فوق جبال الهوان


التضرع للمولى
استر يا رب عديها على خير.
دار في خلدها مهاتفة ابنتها الكبرى إذ ربما ذهب كلاهما إليها لكنها أعادت التفكير في الأمر فلا داعي لإصابتها بالتوتر. عجزت عن البقاء ساكنة في موضعها وواصلت التعبير عن قلقها
قلبي متوغوش ومش مرتاح.
حينما قرع الجرس انتفضت ركضا ناحيته وهي تهتف عاليا
أيوه يا اللي على الباب.
اعتقدت أنهما قد أنهيا ما ذهبا لأجله لكنها تفاجأت بوجود جارتها السمجة عند عتبة الباب انقلبت سحنتها وهمهمت بتجهم
ست إعتدال.
بوقاحتها المعتادة اقټحمت الصالة دون استئذان وأردفت قائلة في ودية زائدة عن الحد
حبيبتي يا عيشة لاقيت نفسي فاضية قولت أجي أخد بحسك شوية.
رغما عنها اضطرت لاستقبالها مرددة باقتضاب
تسلمي.
نظرت إليها إعتدال بتفرس وسألتها في فضول
إنتي كنتي مستنية حد ولا إيه
أجابتها بعبوس لا يمكن إخفائه
دليلة وأبوها.
في شيء من التحقيق علقت عليها جارتها
أه صحيح أنا شوفتها نازلة معاه من شوية وكانوا مستعجلين هو حصل حاجة لا سمح الله
اندهشت من ملاحقتها المستمرة لأخبار عائلتها وتدلى فكها للأسفل مرددة في نبرة ذاهلة
هه!
بطريقتها الخبيثة والماكرة ألحت عليها إعتدال لعلها تصل إلى غرضها وتشبع فضولها النهم لمعرفة ما تخفيه عنها
قوليلي يمكن أقدر أساعدك.
تهربت من منحها ما تريد معرفته بادعائها الزائف
لأ مافيش ناقصها حاجات في الكلية فأبوها بيجيبهالها.
لم تبد مقتنعة بما تقول ومع ذلك ردت راسمة على ثغرها ابتسامة صفراء سخيفة
وماله ربنا يخليه ليكم.
كم ودت عيشة لو استطاعت طرد هذه المتطفلة من بيتها لكنها اتخذتها وسيلة لإلهاء عقلها عن التفكير في أسباب تأخر زوجها وابنتهما.
.................................
بشكل غريزي التصقت دليلة بأبيها حينما أجبر الثلاثة على ركوب الحافلة الصغيرة حاولت أن تختطف نظرات سريعة عبر النافذة لتنظر
إلى الطريق المؤدي إلى هذا المكان القفر المسمى بالتبة العالية. مالت عليه وهمست له في أذنه بصوت شبه مرتجف ينم عن مشاعر الذعر المتفشية في داخلها
بابا هو احنا هيحصلنا إيه
رغم خوفه المعكوس على تقاسيمه المجعدة إلا أنه حاول بث الطمأنينة إلى نفسها فأخبرها بصوت خفيض وهو يربت على كف يدها
ماتقلقيش يا حبيبتي إن شاء الله كل حاجة هتتحل.
عبرت له عن شعورها دون مواراة
أنا خاېفة أوي.
مجددا بذل جهده لتخفيف ما ينتابها من أحاسيس طبيعية بقوله المؤكد
مټخافيش يا بنتي محدش هيقرب مننا.
قطع وعدا على نفسه بألا يسمح لأحدهم مهما كان يملك من قوة أو سلطان بفعل ما قد يضر بابنته وإن عنى بذلك الټضحية بحياته من أجل صغيرته المدللة.
مضت عدة دقائق وتوقفت الحافلة بداخل منطقة تبدو للوهلة الأولى مخيفة للغاية لمن هو غريب عنها انتصبت شعيرات جلد دليلة وتشبثت أكثر بذراع أبيها الذي حاول حمايتها وضمھا إلى صدره طوال سيرهما إلى الباحة الرئيسية المواجهة لبيت يبدو وكأنه منزل خاص بحاكمها الأوحد.
