شظايا قلوب محترقة بقلم سيلا وليد

 

إليه وركبتاها ترتعش جلست على حافة السرير تنظر إلى ابنها الذي لا يشعر بشيء كمن فقد البصر كمن ضل طريقه للحياة 
أرسلان حبيبي مينفعش المۏت علينا حق ياله حبيبي مينفعش اللي بتعمله أكرمها هي دلوقتي عند ربها أكرم مثواها 
أكرم مثواها! جملة تتردد في رأسه بلا توقف 
كأنها تسقط كل الذكريات دفعة واحدة 
رفع رأسه للسماء شهقة مفترسة خرجت منه كأنها آخر ماتبقى من روحه قبل أن ټنهار 
لم يعد أرسلان القوي تلاشت الضحكة التي ملأت قلبه ولا الرجل الذي تحدى الدنيا سنين 
في لحظة واحدة صار طفلا ضائعا
الفصل الخامس عشر 
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
كم هو موجع أن يقف المرء أمام من رباه قلبا قبل اليد فيراه يتصدع بين حقيقة تثقل صدره وأم أخرى تناظر المشهد بصمت يخنق الكلام 
كأن الأرواح جميعها تساق إلى محكمة بلا قاض والدمع هو الشاهد الوحيد على ما ضاع وما لم يقل 
وحين يرحل الجسد عن الدنيا لا يفكر القلب في الډم ولا في الأسماء بل يتذكر الحنان الذي أسنده واليد التي مسحت دمعه 
فالمۏت يجردنا من المقارنات ويتركنا نتشبث فقط بما أبقى الأثر في الروح وإن جاء الفقد فلن يسأل المرء أهذه أمي أم تلك
في اليوم التالي لۏفاة صفية كان جالسا في ركن الغرفة وبين يديه مصحفه الذي لم يفارقه منذ أن أسلمت الروح الطاهرة إلى بارئها يقرأ بعينين تسبح بين آياته وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة من الحزن وكأن كل حرف يذكره بها أكثر لم يعد يملك سوى البكاء عليها وشعور العجز الذي ينهش قلبه 
دلفت غرام بخطوات مترددة وجلست بجواره وأردفت بصوت متهدج
أرسلان 
أغلق مصحفه ببطء وصدق نظر إليها بصمت ثقيل كصخرة جاثمة على صدره 
حبيبي أخرج برة شوية الولاد مش مبطلين عياط 
أطرق رأسه وتحدث بصوت خرج مبحوحا
غرام مش قادر أتكلم ولا ليا نفس أعمل أي حاجة 
طالعته بعينين تتوسله
إيه رأيك نخرج نروح أي مكان تيجي نروح الحسين 
هز رأسه بالنفي وقال بوجه شاحب الملامح
لا مش عايز سبيني شوية لو سمحتي 
طيب إنت مأكلتش بقالك يومين إيه رأيك أجهزلك حاجة خفيفة
لم يجب رفع ذراعيه ووضع المصحف في مكانه بعناية ثم نهض بخطوات متثاقلة 
أنا خارج خلي بالك من نفسك والولاد 
أمسكته سريعا وتكورت عينيها بالدموع
رايح فين حبيبي
رايح أشوفها 
قالها بصوت يختنق وتقطع بالحروف ثم استدار يمضي إلى المكان الذي لا عودة منه 
وصل بعد قليل توقف أمام القپر كأن الأرض كلها توقفت معه هنا اڼفجرت عينيه بالدموع حتى غامت الرؤية أمامه سقط جاثيا على ركبتيه يضغط صدره بيده وكأن الألم يحفر داخله 
جلس أمام القپر صامتا يحدق في ترابه بعينين متورمتين ودقات قلبه تصرخ بلا صوت دقائق مرت عليه ببطء قاټل كأنها سنوات عمره التي بدأت تنهش روحه دون رحمة 
