فوق جبال الهوان


نمط حياتها فجأة لهذا تساءلت في تحير قلق
وكليتي ودراستي
أخبرها والدها بصوته الجاد رغم رنة الخۏف المتسللة إليه
هنعملك أجازة مرضي وتبقي تيجي على الامتحانات.
هزت رأسها موافقة بينما تكلمت أمها مؤيدة إياه
بالظبط كده أي حاجة فيها مصلحتك وبعدك عن الليلة دي كلها هنعملها.
علق عليها فهيم مومئا برأسه
خلاص توكلنا على الله!
تخلل إلى وجدان دليلة شعورا بالارتياح بالرغم من الهواجس التي تؤرقها عن هذا الصراع الذي تورطت فيه بلا داع إلا أنها كانت واثقة تماما من سعي أبويها لدعمها وحمايتها بشتى الطرق!
بالطبع لم تكن كل الأطراف راضية عن مثل هذه القرارات الفجائية والمصيرية ومع ذلك أرغم راغب على السير مع التيار والقبول بمكوث شقيقة زوجته لعدة أيام في مقابل مادي مجز لكن ذلك لم يمنعه من الشكوى والتذمر من وجودها خاصة أن الأمر أصبح ممتدا لما يقرب من الأسبوع فهسهس في تبرم وهو يبدل ثياب العمل بأخرى مريحة بعدما عاد إلى بيته 
شكل أختك هتطول في أعدتها هنا!
علقت إيمان سترته على المشجب وطوت قميصه تمهيدا لغسله وهي تخاطبه بتعابير مستاءة من تحامله الزائد على والدها رغم مساهمته المادية في نفقات شقيقتها لئلا تكون عبئا عليهما
معرفش لسه يا راغب بس هما يومين تلاتة بالكتير كمان لحد ما تروح عند عمتي.
ردد في سخط
أبوكي شكله هيطلع بؤ وأختى هتبرشط هنا.
لملمت جواربه الملقاة بإهمال عند طرف الفراش وعقبت بهدوء
معلش يا حبيبي استحمل شوية مش فاضل كتير.
سدد لها نظرة حادة ولم يقل شيئا واتجه إلى الحمام الملحق بالغرفة ليغسل وجهه وكفيه فأخبرته وهي تحضر المنشفة له
دقايق والأكل هيكون جاهز.
شدها منها وجفف ما ابتل منه ثم ألقاها بغير مبالاة على الأريكة ليستلقي بعدها على الفراش وضع يده خلف رأسه وحدق في بقايا أثرها بعدما غادرت الغرفة وهو يغمغم مع نفسه بنقم
حاجة تخنق بجد الواحد مش عارف ياخد راحته في بيته.
ثم أطلق سبة خاڤتة وتمطى بذراعيه منتظرا نداء زوجته للنهوض وتناول الطعام.
على الجانب الآخر حاولت دليلة قدر المستطاع ألا تكون مصدرا للإزعاج لشقيقتها وزوجها فانزوت في غرفة الأطفال غالبية الوقت لا تخرج إلا للذهاب إلى الحمام الصغير أو المساعدة في ترتيب المنزل وطهي الطعام حينما لا يكون راغب متواجدا بالبيت تجنبا لتعليقاته السخيفة وتلميحاته المستفزة. كالعادة تلقت مساء مكالمة هاتفية من والدتها قبل أن تذهب للنوم لتفقد أحوالها فسألتها عيشة في اهتمام
مرتاحة عندك يا حبيبتي 
زفرت مليا وادعت كڈبا
أيوه يا ماما الحمدلله .. كله تمام.
تابعت أمها الحديث في جدية
أبوكي عند عمتك وإن شاءالله لما يرجع هيوديكي عندها.
مررت دليلة يدها في خصلات
شعرها المنسابة على الوسادة وسألتها
بس مش هتقل عليها هي عندها عيالها وجوزها!!