بالطبع تعلقت الأنظار الفضولية والمتسائلة بهم خاصة كلما عرجوا على جماعة مجتمعة فكانوا يهللون بالترحيب ب عباس في توقير قبل أن يميلوا على بعضهم البعض ليتهامسوا عنهم.
قلة قليلة فقط مضت تتبعهم لتعرف ما الذي يدور معهم.
أجبر الثلاثة على الوقوف أمام باب المنزل بعدما رأوا إشارة يد عباس المرفوعة إليهم في الهواء قبل أن يستدير ناحيتهم ليهتف في استمتاع وتشف
جه وقت الحساب.
هوى قلب دليلة في قدميها وكان حال والدها لا يختلف كثيرا عنها بالرغم من بذله الجهد ليبدو ثابتا وهادئا إلا أن فرائصه كانت ترتعد فمن هم على وشك مواجهتهم لا يقبلون بالغفران كخيار.
................................
في غرفة تشبه حجرة المكتب بسبب احتوائها على مكتب ضخم من خلفه رفوف وضعت عليها عشرات الكتب والمجلدات بجانب عدة أرائك جلدية وتبدو من موقعها معزولة عمن حولها من غرف لكنها كانت الاختيار الأمثل للشقيقين لجعلها حجرة للنقاش والترتيب لمخططاتهما بعيدا عن تلصص أو تربص المقربين قبل الغرباء بهما.
انفرد كرم بشقيقه الأصغر وسأله باهتمام بعدما أطفأ قداحته التي أشعل بها طرف سيجارته
في إيه يا زهير
جعد أنفه قليلا قبل أن ېلمس طرفه بإصبعه ليستطرد موضحا بنبرة لا تزال غامضة
حاجة خدت بالي منها معرفش إن كنت تعرف حاجة عنها ولا لأ.
رد عليه في اهتمام ونظراته بالكامل مثبتة عليه
رسيني على الحوار.
في نبرة جمعت بين الجد والهزل أجابه
الواد عصفورة شكله عصفورة.
سكت قليلا وكأنه يفكر في مغزى عبارته قبل أن يأتي رده محملا بالضغينة
أنا بقالي مدة مش مرتاحله.
أضاف زهير في نبرة جادة وهو يشير بإصبعه
سهل يتكشف ونعرف بينقل أخبارنا لمين.
هز رأسه بإيماءة موافقة فتابع الشقيق الأصغر كلامه إليه بهدوء
احنا نرميله معلومة ونشوف لو وصلت يبقى هو اللي حكم على نفسه بالقاضية.
لم يجادله على الإطلاق واستحسن اقتراحه متمتما
ماشي كلامك.
قطع خلوتهما الجادة أحد أتباعهم فدق على الباب قبل أن يلج إلى الداخل مستطردا بصوت شبه لاهث
يا كوبارتنا الريس عباس جه ومعاه صحبة.
تساءل كرم بحاجبين معقودين
مين دول
أجابه بعبارات مفهومة له
اللي بلغوا الدبابير عن سنجة.
فرك طرف ذقنه براحة يده في بطء وأصدر أمره الحاسم
خليه يتعامل وأنا شوية وطالع أشوف الحوار.
هز رأسه في طاعة قبل أن يعقب
تمام يا كبيرنا.
عاود بعدها الحديث إلى شقيقه فخاطبه باهتمام وهو يظهر هاتفه المحمول له ليطلعه على شيء بعينه
بص دلوقت احنا عندنا مصلحة مع آ....
انشغل كلاهما بالحديث الجاد عن إتمام مسائل أخرى أكثر أهمية من متابعة ذلك الأمر التافه والذي يمكن لغيره إكماله وإنهائه دون
الحاجة لمشورته.
...................................
