فوق جبال الهوان


وموجزا بعدما تلقى دفعة من المال لتأدية هذه المهمة التي بدت إلى حد ما سهلة ويمكن إنجازها بشيء من الټهديد والتخويف.
اقتحم سنجة المخبز بتبجح ورفع من نبرته هادرا في خشونة وتحفز
شوف يا حاج درويش هما كلمتين أنا جاي أقولهم وأمشي...
تفاجأ الأخير بوجوده فقلما تعامل معه ونهض من على كرسيه ليواجهه في ضيق خاصة مع هروب الزبائن بمجرد رؤيتهم لذلك البلطجي بالمكان تابع كلامه إليه على نفس الوتيرة
عم فهيم ترجعله حقه يا إما هتلاقي الفرن ده سقفه في حلقه.
في التو عرف سبب تواجده وقال بغير اكتراث ضاربا بعكازه الأرضية
إنت جاي تهددني ياض إنت هو إنت ما تعرفش أنا تبع مين
تحداه في جراءة كبيرة مستفزا إياه عن عمد
لأ عارف كويس واللي إنت محمي بيه ما يجيش مداس في رجل كوبارتنا.
استشاط ڠضبا من تهديده السافر وهدر في عصبية
طب اتمشى من هنا بدل ما أخلي رجالتي تحطك على السير وتسويك مع العيش.
قابل كلامه بمزيد من التحدي
ده آخر ما عندك
أكد له بلا خوف مطوحا بعكازه في وجهه
أه ووريني إنت والكوبارة بتاعك هتعمل إيه
استخف به مرددا في تجبر
زي الفل ما ترجعش ټعيط بقى يا حاج وتقولي حقي برقبتي.
زعق فيه بغيظ
انجر ياله من هنا!
ثم نادى على عماله بوجه مشتعل من الڠضب
اكرشوه برا الصايع ده.
انصاع العمال لأمره وتجمعوا حوله على هيئة هلال لطرده خارج المخبز محذرا إياهم
إيدك لأقطعهالك منك ليه!
ورغم ذلك غادر المخبز
بعدما أطلق سبة نابية لكونه يعلم جيدا أن الكثرة تغلب الشجاعة فمهما كان جريئا ومقداما هناك بعض المواقف التي تتطلب الحكمة فيها. ڠضب درويش مما اعتبره تخاذلا مشينا من قبل عماله وراح يعنفهم في سخط وهو يضربهم بعكازه
مالكم بقى حتت البرص ده خايفين منه
تولى أحدهم الكلام عن البقية مبررا
يا حاج ده واد شړاني واللي وراه أشر منه.
وكزه في ذراعه متمتما من بين أسنانه
وأنا مش هسكت عن اللي عمله ابن ال .... ده!
أرادت تعويض والدتها الغالية عن المعاملة الفظة التي تعرضت لها في منزلها قبل وقت سابق على يد زوجها كان من غير المستحب أن تعتمد فقط على مكالمة هاتفية روتينية لاسترضائها لهذا قررت مفاجأتها واستغلال فرصة سفر راغب للذهاب لرؤيتها وتمضية بعض الوقت بصحبة عائلتها التي تشتاق إليهم كثيرا.
تأنقت إيمان في عباءة محتشمة من اللون البيج الفاتح واستوقفت سيارة أجرة لتطلب من سائقها إرسالها لأقرب نقطة تذكرها عن عنوان العائلة الجديد بالقرب من الوحدة الصحية الرئيسية لهذه المنطقة. وأثناء ذلك قامت بمهاتفة أمها انتظرت ردها عليها بصبر نافد بمجرد أن سمعت صوتها سألتها في لهفة وشوق
عاملة إيه يا ماما وحشاني أوي.
ردت الأخيرة باقتضاب
كويسة.
سألتها في صوت رقيق
إنتي لسه زعلانة مني
على نفس النهج الجامد قالت
عادي.
رجتها في نبرة شبه مستعطفة
بالله عليكي يا ماما ما تضايقي من اللي حصل إنتي عارفة راغب لما بيرجع من الشغل بيكون على أخره.
أخبرتها في ضيق محسوس في صوته
فضينا من سيرته.
استطردت إيمان قائلة بحماس
طب أنا عايزة أشوفكم.
سألتها في استغراب مطعم بالسخرية
معقولة جوزك سمحلنا نيجي عندك
بالكاد سيطرت على مشاعرها المتحمسة وهي توضح لها
لأ أنا اللي هجيلكم.
استطاعت سماع اللهفة في نبرة والدتها وهي تسألها لتتأكد مما سمعت
بجد
أكدت لها بابتسامة أشرقت كامل ملامحها
أيوه ده راغب بنفسه اللي موصيني أعمل كده وبعدين أنا بكلمك من التاكسي قدامي شوية وأوصل عند الوحدة الصحية بس مش عارفة مكانكم فين بالظبط بعدها.
في التو علقت عليها عيشة بنفس النبرة اللهفى
أنا هبعتلك دليلة تستناكي هناك وهي هتجيبك لحد عندنا.
