فوق جبال الهوان


ظنت وزة أن قلبها رق إليها وستمنحها ما تطمح فقط لامتلاكه لكن تحطمت أبسط أحلامها على صخرة الواقع القاسېة حينما اختطفته منها لتأخذه إلى المجهول.
لم ينضب دمعها ولم تكف عن النواح والاستجداء بل إنها تحينت كل فرصة تجدها فيها رائقة المزاج لتسألها عن مصيره ورغم أن جوابها كان متكررا بأن تنساه إلا أنها لم تفقد الأمل فقد توهمت أنها أودعته كأمانة عند أحدهم كنوع من العقاپ لها لمخالفتها أوامرها.
هذه المرة انتظرت انتهائها من تمضية وقتها الخاص مع عباس لتتسلل إلى مخدعها كان الأخير في الحمام الملحق بالغرفة يغتسل وتوحيدة تتمدد باسترخاء على سريرها ولجت وزة إلى الداخل دون استئذان مقتحمة عليها خصوصيتها المزعومة ثم أحنت رأسها في ذل وتوسلتها بصوتها الباكي
بالله عليكي يا أبلتي تخليني أشوف ابني.
انتفضت لرؤيتها بداخل غرفتها في وقاحة فجة منها وصاحت بها وهي تعتدل في رقدتها
إنتي اټجننتي داخلة عليا أوضتي من غير إحم ولا دستور
اعتذرت منها في التو
حقك عليا بس نفسي تريحيني.
انقلبت سحنتها للغاية من تسببها في تكديره ولو بشكل بسيط راحت توحيدة تلكزها في كتفها لتدفعها نحو باب الغرفة وهي تعنفها بغيظ
عاجبك كده قلبتي مزاج المعلم...
بقدر استطاعتها حاولت مقاومة طردها لها وهي ترجوها
علشان خاطري بس أطمن عليه.
صرت على أسنانها في حنق وزعقت فيها بغل وقد شحذت كامل قواها لطردها خارج الغرفة
قولتلك هو ماټ ماټ إيه ما بتفهميش!
انكفأت وزة على وجهها من إثر الدفعة العڼيفة فوقفت بجوارها تصيح في صوت غاضب
يا خضرة! إنتي يا ولية تعالي خدي الهبابة دي من هنا.
بخطوات راكضة أتت إليها في الحال وردت وهي تنحني عليها لتشدها من ذراعها وتبعدها عن محيط ناظريها
حاضر يا أبلتي.
انخرطت الأخيرة في بكاء شديد وحاولت استجدائها من جديد لكنها صفقت الباب في وجهها لتطلب منها خضرة في قليل من التعاطف
يالا يا وزة كفاية كده بدل ما تسلط عليكي اللي ما بيرحمش.
بثقل نهضت من موضعها وهي لا تتوقف عن البكاء المرير فما زال الأمل يحدوها بأنها ستكون على لقاء قريب برضيعها. 
بداخل غرفة مكتب مديره الفخمة ذات الحوائط الزجاجية اللامعة حيث تغطي الستائر البلاستيكية معظمها تلك التي يحلم بالجلوس على مقعد رئاستها وتعليق لافتة تحمل اسمه بالخارج والداخل وقف راغب أمام رئيسه يحني رأسه مبديا احترامه له خاصة والأخير يخاطبه في نبرة جمعت ما بين الجدية والاهتمام
إنت عارف إنك من المفضلين عندي يا راغب.
ابتسم مجاملا وهو يرد
أكيد يا فندم.
تابع رئيسه المباشر كلامه إليه بنفس الدرجة من الشفافية والوضوح
وأنا بجهزك علشان تمسك فرع
البنك في العاصمة.
بلا خجل أفصح عن رغبته
يا ريت ده يحصل أنا بحلم باليوم ده من زمان.
بدا معجبا بما وصفه بحماس الشباب وراح يؤكد عليه
عايزك الفترة الجاية تستعد كويس وتكون على أد المسئولية الجديدة دي.
هز رأسه في طاعة حينما عقب
اطمن وإن شاءالله هكون عند حسن ظن سيادتك.
أشار له ليغادر مكتبه هاتفا في نبرة رسمية
تقدر تشوف شغلك.
ظل محافظا على ابتسامته المصطنعة وهو يخاطبه قبل أن يستدير متجها نحو الباب
تمام يا فندم عن إذنك.
ما إن خرج حتى لفظ تنهيدة عميقة محملة بالآمال والأحلام ليحادث نفسه مرددا
يا سلام لو ده حصل هبقى في حتة تانية خالص.
...............................................
الصخب غير المفهوم الذي كان يحيط بها جعل مداركها تتيقظ ببطء فبدأت في الاستفاقة من حالة الإغماء التي فرضت عليها لتشعر بشيء غريب
نهضت امرأة ما من على فراشها المحشور في الزاوية لتقول بفم ملتو
ده علشان ياختي كشف الهيئة.