سمعت صوت تنهيدة أنفاسها قبل أن تخبرها
ده وضع مؤقت لحد ما الغمة تنزاح.
تنهدت مثلها وردت
ربنا ييسر.
عادت عيشة تسألها في اهتمام
هتروحي كليتك بكرة
أجابتها وهي تلقي نظرة تلقائية على المظروف الورقي الموضوع على طرف الكومود الملاصق لها
أيوه هقدم الورق اللي بابا خلصه بتاع الأجازة المړضي علشان غيابي عن المحاضرات.
هتفت والدتها تضيف في ارتياح
الحمدلله إننا نعرف حد في الصحة وإلا كان زمانا في حيص بيص.
عقبت عليها ابنتها بسخط
ما هو كله ماشي بالواسطة اليومين دول.
استطردت والدتها تخبرها بشيء من التوصية
بقولك خلي جوز أختك يوصلك رجلك على رجله.
امتعضت قسمات وجهها وسألتها في وجوم
طب وهو عارف ده
في التو أكدت لها
أبوكي موصيه ومقبضه كمان.
جاء تعليقها في شيء من الازدراء
على الله يتمر!
ردت عليها أمها
أدينا بنعمل اللي علينا معاه وكله علشان أختك تكون مبسوطة.
همهمت بغير اقتناع
أتمنى ده.
واصلت الحديث معها عن أمور شتى إلى أن سمعت رنة أشبه بالضجيج تعلن عن قرب انتهاء شحن بطاريتها فاختتمت والدتها معها المكالمة بتوصيتها المتكررة
خدي بالك من نفسك يا حبيبتي.
حررت زفرة بطيئة من رئتيها قبل أن تهمس
حاضر يا ماما.
كالعادة طلبت منها في حنو أمومي
وسلميلي على أختك.
ابتسمت قليلا وردت
ماشي.
أغلقت الاتصال وأعادت وصل الهاتف بالشاحن ثم تمددت على جانبها من الفراش حاولت ألا ترهق عقلها بالتفكير فيما يحمله الغد لها فلن يكون أخطر من البقاء في هذه المنطقة المشبعة بكل ما هو ملبك للأبدان خاصة من يفتقرون للنفوذ والسلطة.
أيامه كانت حافلة بالكثير من الأمور المتعلقة بمصالح عائلة الهجام وسطوتها فانشغل عن شأنها والتهى عن السؤال عن تفاصيل أحوالها إلى أن أصبح شبه متفرغا فاستدعى حمص للاستعلام منه عنها ليتفاجأ بغيابها التام عن منزلها بل والمنطقة بأسرها فانقبض قلبه وبات في قمة غضبه. 
هدر زهير في بعصبية تعجب في قرارة نفسه من سيطرتها عليه وهو الذي يمتاز بهدوئه وبروده 
يعني إيه البت ماظهرتش تاني وده حصل من إمتى
بحذر واضح عليه تكلم حمص وهو يطالعه بهذه النظرة المترقبة
من ساعة ما أبوها خرج معاها الصبح من كام يوم وهو رجع من غيرها.
أردف سنجة موضحا
وأنا وقت ما استلمت المراقبة من حمص ماشوفتهاش لا رجعت ولا ظهرت.
أضاف عليهما شيكاغو هو الآخر
وأنا شرحه يا ريس.
استمر إزاي على هديره الغاضب وهو ينتقل لسؤاله التالي
وإزاي معنديش خبر بده من ساعتها
بطرف عينه نظر حمص إلى عباس وأخبره
ما احنا بلغنا الريس عباس!
في التو دافع الأخير عن نفسه مبررا إغفاله عن ذكر مثل هذا الأمر الذي اعتبره من وجهة نظره تافها ولا يستحق الذكر
أنا يا كبيرنا كنت معاكو في الحوار إياه! ومكونتش مركز في أي حاجة تانية!!