ردت عليها دون أن تفتر بسمتها
ماشي يا ماما.
حسم الأمر بإعادتها إلى المكان الذي جاءت منه ريثما يوفق الهجام أوضاعه معها فإن أراد الاستمرار في هذه العلاقة عليه أن يوثقها بشكل ما وإلا لتركها لحال سبيلها وكف شأنه عنها فما كان من الأخير إلا أن رضخ على مضض لرغبة شقيقه احتراما لما بينهما من روابط أخوة أصيلة ومتأصلة. جاءت خضرة لأخذها بناء على التعليمات الصادرة ولضمان تنفيذ ذلك ذهب زهير معهما وجلس في المقعد الأمامي للسيارة تلك التي كان محركها يزمجر بصوت مزعج مما اضطره لإخبار السائق بضرورة إرسالها للصيانة للكشف عن العطب بها وإصلاحه.
مالت خضرة على مروة لتهمس في أذنها بصوت خفيض
اقسم بالله إنتي محظوظة لولا الريس زهير كان زمان خبرك اتقطع.
حانت من الأخيرة نظرة خاطفة نحو المرآة الجانبية للسيارة لتتطلع إلى وجه ذلك الشهم الذي أخرجها من چحيم شقيقه فلم تتبين ملامحه بسبب الزجاج المغبر استمرت تلك الثرثارة في الهمس لها بشيء من الحقد والحسد
مين أدك دلوقت الكوبارة راضي عنك وأخوه واقف في صفك.
تصعبت بشفتيها بعدها وأكملت حديثها في نفس النبرة الخاڤتة
لأ وكمان راجعة عند الست توحيدة في تشريفة ما تحلمش بيها أي بت....
أخرجت خضرة من بين شفتيها تنهيدة حالمة قبل أن تقول في نبرة متمنية
يا ريتني كنت مكانك!
في تلك الأثناء أسرعت دليلة في خطاها بعدما ارتدت ثيابها الرياضية لتلتقي بشقيقتها عند الوحدة الصحية التي تقبع بالقرب من الطريق
الضيق المؤدي في نهايته إلى آخر يفضي للشارع الرئيسي الذي تقع بنايتهم في امتداده. احتضنتها في تشوق واشتياق ونظرت إليها بسعادة قبل أن تخاطبها في سرور
مش قادرة أقولك ماما فرحانة إزاي إنك جاية النهاردة.
ظلت على ملامحها الوديعة وهي تخبرها
وأنا كمان والله.
تساءل دليلة في قليل من الشك
بس إزاي راغب سابك تيجي عندنا
تلبكت من سؤالها وقالت في تردد بائن في نبرتها
أصله آ.. سافر يومين تدريب تبع شغله...
ثم سكتت للحظة وأضافت وهي مطرقة لرأسها
والصراحة هو ما يعرفش إني جاية عندكم.
غامت تعبيرات وجه دليلة معلقة في ضيق
بقى الحكاية كده!
مدت إيمان يدها لتمسك بكف شقيقتها ورجتها في حرج
أوعي تقولي لماما لأحسن تزعل أنا مفهماها إن راغب باعتني أصالحها.
بامتعاض عقبت
اطمني ماما مش ناقصة نكد.
تأبطت كلتاهما ذراعي بعضهما البعض وسارتا على مهل في الطريق الضيق قبل أن ينتقلا للآخر وإيمان تتساءل في اهتمام
وبابا إزيه صحته عاملة إيه
تنهدت دليلة قبل أن تجيبها في شيء من الإسهاب
الحمد لله كل يوم بينزل بيفضل غايب طول النهار ويرجع على الغدا وبعدين ينزل تاني.
سألتها مستفهمة
بيروح الفرن اللي مشارك فيه
هزت كتفيها مرددة
الظاهر كده بس الصراحة أنا معرفش مكانه فين لسه...
نظرت إليها بتحير فأكملت دليلة موضحة بابتسامة ساخرة تجسدت على زاوية فمها
أصل ماما مش عايزاني أتجول في المنطقة إنتي لو تشوفي نوعية الناس اللي فيها هتعرفي إن هي معاها حق.
ظهرت أمارات التأفف على وجه إيمان وهي تخبرها بلا مجاملة
بصراحة شكل المكان بيئة أوي.
أحنت شقيقتها رأسها في أسف وقالت
بلاش تيجي على الچرح أنا مستحملة بالعافية.
مدت يدها الأخرى لتربت على كفها قائلة في تفاؤل
إن شاء الله تنقلوا من هنا قريب.
حررت زفرة سريعة من رئتيها ليتبعها قولها
يا ريت نتمنى ده.
في تذمر منزعج تساءلت إيمان وهي ترفع ثوب عباءتها لئلا تتسخ
هو المجاري طافحة في كل حتة كده
أجابتها شقيقتها بعبوس
مافيش صرف أصلا هنا.
