فوق جبال الهوان


كل قاطني المنزل بمن فيهم مروة التي وقفت في الخلفية تحتمي بأظهر النساء وهي تدعو الله في نفسها ألا يراها ذلك المهيب.
جلس كرم على الأريكة مسلطا ناظريه على توحيدة الجالسة في مواجهته ومن خلفها عباس الذي كان يربت على كتفها بترفق عم الصمت إلا من أصوات تنفس الجميع ليقطعه زهير متسائلا في نبرة تحقيقية 
الهوجة دي من إيه
تلبكت توحيدة في جلستها وشعرت بالقلق فتلك المسألة الخطېرة التي أقدمت على فعلها كانت بأمر مباشر منها ودون علم عائلة الهجام.
من تلقاء نفسها تولت خضرة الإجابة لعلها ترفع الحرج عن ربة عملها
البت اتلحست في مخها.
لحظتها نهرها كرم في صوت أجش غليظ
حد وجهلك سؤال
اعتذرت في التو مهابة منه
أسفة يا كبيرنا مش هيحصل أفتح بؤي تاني.
راح كرم يشير بإصبعه نحو رجلين من أتباعه ممن كلفهم بمهمة البقاء في المنزل والمساعدة ليوبخهما في حدة
والدلدول ده فايدته إيه واللطخ ده كمان
جاء تعقيب زهير كالأمر النافذ
يتغيروا كلهم.
في التو أيده شقيقه الأكبر بغير مراجعة أو نقاش
ده اللي هيحصل.
بادرت توحيدة بتقديم فروض الامتنان والولاء لزعيم المنطقة ولتهرب في نفس التوقيت من الإجابة على السؤال الذي طرح مسبقا
كتر خيرك يا كوبارتنا لولا إنك جيت في الوقت المناسب كان زماني مع الأموات.
لم يكن زهير بالشخص الساذج لتظن أنها قادرة على مراوغته والتحايل عليه ثبت عينيه عليها معيدا تكرار سؤاله بصيغة أخرى
ما قولتيش برضوه هي عملت كده ليه
ازدردت ريقها وقالت بصوت مهتز وهذا التعبير القلق يحتل كافة تعابير وجهها
مخها طاقق بعيد عنك.
علق عليها كرم بنظرة نافذة
بس هي قالت إنها السبب في مۏت ابنها.
هربت الډماء من وجهها
فبدت بشرتها أكثر شحوبا وهي تجيبه
وده كلام يتصدق يا كوبارتنا
شك أنها لا تزال تلف وتدور محاولة عدم منحه الإجابة المباشرة فاتجه بسؤاله إلى تلك المسجاة على الأرضية يسألها
انطقي يا بت هجمتي على ستك ليه
من بين دموعها الغزيرة أجابته
هي حرمتني من ابني ..
نفت في الحال تلك المصېبة التي ألصقتها بها وقد هبت من مكانها لتتجه إليها في غيظ وحقد
مش أنا وربنا.
قام عباس بإبعادها عنها لينظر إلى امرأته باستنكار وحيرة فمن النادر أن تخفي عليه شيئا واليوم هو كغيره يستمع إلى کاړثة حدثت كتلك وللمرة الأولى ولا خلفية له عنها فكيف يمكنه الدفاع عن تورطها في الأمر من عدمه!
تركها زهير تكمل مسرحيتها المكشوفة بادعاء الانفعال والڠضب دون أن يمنعها من مواصلة الافتراء على هذه المكدومة المكلومة والتي فقدت وعيها في النهاية تأثرا واعتدل في جلسته مستطردا باهتمام
لأ أفهم بقى الحوار من أوله.
سكتت وعجزت عن الرد فأمرها شقيقه كرم بلهجته التي لا ترد
توحيدة انطقي واحكي اللي حصل بالظبط وأحسنلك تكوني صادقة معايا بدل ما أقلب عليكي.