لم يكن وحده المسئول عن هذا الإهمال فالكل كان ملتزما بتلبية أوامر كرم والتعامل مع أحد الخصوم الأقوياء لإتمام إحدى الصفقات الهامة للغاية وتسهيل وصول بضائعها باهظة الثمن لوجهتها الأخيرة. فرك زهير طرف ذقنه متسائلا في تحير
هتكون راحت فين
بشكل عفوي علق حمص وهو ينظر تجاهه
الظاهر إنه سربها من الحتة كلها.
من بعيد تابع كرم ما يدور دون تعقيب خاصة مع احتشاد معظم المتواجدين في الباحة على إثر صوت زهير الصاخب لمعرفة أسباب غضبه. تمهل ولم يقدم على شيء حتى حانت اللحظة المناسبة لتدخله فأقبل عليهم موجها سؤاله اللائم إلى شقيقه تحديدا
إيه فلتت من إيدك 
فهم زهير المغزى وراء أسلوبه المبطن في توجيه اللوم والاتهام وهمهم بصبر نافد وهو بالكاد يحاول ضبط أعصابه قبل انفلاتها أكثر من ذلك
خلاص يا كرم! أنا هتصرف وأعرف
طريقها.
وقف شقيقه الأكبر قبالته يحدق في عينيه بنظرة قوية مباشرة قبل أن يسأله بنبرة تحمل الإنذار في طياتها
وبعدها هيحصل إيه
سكت ولم يجد شيئا ليخبره به فواصل كرم الحديث بلهجة لم تكن مريحة مطلقا
أنا عديتلك حوار إنك عامل فيها سبع البرومبة والنمرة اللي حصلت في بيت أبو البت وكنت مستني أشوف اللي بعد كده بس شكلك غاوي يتعلم عليك من النسوان....
غامت تعبيرات وجه زهير من إهانته الوقحة وتشبيهه غير المقبول لتزداد ملامحه تجهما مع تأكيد شقيقه غير الممازح
من الآخر حوارك بقى عندي.
بلا وعي صاح محتجا
ما تتدخلش يا كرم!
هزأ منه بتهكم
ده على أساس إنك عارف تتصرف فيه!
ثم منحه نظرة مستخفة وهو يتابع
إنت قلبك رهيف مع الحريم وأنا غيرك...
احتدت عينا زهير بوضوح في حين أتم شقيقه الأكبر جملته وقد صارت تعبيراته قاسېة للغاية
ما بيفرقش معايا حد!
في التو رد عليه زهير مؤكدا
أنا هتعامل.
ضحك بسخرية قبل أن يقول
وريني!
أصبح صوت كرم أكثر قتامة وهو يتابع بنبرة جمعت بين الجدية والاستهزاء
بس الأول اعرفلي مكانها يا فتك!
كز زهير على أسنانه في غيظ وكور قبضة يده حتى ابيضت سلامياته كدليل على شدة حنقه .. اقترح عباس بنزق وكأنه يحاول المساعدة
ما جايز تكون البت عند أختها
استدار كرم برأسه تجاهه وسأله برنة سخرية ظاهرة في نبرته 
ودي هنعرف طريقها منين من الأحوال المدنية مثلا!!!
سرعان ما لاحت ذكرى السړقة في عقل سنجة فتذكر قراءته لعنوان شقيقتها حينما كانت هويتها بحوزته من فوره تكلم جاعلا كافة الأنظار تتسلط عليه
أنا أعرف يا كبيرنا!
لم تسلم من عباراته السخيفة التي ظل يلقيها على مسامعها طوال بقائه في السيارة وهو جالس بجوارها منتظرا عودة شقيقتها من داخل جامعتها. نفخ بصوت مسموع وغمغم في ضجر وهو ينقر بأصابعه على عجلة الموقد
شغال سواق عندكم كل مصالحي متعطلة بسببكم.