على قدر المستطاع حاولت دليلة إبعادها عن برك مياه الصرف الراكدة وذات الرائحة المنفرة وتجنب مركبات التوكتوك التي تتسابق وتتزاحم مع باقي السيارات لتجعل الحركة في غاية الصعوبة مما جعل الاثنتان عرضة للرذاذ المتناثر من مرورهم على تلك البرك. شهقت إيمان صاړخة في فزع عندما مر إطار سيارة بعينها على تلك البركة العميقة ونثر كمية كبيرة من المياه غير النظيفة على عباءتها فأغرقها وأفسد هيئتها في الحال. 
اغتاظت دليلة مما حدث لشقيقتها وهدرت في ڠضب منفعل وملوحة بيدها في الهواء
إنت غبي أعمى مش شايف الناس اللي ماشية في الشارع داهية تاخد أشكالكم!!
صوتها الصارخ والمهين وصل إلى مسامعه بالرغم من ارتفاع زئير المحرك فسلط زهير عينيه الثاقبتين على المرآة الجانبية الملاصقة لموضعه لينظر إلى صاحبته الباحثة عن المشاكل رآها من زاويته تنحني قليلا نحو أخرى تلطخت عباءتها محاولة تنظيفها. ضړب بقبضته على الباب المعدني وأمر السائق بنبرة لا ترد
وقف العربية عندك ..!!!
يتبع الجديد
الفصل السادس
زعزعة هيبته والتقليل من شأنه أمام أهالي المنطقة ناهيك عن حدوث ذلك في تواجد عماله بالمخبر جعله في أوج غضبه وحنقه. لم تهدأ مهاج الحاج درويش وظل على حالته المنفعلة فأمسك بهاتفه المحمول وخابر من يقع تحت سطوة قوته ونفوذه للقيام بمهمة رد اعتباره أمام الجميع وتلقين من تجرأ عليه درسا لا ينساه أبدا. 
ارتفعت نبرته المحتدة وهو يخبره بما يزيد من تأجيج نيران الفتنة بين الأطراف المتناحرة
والله يا ريس العترة لو فوتنا اللي حصل ده هتلاقي الكل عملنا مسخته الصغير قبل الكبير مش معقول ده يرضيك.
ظل صوته متأرجحا ما بين الڠضب والغل وهو لا يزال يكلمه
وأني لازم أعلم على الواد ده علشان يعرف هو غلط في مين.
غامت نظرته أكثر حينما أضاف كذلك
وبعدين دي بقت عداوة صريحة مع فهيم وأنا عايزه يتربى.
أتاه صوت العترة هادئا وناصحا
اصبر عليا كده وخليني أشوف هتصرف إزاي.
ألح عليه بتصميم
اعمل أي حاجة تخليني أخد حقي على طول.
بنفس الصوت الهادئ خاطبه
هيحصل بس سبني أدورها صح في دماغي علشان لما نضرب ضربتنا تسمع عند الكل.
بالكاد تمكن من كبح غضبه المستعر وقال ووجهه يسوده تجهما شديدا
ماشي الكلام.
كلماتها وإن كانت عفوية نابعة من طبيعة الموقف الذي تعرضت له مع شقيقتها إلا أنها كانت كسهم نافذ رشق في صدر أحدهم وأصابه التفتت خضرة ناظرة من موضعها إلى الشابتين اللاتين كانتا تقفان في الخلف وعاودت النظر إلى زهير لتكلمه في صوت قلق محفز للنزعة الاڼتقامية بداخله
يا وقعة سودة يا سيد الناس!
اشتدت عضلات وجهه وكذلك كتفيه بشكل ملحوظ خاصة وهي لا تزال تهتف بنفس الطريقة المستثيرة للأعصاب
مين اللي اتجرأت عليك كده يا سي زهير هي متعرفش إنت مين!
وأكملت بتحفز مزعج أكثر
نهارها مش فايت أكيد.
نفد صبره من أسلوبها الذي يستفزه أكثر من أي شيء وهدر بها بنبرة أخرستها على الفور
ولا كلمة.
انتفضت مروة فزعا من نبرته التي أجفلت بدنها وانكمشت على نفسها في حين هزت خضرة رأسها في طاعة وتابعته بعينين متوجستين وهو يترجل من السيارة ليذهب إليهما متوقعة حدوث الأسوأ. مالت بعدها على تلك الملتصقة بها لتلكزها في جانب ذراعها مرددة بشيء من الحماس المريب وكأنها تبدي استمتاعها 
أديكي هتشوفي بنفسك الوش التاني لأخو كوبارتنا سي زهير.
تلقائيا استدارت مروة برأسها للخلف لتنظر إلى ما سيحدث
بين الثلاثة من صدام وشيك وقلبها يدق خوفا لهذا!
على الجانب الآخر وعند مسافة لا تبعد بضعة أمتار تطلعت إيمان ناظرة إلى شقيقتها تعاتبها على نزقها واندفاعها الذي قد يودي بها إلى المشاكل دون داع فراحت تلومها في جدية وهي تمسح بمنشفة ورقية استخرجتها من حقيبة كتفها على عباءتها
مكانش في داعي تتكلمي بالشكل السوقي ده.
ردت دليلة مبررة تصرفها وهي تطوح بيدها في الهواء
التعامل في الحتة دي