فيما بعد راقبت الأعين الجامعة ما بين نظرات فضولية ونظرات مرتاعة ذلك التابع حينما عاد إلى موضع اجتماع عباس بالثلاثة الدخلاء وقف خلفه وهمس له بكلمات مقتضبة في أذنه
كبيرنا بيقولك اتعامل وهو هيخلص اللي وراه ويجيلك.
اتسعت ابتسامته اللئيمة مرددا وهو يفرك كفيه معا
زي الفل.
قرأ فهيم بحكم خبرته الحياتية الكبيرة ما ارتسم من علامات لا تبشر بخير على وجه ذلك اللئيم فبادر بمحاولة يائسة منه لحل المسألة دون أن تصل للمزيد من التعقيدات
يا أساتذة احنا آ...
قاطعه عباس قبل أن يتم جملته ساخرا منه بطريقة هازئة ومغيظة
أساتذة .. هأو هو إنت فاكرينا في مدرسة يا عم الحاج!
تحرج من طريقة إهانته الواضحة وقال وهو يحاول الحفاظ على ماء وجهه
ما أنا مش عارف أناديكم بإيه.
في شيء من الزهو أخبره وهو يضرب على صدره بتفاخر
أنا الريس عباس وإنت هنا في منطقة الكوبارة.
هز رأسه مرددا
ماشي يا ريس.
من جديد تكلم عباس بملامحه الممتعضة
وشوف بقى علشان ما نضيعش وقتنا...
اتجه بناظريه نحو دليلة وأشار إليها بإصبعه في لهجة مھددة
بتك غلطت ولازما تتحاسب على ده.
غريزيا اندفع فهيم خطوة للأمام ليقف أمام ابنته مشكلا بجسده حائلا بينها وبينه وهو يكلمه في نبرة عقلانية لعله يستوعب سوء الفهم
هي مكانتش تعرف إن الحرامي تبعكم.
لوى ثغره معقبا بنبرة متحاملة ضدها
موضوع سنجة كده كده هيتحل أنا بتكلم على إنها موالسة مع الحكومة علينا.
قطب جبينه مرددا
مش فاهم.
أوضح له مباشرة
بتبلغ عننا أول بأول.
لحظتها فقط خرجت دليلة عن دور المشاهد الصامت المذعور منذ بداية سخونة الأحداث لتقول في نبرة هجومية مدافعة عن نفسها بشجاعة لا تعرف من أين جاءتها
وده حصل امتى وأنا أعرفكم أصلا منين علشان أبلغ عنكم!!
التف والدها برأسه نحوها يحذرها
خلاص يا دليلة اسكتي.
مرة ثانية تكلم عباس موجها حديثه إليها على وجه الخصوص
رجالتنا عرفوكي يا حلوة أول ما ډخلتي القسم برجليكي ما هو اللي زيك بيتعلم عليه على طول.
اضطرت للرد والزود عن نفسها باستبسال غريب
وأنا مالي بيكم
ما لبث أن تحولت ملامحها للضيق الشديد وهي تتم جملتها بنزق
إنتو عاملين الحوار ده أونطة علينا!
وقتئذ غامت تعبيرات وجه كيشو وراح يضع يده على كتف فهيم ليضغط عليه قائلا في نبرة تحذيرية
لم بنتك يا عم فهيم كده هي بتولعها مش بتهديها.
وافقه الرأي في اندفاعها الأهوج وصاح بها يأمرها
اسكتي بقى يا دليلة هو أنا مش مالي عينك
اعتذرت منه في التو مبررة
أسفة يا بابا بس هو بيفتري عليا ظلم.
مرة أخرى تكلم فهيم ساعيا لتلطيف الأجواء
يا ريس عباس أكيد في سوء فهم في الموضوع ده احنا لسه جايين المنطقة قريب مالناش دعوة بحد وفي حالنا.
رد بسخط وعلى سحنته هذه التكشيرة المنزعجة
كل ده ما يخشش دماغي بمليم.
