فوق جبال الهوان


أكثر إصرارا على استعادة ما تملك بكل قوة وتصميم
مش توحيدة اللي تطاطي لحد أبدا!
..................................
على غير العادة حينما خرجت مروة من الحمام الملحق بغرفتها وهي تجفف شعرها المبتل بالمنشفة تفاجأت بوجود أكثر من تبغض مستلقيا بأريحية على السرير وكلتا يديه تتوسدان خلف رأسه فانفلتت منها شهقة عفوية
فقد عزف عنها منذ اللحظة التي أخبرته فيها بقدوم ضيفتها الشهرية لتنصدم بظهوره اليوم هنا وكأنه يذكرها بأنه لا مناص لها أو مهرب منه.
تطلع إليها كرم بعينين مهتمتين حيث ما زال جسدها رطبا من أثر الاستحمام بجانب شعرها المبتل المنسدل على جانب كتفها ظل على وضعيته الساكنة وسألها في تهكم مستخفا بهذا التعبير الذاهل المرسوم على كامل وجهها
إيه شوفتي بعبع
انخفضت يدها بالمنشفة وسألته في صوت مرتعش
إنت.. بتعمل إيه هنا
جاء رده متهكما وكذلك نظرته
هو إنتي ناسية إن دي أوضتي
يبدو أنها تناست حقيقة الأمر وظنت أن عزلتها وبقائها بعيدا عن أنظاره سيجعله يغض الطرف عنها إلا أنها كانت مخطئة! حلت بها رعشة أقوى عندما استطرد بغلظة
ولا تكوني مفكرة إنك خلاص عرفتي تضحكي عليا بحجتك إياها وإنها دخلت عليا..
ارتاعت منه وتراجعت للخلف بعدما ألقت بالمنشفة من يدها خاصة حينما وجدته ينهض من رقدته ويتجه إليها بخطاه البطيئة وهو يكلمها
ده أنا سايبك يا قطة بمزاجي..
حصرت عند الزاوية وأصبحت أبعد ما يكون عن الخلاص منه جذبها تجاهه ولم تستطع الإفلات منه لكزته في صدره بقبضتيها ومع ذلك لم يبد مباليا. أبعدت وجهها عنه عندما خاطبها
وأنا النهاردة مزاجي رايق ونفسي في الحلو.
توسلته في استجداء يائس
ابعد عني.
ضحك مستهزئا بها وقال
وأنا عايز أقرب
نظرت إليها ببغض أشد قبل أن تنعته
بكرهك إنت مش بني آدم.
صړخت في صدمة عندما انحنى ليحملها بين ذراعيه وصوته يرن في أذنها
عارف وتعالي بقى أما أفكرك أنا مين بالظبط يا مدام!
...................................
امتعضت ملامح حمص بشكل ملحوظ وهو يتذوق طعم التبغ الزهيد في جوفه فأطفأ ما تبقى منها تحت قدمه ونظر إلى رفيقه بتأفف قبل أن يوبخه
ما تغير أم السجاير التعبانة دي!
سخر شيكاغو منه قائلا
المرة الجاية هجيبلك مستورد.
حك حمص طرف ذقنه وأشار له بيده هاتفا
طب اطلبنا اتنين شاي في الخمسينة نظبط دماغنا بيهم.
جاء تعقيبه فيما يشبه أحلام اليقظة
مافيش حاجة تظبط دماغنا غير حجرين معسل متلغمين.
سرعان ما تحولت أنظارهما معا تجاه عربة الربع نقل التي تباطأت سرعتها بالقرب منهما ما أثار ريبتهما هو وجود عدة رجال على ظهرها المعدني يستعدون للترجل منها ومن خلفهم جاءت سيارة أخرى هبط منها أحدهم ومعه رجل كبير في السن. وقتئذ تأهب الاثنان في جلستهما وبادر حمص بالتعليق
الظاهر في عوأ هيحصل!
ثبت شيكاغو ناظريه على أحدهم وتكلم وهو يتعمد التواري عن الأنظار
مش الواد ده تبع العترة
تساءل حمص باسترابة
هو باعت ناضورجي ولا إيه
رد عليه مؤكدا ظنونه
الظاهر كده.
في التو انتقل لسؤاله التالي بتحفز
طب إيه الكلام
جاء رده مباشرا
بلغ الريس عباس أوام!
وجب.
ردد هذه الكلمة الموجزة قبل أن يختفي عن الأنظار وهاتفه قد وضع على أذنه فيما بقى شيكاغو في موضعه يرتكن بظهره على الحائط ومراقبا عن كثب لما يدور.
..........................................
أوشكت شمس العصاري على المغيب فولج فهيم إلى داخل غرفته ليأخذ
قيلولته بعدما تناول طعام الغداء في حين جلست دليلة على الأريكة تتطلع حينا إلى ما يبثه التلفاز وفي أحيان أخرى إلى شاشة هاتفها المحمول.
تنهدت عيشة في أسى وخاطبت ابنتها وهي تطوي الثياب الجافة وترصها فوق بعضها البعض
أختك صوتها مكانش عاجبني....