لم تفهم مقصدها بالضبط لكن دبيب قلبها ارتفع بشدة حتى كاد يصم أذنيها ابتلعت ريقها وسألتها
نعم يعني إيه
تجاهل الجميع الرد عليها وكأنهن اتفقن ضمنيا على مفاجأتها بما لا يمكن لخيالها المحدود أن يصوره لها. هتفت أخرى عاليا
نادي على خضرة وقوليلها البت فاقت.
عصفت ب مروة موجة من الڠضب الممزوج بالخۏف وراحت تصرخ في عصبية
أنا عايزة أمشي من هنا وديتوا هدومي فين
ادعت امرأة ثالثة الضحك لتقول وهي تتصعب بشفتيها
يا ريتها كانت بالساهل مكانش حد غلب.
في غمرة حديثهن المخيف لها جاءت خضرة ووقفت عند أعتاب الغرفة هاتفة في نبرة هازئة
أخيرا فوقتي نوم العوافي يا ادلعدي.
تذكرتها في الحال فتوسلت إليها مروة بعينين تحبسان الدموع فيهما
من فضلك يا ست خضرة خليني أمشي من هنا وأرجع لأهلي.
منحتها الأخيرة نظرة إشفاق واهية قبل أن تسخر منها
أهلك يا حرام!
لحظتها شعرت مروة بأن محاولتها لنيل تعاطفها باءت بالفشل ولن تترأف بها. استمرت خضرة على وتيرة سخريتها قائلة وهي تشير إلى عينها
قطعتي في قلبي وأنا دمعتي قريبة!
حجزت هاتفيا موعدا لدى الطبيب النسائي لتتجنب عدم بقائها ضمن المنتظرين باستقبال عيادته لوقت طويل خاصة مع شهرته الكبيرة وتزاحمها بالكثير من الطامحات في أن تصبحن أمهات المستقبل. جاءت على الموعد المحدد وناولت الممرضة نفحة زائدة لتضمن دخولها سريعا وحدث ما خططت له فالتقت به بعد خمس دقائق من قدومها وانتظرت على أحر من الجمر سماع نتائج التحاليل التي أجرتها في وقت سابق. تأهبت إيمان في جلستها ونظرت إليه بعينين مترقبتين فاستطرد الطبيب شارحا لها بوضوح
زي ما قولتلك يا مدام في المرة اللي فاتت إنتي معندكيش مشكلة وجوزك معندوش مشكلة والتأخير في الحمل ده طبيعي.
لم تبد مقتنعة كليا بما فاه به فتأخر الإنجاب يزيد من الفجوة التي تشعر بها في حياتها مع زوجها خاصة مع انشغاله الدائم بالعمل وبقائها بالساعات بمفردها دون أن تفعل ما تملأ به وقت فراغها الممل. انتصبت بكتفيها وسألته في شيء من الإلحاح
طب ما فيش أدوية ولا أي حاجة محفزة تخليني أحمل!!
نفى ببساطة
إنتي مش محتاجة ده كله في الآخر بتاع ربنا سبحانه وتعالى.
اعترضت على عزوفه عن مساعدتها
بس أنا بقالي كتير متجوزة.
جاء رده منطقيا
في ناس بتقعد بالسنين ولما ربنا بيأذن بيحصل الحمل.
امتلأ وجهها بتعبير مهموم وسألته كحل أخير
طب هل في إمكانية أعمل حقن مجهري
تطلع إليها قائلا وابتسامة خفيفة قد برزت على ثغره
مافيش مشكلة اتشاوري مع جوزك وأنا جاهز.
نهضت بعدها من على المقعد لتخاطبه في ودية
شكرا يا دكتور.
حرك رأسه باهتزازة مقتضبة وهو يرد
العفو يا مدام.
غادرت العيادة وعقلها قد شرد يفكر في كيفية طرح هذه
المسألة الهامة وإقناع زوجها بسحب عينة منه لإتمام العملية. حررت زفرة ثقيلة عن صدرها لتهمهم مع نفسها في رجاء
يا رب توافق على الحل ده يا راغب.
وقفت بعدها على طرف الرصيف تنتظر قدوم سيارة أجرة شاغرة لتستقلها عائدة إلى منزلها وهي لا تزال مشغولة البال بهذا الأمر.
.............................................
في الباحة الخلفية للسجن حيث يجتمع السجناء عادة لتمضية أوقات الراحة بها والتسامر معا وتحديدا عند أقدم شجرة بهذا المكان تظلل الهجام أسفلها وأتباعه من حوله يحيطون به ليبدأ في إملاء أوامره الصارمة عليهم ونظرة لا تعرف الرأفة تطل من حدقتيه 
عينكم ما تتشالش عن زهير تلازموه طول الوقت والأهم إنه ما يخدش باله.
رد عليه أحد رجاله مؤكدا
اطمن يا كوبارتنا هو تحت الحماية.
تابع موضحا سبب شموله برعايته الشديدة
أنا عارف إنه خارج قريب من هنا بس هو لسه على قديمه مش زي ما أنا عايزه بيحسبها مليون مرة قبل ما ياخد خطوة...
بدت نبرته عميقة للغاية وهو يتم جملته
وفي دنيتنا ما بيعملوش حساب إلا للي قلبه مېت من زمان!