حاولت إيمان الابتسام للتغطية على شعورها بالضيق من شكواه التي لا تتوقف أبدا وقالت محاولة تخفيف وطأة الضغوط عليه
حقك عليا يا راغب دي آخر حاجة هنعملها النهاردة وبكرة دليلة هتمشي.
أشاح بوجهه للجانب ورد في تعبير عابس
ما هو ده اللي مصبرني.
لمحت إيمان شقيقتها وهي تلقي التحية على رفيقاتها قبل أن تودعهن لتهرول ركضا تجاه السيارة فتحت الباب الخلفي واستقرت جالسة على المقعد هاتفة بصوت شبه لاهث
سوري أتأخرت عليكم بس عقبال ما خدت المحاضرات اللي نقصاني.
تكلم راغب متسائلا وهو يرمقها بهذه النظرة المنزعجة
في حاجة تانية ولا أمشي
ردت بلا ابتسام
لأ مافيش.
هسهس بصوت خفيض لم يهتم إن كان
مسموعا لكلتيهما أم لا
حاجة تقرف.
التقطت أذنا دليلة ما فاه به وسلطت نظرة ڼارية عليه لتهمس بينها وبين جنبات نفسها
أنا مش عارفة إنتي مستحملة البني آدم السليط ده على إيه!
حدقت في جانبها من الطريق متجنبة الحديث إليه ريثما تعود إلى منزله لتبدأ في الاستعداد لمغادرته وجمع أشيائها.
جمع عددا لا بأس به من رجاله وأعطاهم تعليماته ليقوموا بتفقد المنطقة ودراسة مداخلها ومخارجها لتحديد نقطة انطلاقهم وانسحابهم فبدا كل شيء مرتبا وسلسا كذلك أرسل أحدهم للاستفسار عنها من حارس العقار بحجة رغبة أحد الشباب في التقدم لخطبتها فأعطاه الحارس وفرة من المعلومات الثرية بعدما تلقى نفحة لا بأس بها من المال. 
وحانت لحظة المواجهة المحتومة .. 
تباطأت سرعة سيارة راغب بالتدريج فور أن انعطف من الطريق الرئيسي نحو الطريق الجانبي المؤدي في نهايته إلى مدخل بنايته. بحث عن بقعة شاغرة في المنطقة المخصصة لركن السيارات ليتفاجأ باعتراض أحدهم لطريقه بصورة فجة. كان ممتنا لأنه لم يكن يقود بسرعة عالية وإلا
لما تمكن من إيقافها في الوقت المناسب ولتعرض للاصطدام المباشر ناهيك عن كم الخسائر التي سيتكبدها لإصلاح التالف من البدن المعدني. 
قطب جبينه وضاقت نظراته في استياء من هذا التصرف الأرعن وصاح مستنكرا وبأسلوب هجومي وهو يلوح بذراعه في الهواء بعدما أخرجه من نافذة السيارة الملاصقة له 
هو في إيه دي طريقة سواقة مش تفتح يا أعمى!!
انقبض قلب دليلة بقوة فهناك بعض الوجوه المألوفة التي استطاعت التعرف إليها بمجرد أن لمحتهم من جانبها في حين أمعنت إيمان النظر فيمن هبطوا من السيارة ليقفوا في مواجهة مقدمة خاصتهم وهذا السؤال ينطلق من بين شفتيها
مين دول!!!!
فورا تعرف دليلة على وجه سنجة خاصة عندما تطوع ليكون أول الظاهرين في المقدمة فمدت يدها لټضرب على كتف شقيقتها الجالسة أمامها لتنبهها
إيمان أنا عارفة الأشكال دي كويس...
أحست دليلة بتلاحق دقات قلبها وتصاعدها كالصاروخ دفعة واحدة عندما استدركت خطۏرة الموقف وهتفت تقول پخوف مضاعف
دول تبع الناس إياهم!!!
بمجرد أن نطقت بتلك العبارة شهقت