رفعت عينيها عن شاشة هاتفها المحمول وحدقت فيها وهي تكمل كلامها إليها
عايزين نتفق معاها نزورها في يوم ده بعد ما تقول لجوزها علشان ما يحصلش زي المرة اللي فاتت.
ردت بنبرة عادية
تمام يا ماما.
ما لبث أن انتفضت في جزع عندما سمعت الدقات العڼيفة على باب المنزل بينما هبت عيشة واقفة لتهتف في استنكار
مين بيخبط على الباب بالشكل ده
قبل أن تتقدم خطوة واحدة لتتفقد الطارق تفاجأت بالباب يفتح على مصراعيه فارتدت عائدة للخلف وصړخت پذعر وهي تلطم على صدرها
يا نصيبتي! إنتو مين!!!
التصقت دليلة بظهر أمها وحملقت في هؤلاء الغرباء الذين تسربوا للداخل تباعا بوجل شديد فكل شيء في هذه اللحظات الحرجة بدا على الحد الفاصل بين الحلم واليقظة استدركت حقيقة ما يحدث هم جماعة غوغاء اقټحمت المنزل بشكل سافر لتجعلهم محاصرين بداخله .. عفويا صړخت عاليا مستنجدة بأبيها
بابا الحقنا يا بابا!
على إثر ذلك الصوت المدوي خرج فهيم من الداخل مرتديا منامته حدق بذهول في هؤلاء الوقحين الذي تجرأوا على اقټحام بيته دون سابق إنذار وهدر فيهم
هو إيه اللي بيحصل هنا إنتو مين!!!
سرعان ما اختفت دهشته وحلت تعابير الاستنكار على كامل ملامحه عندما ظهر أحدهم من المؤخرة متقدما تجاهه نطق باسمه مصډوما
درويش!!!
وقف الأخير قبالته ووجه إليه موجة من اللوم والاتهام
بتتفق مع جماعة الهجام ضدي يا فهيم أل يعني بكده بتتحامى فيهم
استهجن بشدة ما يقوم به وصاح فيه بغيظ
اللي إنت بتعمله ده ما يصحش يا درويش.
من الوراء هتفت دليلة وكأنها تبحث دوما عن وسيلة لإقحام نفسها في المشاكل
أنا هطلب البوليس.
قبل أن تضغط على زر الاتصال حذرها درويش بغلظة
سيبي اللعبة اللي في إيدك دي يا بت بدل ما أكسره على دماغك.
اشټعل وجهها ڠضبا منه وقبل أن ترد عليه هتف والدها عاليا
ملكش دعوة ببنتي ولا مراتي كلمني أنا!
ثم خاطبها بلهجته الآمرة وهو يشير بيده إليها
خدي أمك وخشي جوا واقفلوا عليكوا الباب.
اعترضت على تركه بمفرده وسط هذه العصبة من الأشقياء
بس آ...
أسكتها بإصراره
من غير بسبسة خشوا جوا!
جرجرتها عيشة معها وهي تهمس بصوت مرتعش
تعالي يا بنتي استرها علينا يا رب!
على مضض تركهما درويش يختبئان بالداخل ليصبح في مواجهة غريمه الذي كان يرمقه بنظرات ڼارية مستنكرة واڼفجر صارخا فيه
طب خليك راجل وواجهني بدل ما تبعت عيل سيس يفرد عضلاته عليا حتى علشان تكبر في نظر حريمك.
رد عليه مبررا تصرفاته
ما أنا كلمتك بالذوق وطلبت حقي وإنت مارضتش تدهوني.
نظر لها باستحقار قبل أن يخبره بعناد
ولا هتاخده مني عافية كمان!
قبل أن يتفاقم الوضع أكثر
من ذلك انضم إليهم خصومهم الأشداء واقتحموا المنزل بكل عدتهم وعتادهم وكان على رأسهم زهير فتقدم الصفوف هادرا بصوته المجلجل
طب مش تقولوا إن في حفلة هنا حتى على الأقل نقوم بالواجب ..!!!
يتبع
مفاجأة غير متوقعة على الإطلاق أن يجتمع كل هؤلاء المتشاحنين في منزله وكأن صالته قد تحولت إلى ساحة معركة تستعد فيها القوات على الجانبين لإشارة بدء الاقتتال. تقدم زهير في خطاه حتى بات في مواجهة درويش فاضطرت ملامح الأخير وتوترت نظراته خاصة مع رؤيته للهيئة المتأهبة التي جاء بها إلى هنا فيما يبدو وكأنه ينتوي الانقضاض عليه. عفويا ردد لسانه في شيء من الذهول والتوجس
معلم زهير!
رد عليه بنبرة تهكمية وهذه النظرة الهازئة تطل من حدقتيه
بشحمه ولحمه...
ثم فرقع بإصبعيه ملقيا بأمره الصارم على أتباعه الذين اتخذوا مواضعهم حول رجال درويش وكأنهم يفرضون طوقا محكما عليهم
خدوا الواغش دول ونزلوهم لتحت.