أصبحت محاصرة بين مطرقة وسندان عليها أن تبوح الآن بما ظنت أنها وأدته مع من لم يقترف ذنبا في هذه الحياة التي لا تمنح الرحمة أو الشفقة للضعفاء.
عاد فهيم إلى المنزل واستقبل ابنته الكبرى بكل محبة أبوية وسعادة سرعان ما تحولت إلى توتر واستنكار عندما علم بما صار معها أثناء بحثها عن وسيلة مواصلات لتقلها إلى منزلها وذهابها إلى قسم الشرطة لتحرير محضر بواقعة السړقة وما أتبع ذلك من ادعاء دليلة بأنها من تعرضت للأمر تجنبا لڠضبة راغب المتوقعة بينما صاحت عيشة في لوم واستعتاب
بقى كل ده يحصل واحنا معدناش خبر إيه عدمتيني أنا وأبوكي
أخبرتها دليلة في شيء من العناد
أنا كنت عايزة أتصرف بسرعة علشان أكسب وقت.
ضړبت والدتها كفها بالآخر مرددة في تذمر وتبرم
هو ده اللي خدناه من الحتة الفقر دي كل يوم والتاني في القسم.
ردت عليها ابنتها الصغرى باستغراب مستنكر
احنا المظلومين يا ماما.
بعد تفكير مترو تحدث فهيم وهو يشير بيده
خلاص يا عيشة هي اتصرفت صح.
استهجنت للغاية تقبله لما اعتبرته تصرفا مليئا بالرعونة وصاحت
بتهاودها يا فهيم
قال بمنطقية بحتة
يعني تتسرق وتسكت البلد فيها قانون.
من داخلها شعرت دليلة بالاعتزاز والسرور لكون والدها يدعمها على الدوام طالعته بنظرات فخورة وهو لا يزال يتحدث مؤيدا لموقفها
وكويس إنها اتعرفت على الحرامي بكرة البوليس يمسكه ويرجع اللي سرقه ويتحاسب كمان.
على عكسه بدت عيشة متوجسة خيفة من تبعات ذلك وراحت تمتمت في غير رضا
ربنا يستر من اللي جاي!
ثم توجهت بكلامها إلى إيمان فسألتها في قلق
وإنتي يا فالحة هتتصرفي إزاي لو جوزك عرف بالحقيقة وخصوصا لما يلاقي إن البلاغ متقدم في القسم اللي نواحينا!!
ردت عليها بتوتر
طب ليه نقدر البلاء قبل وقوعه
حذرتها بجدية
احنا مش ناقصين مشاكل معاه ده بيتلكك.
اغتاظت دليلة من محاولة اختلاق الأعذار لتبرير تصرفات زوج شقيقتها الفظة ووجهت اللوم إليه
هو السبب ماهو لو مكانش مانعنا نروح لها مكانش ده حصل.
قطب فهيم جبينه في استغراب فلاحظت عيشة التغيير الحائر الذي طرأ على قسماته فكزت على أسنانها تنذرها
خلاص بقى يا دليلة!
استرعى كلامها الأخير انتباهه أكثر فتساءل مستفهما وهذا التعبير الغائم لا يزال يكسوه
يعني إيه مانعكم أنا مش فاهم.
لحظتها انزعجت عيشة أكثر من اندفاعها ووبختها
عاجبك كده يا فالحة
ألح فهيم في معرفة الحقيقة متسائلا
إنتو مخبيين إيه عني اتكلمي يا إيمان!
تلبكت وهي تحاول الهروب من إجابته
مافيش حاجة يا بابا.
صاح في غير صبر
ما ترسوني على اللي حاصل من ورايا.
تبادلن نظرات مترددة
حائرة فيما بينهن انتهت بإخباره بتفاصيل ما جرى في وقت سابق.
