايز تخلص من غير مشاكل.
في التو أكد له فهيم مشيرا بيده
وأنا والله ما عايز مشاكل من الأساس بس ده حقي وصعبان عليا يروح مني كده ومابقاش قادر أخده.
تعاطف معه وعقب بجدية
سيبلي الحوار وأنا هتصرفلك فيه.
بدا ممتنا لمبادرته بالمساعدة وأخبره
ربنا ييسرلك الأمور وأنا مش هنساك طبعا.
في شيء من المجاملة رد
تعيش يا عم فهيم.
ثم فرقع بإصبعيه ليستدعي صبي المقهى من جديد ليميل الأخير عليه ويهمس في أذنه ببعض العبارات غير المسموعة في التو تغيرت تعبيرات وجه الصبي ومع ذلك قال في طاعة
ماشي يا كيشو هبلغه.
عرجت على أحد محال بيع الحلويات الشرقية الشهيرة وابتاعت لابنتها منه ما لذ وطاب وخاصة ما تشتهيه لنفسها قبل أن تصعد إلى منزلها القريب منه لتقوم بزيارتها دون أن تهاتفها مسبقا لتعلمها بقدومها لكنها كانت مضطرة لفعل ذلك لتفاتحها في المسألة الهامة التي جاءت خصيصا من أجلها. فرحت إيمان لرؤيتها مع شقيقتها واستقبلتهما بحفاوة وترحاب ونظرت إلى العلب الكرتونية المغلفة بالأشرطة وعاتبت والدتها في رقة
مكانش ليه لازمة تكلفي نفسك يا ماما خير ربنا موجود وراغب مش مقصر معايا.
ابتسمت قائلة بودية
ما إنتي عارفة أبوكي موصيني.
بادلتها الابتسام وقالت في حبور
ربنا يخليكم ليا يا رب.
ثم التفتت ناظرة إلى دليلة التي كانت تتمدد باسترخاء على الأريكة المريحة وهي تعبث بهاتفها المحمول لتسألها باهتمام
عاملة إيه يا دوللي مبسوطة
رفعت عيناها عن شاشته المضيئة وعلقت بضجر
بتتريقي
اكتفت بالتبسم لها فتابعت دليلة في سخط
مش هتكلم بس احنا في حتة بيئة أوي مش هاقولك على الحكايات اللي بتحصل فيها دي ولا الأفلام.
تطرقها للحديث عن هذا الأمر تحديدا مهد لها الكثير فاستغلت عيشة الفرصة لتصرف ابنتها الصغرى فأمرتها
خشي اغسلي الأطباق لأختك بدل ما إنتي أعدة كده.
في التو أظهرت تبرمها مرددة بضيق
هو شغل هنا وشغل هناك!
شددت عليها أمها بلهجتها الآمرة
يالا اتلحلحي.
على مضض نهضت من موضع جلوسها وسارت تجاه المطبخ لتؤدي مهمة غسل الصحون وتنظيفها ما إن اختفت عن ناظريها حتى انتقلت عيشة بجوار ابنتها لتهمس بخفوت جاد للغاية
إيمان عايزاكي في كلمتين
استغربت من تبدل حالها وسألتها بقلب وجل
خير يا ماما
ازدردت ريقها وتابعت مباشرة
ينفع تخلي دليلة تقعد معاكي هنا المكان اللي احنا فيه صعب أوي وأنا خاېفة عليها من العالم الواغش اللي عايشين فيه.
استطال وجهها لحظيا فقد استشعرت الحرج من مطلبها رغم أهميته خاصة مع انزعاج زوجها مؤخرا من انتقال العائلة لهذه المنطقة المتدنية في كل شيء ومع هذا أخبرتها بتردد محسوس في نبرتها
مش عارفة راغب رأيه هيكون إيه
لو لم تكن مضطرة إلى هذا لما لجأت إلى مساعدتها في شيء من الإلحاح طلبت منها
حاولي تقنعيه ده وضع مؤقت وأنا هزن على أبوكي ليل نهار لحد ما ننقل من المنطقة دي.
بهتت ملامحها نوعا ما وراحت تقول بحيادية رافضة إعطائها الرد النهائي على هذه المسألة الشائكة
مقدرش أوعدك يا ماما بس هعمل اللي عليا.
استدارت الاثنتان بوجهيهما نحو باب المنزل عندما سمعتا صوت المفتاح يدار في قفله تأهبت عيشة في جلستها ووضعت ابتسامة وقورة على
محياها عندما رأت زوج ابنتها يلج من الباب على عكسها وجمت ملامح الأخير حينما وجدها جالسة بالصالة وردد في نبرة مستنكرة وكأن وجودها غير مرحب
به
حماتي!
نهضت لتحييه قائلة في نبرة أليفة
إزيك يا راغب يا ابني
عاملها بجفاء صريح
كويس.
قبل أن تنبس زوجته بكلمة تفاجأت به يأمرها