أوشك درويش على النطق بشيء ليبدي احتجاجه على تسلطه لكن أخرسه زهير بسؤاله المتحفز وهو يرفع يده أمام وجهه
عندك اعتراض يا حاج
على مضض قال وقد انقلبت سحنته بشدة
لأ بس إنتو كده بتفتروا جامد وناسيين أنا تبع مين!!
في أقل من لحظات تم إخلاء صالة المنزل من الجميع فيما عدا صاحبه وضيفيه المتناحرين. 
ضحك زهير ساخرا من درويش قبل أن يستطرد مرددا بجدية تامة وهذه النظرة المخيفة تطل من حدقتيه
قول للعترة حبيبك أنا مستنيه وهو عارف يلاقيني فين!
ثم دنا منه ومال برأسه عليه ليهمس بالقرب من أذنه
ولو اتكرر تاني إنك جيت هنا هخسرك رجليك!
بهتت تعابير درويش مصعوقا برزت عيناه بشدة وسأله في غير تصديق
إنت بتهددني
بثقة عجيبة أخبره دون أن تهتز عضلة من وجهه القاسې
أنا ما بهددش اللي بأمر بيه بيتنفذ على طول!
غلت الډماء في عروق درويش وعجز عن الرد عليه فما كان منه إلا أن الټفت إلى فهيم ليصب جام حنقه عليه
إنت كسبت عداوتي يا فهيم فما ترجعش تزعل.
اغتاظ زهير مما اعتبره تجاهله لما يفوه به فوضع يده على كتفه يأمره
بصلي هنا الكلام معايا أنا.
نفض درويش قبضته بعيدا عنه وقال في وجوم ممزوج بضيق
لا إنت ولا غيرك يا معلم!
ثم انصرف بعدها مبرطما بحنق
ماټ الكلام.
شيعه زهير بناظريه وقال باستخفاف
حلو نشوف هنطلع على قبر مين الأول نقراله الفاتحة.
ما إن غادر درويش حتى الټفت نحو فهيم الذي بدا مهزوزا وهو يحافظ البحث عن لفظة البدء لشكره على ما اعتبره مجازا معروفه معه
أنا .. آ..
أشار له زهير بيده قبل أن يخاطبه رافعا عنه الحرج
ما تقولش حاجة..
ازدرد الأخير ريقه في حلقه الجاف وتكلم بتردد
كتر خيرك يا معلم أنا مستعد أدفع تمن حمايتك لينا وآ...
أجبره على
ابتلاع باقي جملته المتذللة بقوله المتجاهل له حينما خاطب أحد أتباعه الأشداء ممن انتظر على البسطة
إنت ياض ..
جاء إليه على الفور فأمره
شوف نجار يصلح الباب ده.
امتثل إليه مرددا وهو يومئ برأسه
حاضر يا كبير.
عاود زهير التطلع بعدها إلى فهيم فدنا منه إلى أن وقف قبالته تماما رفع يده للأعلى وربت على كتفه قائلا بنبرة غامضة جعلت بدنه يقشعر
لسه الكلام بينا جاي!
استشعر الخطړ من طريقته غير المريحة في الحديث ومع هذا لم يجرؤ على التفوه بشيء وظل متسمرا في موضع وقوفه ينظر إليه بقلق وريبة. 
دار زهير ببصره في الأرجاء محاولة رؤية دليلة لكنها لم تظهر مطلقا فبدا منزعجا قليلا وغادر فجأة دون قول شيء تاركا بعض أتباعه في المكان للتأكد من إعادة كل شيء لوضعه السابق.
ظلت عيشة حبيسة الغرفة مع ابنتها تتضرع إلى المولى أن يمضي الأمر على خير وألا تقع العائلة في مزيد من المشاكل بالكاد حافظت على رباطة جأشها ريثما جاء إليهما فهيم فأقبلت عليه تسأله على الفور
إيه اللي حصل ومين دول وهما لسه
برا
بدأ بالإجابة على سؤالها الأخير
لأ مشوا...
انتظرت أن يكمل باقي أجوبته لكن النظرة المهمومة التي تكسو وجهها أوحت بالكثير جلس على طرف الفراش ووزع نظراته بين زوجته وابنته ليستطرد
الليلة كبرت أوي يا عيشة وأنا حاسس إني عاجز ومش قادر أعمل حاجة.
لطمت على صدرها مرددة
يا لهوي!!
تجمدت نظرته العاجزة على ابنته مكملا بتوجس أبوي متزايد
وبقيت خاېف أكتر على دليلة!
جملته تلك جعلت قلب عيشة يقذف في ړعب فقد احتوت على تلميحات متوارية باحتمالية تعرضها الإيذاء كوسيلة للاڼتقام منه بطريقة مسيئة للسمعة والشرف. سألته دليلة في خوف
قصدك إيه يا بابا
لم يجبها فهيم وشرد لهنيهة في أفكاره ليحسم أمره في النهاية بعزم شديد
إنتي لازما تمشي من هنا.
وافقته زوجته الرأي وقالت بتصميم
من صباحية ربنا هتروح عند إيمان.
زاد عليها بحديثه
وأنا هسافر عند عمتها أرتب معاها قعادها عندها.
كانت دليلة غالبية الوقت تصغي إليهما دون مقاطعة إلى أن قررا تغيير