فور أن تم اقتياده لقسم الشرطة تم التعامل معه بالأسلوب الذي يستحقه أمثاله من اللصوص ومعتادي السرقات ليتجه بعدئذ إلى غرفة مكتب ضابط المباحث حيث تولى التحقيق معه في مسألة السړقة بالإكراه. أنكر سنجة الأمر برمته هاتفا في استعطاف زائف
يا بيه أنا غلبان ماليش دعوة بحاجة.
رد عليه بجدية وهو ممسك بقلمه الحبري بين أصابعه
الضحېة قالت عن أوصافك واتعرفت عليك وطلعت صورتك إنت بالذات من وسط المجرمين.
هتف مؤكدا كذبته الملفقة
أكيد مزقوقة عليا.
صاح به مستهجنا وفي شيء من الھجوم
ده على أساس إنك ماشي جمب الحيط وفي حالك ده إنت سوابق ياله!
استمر سنجة على نهج الإنكار مرددا
يا بيه ما إنتو مسكتوني ومكانش معايا حاجة.
جاء رده منطقيا
تلاقيك اتصرفت فيها هو إنت هتغلب!
تمسك بإنكاره الكاذب
مظلوم يا باشا!
ضغط الضابط على زر الجانبي المعلق في الدرج العلوي من مكتبه ليسمع كلاهما طرقات على الباب قبل أن يفتح ويلج الصول صادق للداخل أمره الأول في صرامة
خده واعمله فيش وتشبيه واستدعي اللي بلغت عنه خلينا نكمل إجراءاتنا.
أدى له التحية العسكرية مرددا
تمام يا باشا.
ثم قبض على ذراع سنجة وجذبه معه إلى خارج الغرفة وهو يلقي عليه تبعات عقۏبة السړقة ليصبح الأخير أكثر ضيقا واستياء.
اعترض طريقهما أحد المخبرين ممن يدينون بالولاء لعائلة الهجام فادعى اهتمامه بالمساعدة فاستطرد وهو يلصق هذه الابتسامة السخيفة على محياه
سيبهولي يا صول صادق أنا هتعامل مع المچرم ده وريح إنت الحكاية مش مستاهلة تتعب علشان واحد زيه.
بالنسبة له كانت مسألة عادية فلم يكترث كثيرا للتأكد من إنجازها بنفسه لهذا لم يشك للحظة في الأمر وقال وهو يلوح بإصبعه في وجهه
طب انجز وجبهولي لما تخلص علشان نحطه في الحجز.
هز رأسه قائلا في امتثال وطاعة
أوامرك.
أمسك به المخبر وسحبه معه إلى إحدى الغرف الجانبية ليتمكن من محادثته سرا فتساءل سنجة مستفهما باندهاش مستنكر
الدنيا إيه الحوار ده مش هيتلم
رد عليه بصوت خفيض وحذر
بص الباشا بتاعنا مش هيسكت وهيوديك النيابة.
سأله في قلق
والعمل إيه
أجابه بعدما اختطف نظرة سريعة نحو الخارج
لازما الحوار يخلص من طرف البت وتنكر إنك اللي سرقتها.
فرك طرف ذقنه بيده وتساءل في تحير
طب ودي أوصلها إزاي
ومضت عيناه بهذه اللمعة الغريبة وأخبره باسما في لؤم
بسيطة بس كأنك متعرفش مني.
وكأنه أعطاه المخرج من مشكلته العويصة فبادله الابتسام قائلا في حبور
زي الفل وحلاوتك محفوظة.
استحسن كثيرا وعده بالعطايا وردد
اتفقنا.
بعبارات شبه موجزة سردت توحيدة تفاصيل الواقعة ليشعر كرم بالاستياء العارم من تصرفها الشنيع وما زاد من إحساسه بالحنق هو جهله التام بالأمر ولولا حالة الجنون التي سيطرت على هذه المرأة لما عرف من الأساس عنه ولطمر مع غيره مما يجهل به. اعتبر ذلك استخفافا به وتحقيرا من سلطانه وسطوته فهدر بصوت صادح جعل أبدان الجميع تهتز
بقى كل ده يحصل وأنا معنديش خبر طرطور معاكو ولا إكمني كنت محپوس فإيدي مش هتطولكم
حاول عباس تخفيف حدة انفعاله مرددا
متقولش كده يا كبير ده أنا عينك برا وجوا.