مجددا أخبره تابعه المخلص
احنا في ضهره مش هنسيب حاجة تمسه.
شدد مرة ثانية على اتباع أوامره بحذافيرها مشيرا بسبابته
المهم هو ما يحسش بحاجة.
رد عليه في طاعة
أوامرك يا كبير الهجامة.
أشعل بعدها سيجارته ليلتفت ناظرا إلى جانبه حيث لاحظ اقتراب أحد الضباط منه ومن ورائه أفراد قوة الشرطة وصل صوته إليه مناديا
يالا يا كرم هتترحل من هنا علشان نخلص إجراءات خروجك.
ألقى بسيجارته قبل أن ينتهي منها أرضا ودعس عليها بقدمه مرددا
ماشي يا باشا.
هلل أحد رجاله من الخلف ملوحا بيديه في الهواء عندما هم بالانصراف
هتوحشنا يا كوبارتنا.
لم ينظر تجاهه وقال مبتسما من زاوية فمه وفي شيء من السخرية
إنتو لأ.
على نفس المصطبة المتهالكة جلس كلاهما في استرخاء أحدهما يشعل الفحم في القصعة والآخر يعيد ربط المبسم في النارجيلة بعد تسليك مجراه من الشوائب. استطرد شيكاغو متحدثا وهو يحرك مروحة ورقية فوق الجمرات المتقدة
عصفورة جه يبلغنا إن كبير الهجامة طالع.
رد عليه حمص وقد أمسك بالملقط لينتقي أكثرهم سخونة ليضعها في موضعها على موقد النارجيلة
لازم الكل يكون في شرف استقباله.
وافقه الرأي مومئا برأسه
مظبوط.
بدأ شيكاغو في سحب أنفاسا متتالية منها ليختبر مدى جودتها بعدما ناوله رفيقه المبسم حرر الدخان في الهواء وسأله في مكر
أومال إيه حوارك مع سنجة
أجابه بغموض
مصلحة واتقضت.
أتى سؤاله التالي مباشرا
وعباس عنده علم بيها
لوى ثغره مرددا وهو يأخذ منه المبسم لېدخن
لأ والأفضل ما يعرفش إنت عارفه ياكل مال النبي.
لحظتها سأله شيكاغو في تبرم
ونصيبي فين
أجابه بامتعاض
هو إنت كنت فايق أصلا
ثم أخرج من جيبه قطعة شبه مربعة ملفوفة في ورق مفضض وضعها ڼصب عينيه قائلا بابتسامة عابثة
بس ما تقلقش أنا جبتلنا حتة حكاية للدماغ المتكلفة.
في التو اختطفها منه شيكاغو وتأملها بلعاب مسال ليردد بعدها في حبور
أهو ده الكلام.
ثم ضحكت بشكل رقيع ومفتعل لتضيف
دي هبلة.
رد عليها بوجوم ونظرة مخيفة تنبعث من حدقتيه
والهبلة تتعلم.
لم تظل مروة على جمودها كثيرا أولته ظهرها وهمت بالمغادرة لكنها تفاجأت به ينقض عليها ليمسك بها من كومة من شعرها صړخت من شدة جذبه في ألم
آه شعري.
أرجع رأسها للخلف وهمس بالقرب من أذنها في نبرة ټهديد صريحة
عايزة تطلعي من هنا وجب...
................................
مستعينا بإحدى وسائل النقل الصغيرة استخدم فهيم مركبة التوكتوك لنقل ما قام بتخزينه من متعلقات شخصية تخص عائلته في مخزن أحد رفاقه لوضعها في بيته الجديد كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة للتمكن من الدخول والتحرك بيسر عبر الأزقة والشوارع الضيقة. 
تذمر العمال من صعودهم مرارا وتكرارا
لعدة مرات حتى انتهوا كليا من نقل كافة الأشياء مما دفع فهيم لإعطائهم المال الإضافي كنوع من الترضية لهم. وجدت دليلة نفسها مضطرة لتوضيب كل شيء بجانب محاولتها للاستذكار فمن الصعب على والدتها إنجاز هذه الأمور بمفردها. اشتكت من استنفاذ طاقتها في رص أدوات الطهي في الدواليب بالمطبخ خاصة حينما طلبت منها أمها التوجه إلى غرفة النوم لطي الثياب ووضعها على الرفوف بالدولاب. 
قبل أن توشك على أداء مهمتها التالية قرع جرس الباب فأمرتها عيشة من الداخل
روحي شوفي مين جه.
هتفت في تبرم وهي تسير تجاهه
طيب حاضر.
ثم أمسكت بالمقبض وأدارته تطلعت دليلة إلى الضيفة الغريبة التي وقفت عند أعتاب الباب بنظرة حائرة فقد كانت ممتلئة الجسد متوسطة الطول وترتدي
قميصا منزليا يبدو فضفاضا في حالته العادية للم تبتسم لها وهي تسألها مستفهمة
أيوه مين حضرتك
رفعت المرأة يدها الأخرى الخالية لتضعها أمام فمها ثم أطلقت زغرودة عالية دون أي مقدمات لتهلل في ابتهاج
يا مرحب بالسكان الجداد أنا