تكلم كيشو من فوره
طب قولنا يا ريس عباس نراضيكم إزاي
من جديد كرر فهيم اعتذاره
أنا محقوقلك يا ريس وشوف الترضية اللي تعجبك وأنا موافق.
أتته الفرصة على طبق من ذهب لفرض سطوته فقال بكلمات لا ترد
بص يا عم الحاج دية الليلة دي كلها علشان تخلص خمسيناية والنهاردة.
تطلع إليه بعدم فهم وكأنه أعطاه قطعة من الأحجية لحلها وليست عبارات واضحة يسهل عليه استيعاب مغزاها فردد بشكل تلقائي كأنما يستعلم عما نما إلى مسامعه
خمسيناية إيه
تولى كيشو دفة الكلام فأخبره مباشرة
خمسين ألف يا عم فهيم!
تدلى فكه للأسفل صائحا في ذهول مستنكر
إيه
كانت دليلة مثله على نفس الدرجة من الاستنكار لكن غيظها من تعنته ومحاولته إذلالهم جعلتها في أوج عصبيتها فلم تتمكن من ضبط انفعالاتها أو السيطرة على شعور الحنق الذي تفشى فيها لتصيح بصوت
مرتفع محتجة على إجحافه البين
ليه إن شاءالله دي بجاحة وسړقة عيني عينك!
بالكاد جاهد عباس لمنع نفسه من التطاول عليها فأطلق تحذيره الأخير لها
لولا إنك حرمة وأبوكي واقف قصادي يتذللي كنت عرفتك مقامك.
استفزتها طريقته فكزت على أسنانها في حنق وهمهمت بزمجرة غاضبة
إنت آ...
في التو تدخل والدها ليمنعها من مواصلة الھجوم اللفظي عليه وافتعال المزيد من المشاكل بتوسله المستتر
بالله عليكي تسكتي.
رأت نظرات الضيق تتجلى في عينيه فقالت ممتثلة لأمره رغم غليل نفسها المحتقنة
حاضر.
كټفت ساعديها أمام صدرها ونظرت إلى أبيها الذي عاد ليتفاوض مع عباس بشيء من الرجاء
يا ابني المبلغ كبير عليا وأنا راجل ظروفي على أدي صعب أدبر حاجة زي كده في وقت ساعته.
في قساوة واضحة أخبره
مالناش فيه.
تدخل كيشو مقترحا بحذر
طب ينفع يا ريس عباس عم فهيم يستسمح الكوبارة يقسطله المبلغ ده بردك راجل كبير وعلى المعاش وفاتح بيت وعنده ولايا.
لئلا يبدو منزوع الرحمة قال على مضض وهو يلوح بكف يده في الهواء
خلاص كلمه وهو صاحب الناهية فيه.
استحسن قبوله بالأمر فيما دمدمت دليلة بغيظ من بين أسنانها وبهمس
حسبي الله ونعم الوكيل.
وجه عباس أمره لأحد أتباعه بعدما فرقع بأصابعه
روح ياض شوف الكوبارة خلص اللي وراه ولا لسه مشغول واديله خبر باللي حاصل.
انصاع له مرددا قبل أن يهرول تجاه المنزل ليلج ويختفي بداخله
أوامرك يا ريسنا.
....................................
انتهى زهير من مراجعة الأعمال العالقة والتي دون ملاحظات عنها في هاتفه المحمول ليدسه في جيبه متطلعا إلى شقيقه الأكبر الذي راح يقول بحبور وهو يرمقه بهذه النظرة المتفاخرة
اتفقنا.
شدد عليه زهير بغير تساهل
ابعت اللي يخلص ويحط عليهم.
ربت كرم على كتف شقيقه متمتما بشيء من التشجيع
زي الفل.
دق التابع الباب مرة ثانية وولج إلى داخل الغرفة هاتفا في صوت لاهث
يا كبيرنا الراجل اللي جاي في حوار سنجة عايز يتكلم معاك.
تساءل كرم مستفهما وقد رفع حاجبه للأعلى
هو مش عباس بيخلص معاه
أخبره