سلط نظراته الڼارية عليه ووجه إليه موجة من التقريع القاسې بترديده المستهزئ به
ولما إنت عيني يا فالح كنت فين وقت ما ده تم وحصل مش إنت دراعي اليمين ولا معدتش ليك لازمة مش معمولك اعتبار من الهفأ اللي تحت إيدك!!!
دافع عن نفسه بحرج
وربنا يا كبير ما كنت أعرف الحوار ده اتعمل من ورايا.
زاد من إهانته بقوله المستحقر
استغفلوك لأنك حمار...
نكس عباس رأسه في خزي فتابع كرم كلامه إليه متوعدا
بس هتتحاسب على تقصيرك.
لم يجرؤ على
التعليق ولاذ بالصمت بينما تحدث زهير في تحفز
وإنتي يا توحيدة من امتى بنعمل كده في العيال!
ارتجفت وهي تحاول التبرير عله يصفح عنها
أنا قولت للواد سنجة يتصرف يحطه عند باب جامع يوديه ملجأ مجاش في بالي إنه آ...
قاطعها قبل أن تنهي جملتها للأخير هادرا بصيحة جعلتها تنتفض في جلستها
ولا كلمة زيادة ما ليها حق تتجن عليكي دي أقل حاجة يا ..!
تساءل كرم بنبرة جوفاء مانحا شقيقه الحق الكامل في اتخاذ القرار النهائي لهذا الأمر
رأيك إيه يا زهير
تجول بناظريه على كل من توحيدة ووزة لينطق بعدها بهدوء مصدرا حكمه النافذ
البت وزة يتجوزها عباس وتحمل منه تاني وتجيب عيل بدل اللي راح منها.
لحظتها صړخت توحيدة لاطمة على صدرها في استنكار عظيم
يا نصيبتي!
ابتسامة انتصار لاحت على زاوية فمه قبل أن يتابع بما أشعل نيران الغيرة أكثر داخلها
خدي التقيلة بقى ليها نفس مكانتك هنا في البيت يا توحيدة! تؤمر وتنهي في الحريم.
شهقت مصعوقة وهتفت مستهجنة ما اعتبرته حكمه المجحف
نعم ليه كده يا سي زهير إنت بتيجي عليا أوي
سدد لها نظرة أرعبتها وسألها في وجوم
مش عاجبك كلامي وبتعارضيني
قالت بصوت مخټنق نسبيا ووجهها قد اشټعل بحمرة الحنق
لا عاش ولا كان اللي يعارضك بس ده ظلم.
استرخى في جلسته
أكثر ووضع ساقه فوق الأخرى متابعا ببرود
خلاص رجعيلها ابنها ونحاسبها احنا بطريقتنا على غلطها.
لم تستطع النطق بشيء فاستطرد في استهزاء
شوفتي إنك عاجزة إزاي
مجددا تحدث كرم في قوة وصرامة مظهرا كامل دعمه لشقيقه
كلام أخويا زهير يمشي على رقبة الكبير قبل الصغير واللي مش عاجبه يجيلي وأنا أريحه.
لم يملك أي من الحاضرين الشجاعة للاعتراض على الشقيقين فأصدر زهير أمره غير المردود
خد مراتك الجديدة يا عباس.
هز رأسه في طاعة وقد هم بالتحرك صوبها
أوامرك يا ريس زهير.
اغرورقت عينا توحيدة بالدموع وكبتت غيظها المشوب بغيرتها المتأججة مرغمة فمن تعشقه يتجه لأخرى ليتزوجها في العلن وعلى حساب كرامتها