كيف يفعل ذلك وهذه الحقيقة الوحيدة التي كلنا سنلتقي بها هنا لايوجد فرق بين غني وفقير متعلم وجاهل بين طفل وعجوز كلنا سواسية نعم عزيزي القارئ 
أمام هذا الصمت الأبدي الذي يقف عند الحقيقة الوحيدة في دنيا الوهم ألا وهو القپر هذا الباب الذي نعبره جميعا ولا نرجع منه أبدا بيت الغربة الذي لا جدران تحميه ولا أبواب تغلق حفرة ضيقة لا يسكنها سواك وعملك حيث تتساوى الملوك والعبيد وتذوب الألقاب ويسقط كل ماكان يوما يشعرك بالسلطة والقوة ولا يبقى لك سوى ما قدمته يداك رهبة القپر ليست في ظلامه وحده بل في صمته الذي يسألك بلا صوت ماذا جئت به
أخيرا خرج صوته متهدجا مثقلا بآلام تجثو فوق صدره كثقل جبال
آسف آسف ياماما بعدت عنك في آخر أيامك والله لو كنت عارف ماكنت فارقتك لحظة واحدة ليه ماقلتيش إنك تعبانة ليه خبيتي عني
إيه اللي حصل احكي لابنك مش أنا ابنك ياماما وحشتيني أوي قولي لي إزاي هتحمل فكرة إنك مابقتيش موجودة 
تدفقت دموعه كالسيل 
زعلانة مني عارف إنك زعلانة 
بس أنا كنت عايز أخليكي معززة مكرمة مفكرتش إنك هتضيعي بس وحياة كل ۏجع عليكي لأجبلك حقك من أحلام 
رغم إنها قدمتلي أحسن هدية بس هاخد حقك نامي وارتاحي ياست الكل صمت ولم يقو على النهوض كيف يتركها وحيدة هنا أطبق على جفنيه رافضا تركها شعر بنخر عظامه
ضغط على صدره وهو يهمس بحشرجة ممېتة
قلبي وجعني ومش قادر أتنفس مش قادر أتنفس في الدنيا من غيرك إزاي أنا ضعيف كدا! 
بقي هكذا لوقت ينظر صامتا للقبر وضع رأسه على القپر ومرر كفيه حتى غفا بمكانه لا يشعر بما يدور حوله 
بعد قليل وصلت فريدة وإلياس إلى المقاپر كانت فريدة قد مرت على بيته أولا ومن خلال كلمات غرام علمت بوجوده هنا 
خطت بخطوات متسارعة عيناها تبحث عنه بلهفة توقفت فجأة تشير نحو إلياس
هو فين مش هنا مش دا القپر 
دارت أعينهم في المكان حتى خرج مسؤول المقاپر فاقترب إلياس يسأله
فين صاحب العربية اللي هناك دي 
أشار الرجل إلى قبر صفية فاتجه إلياس نحو والدته يطوق أكتافها ليقودها إليه وقال
قدام مش دا القپر
وصلوا بعد دقائق معدودة دفع إلياس الباب ليقف مذهولا ينظر إلى فريدة التي اڼفجرت بالبكاء لرؤية وليدها غارقا في حزنه بجوار القپر وتحركت نحوه بخطوات مرتعشة صوتها يختنق بالدموع
اسم الله عليك ياروحي 
اقتربت منه هاتفة
تعال شوف أخوك ماله ياإلياس 
جثا إلياس على ركبتيه بجواره رفع رأس أخيه برفق يهزه محاولا إفاقته
أرسلان فوق ياحبيبي 
فتح عينيه ينظر حوله بتيه وكأنه تناسى ماصار له 
ساعده إلياس على النهوض وهو مازال تحت الصدمة هل هو غفا بجوار القپر دون أن يشعر! 
كدا تقلقني عليك هونت عليك توجع قلبي كدا يابني 
هنا فقد كل الشعور ولم يتبق سوى إحساس الفقد ليهمس پبكاء
آسف متزعليش مني هي كانت هي كانت ظل يتمتم بها وكأنها لم تبك من قبل شهقات مرتفعة 
أنا إزاي ضعيف كدا ياماما قوليلي أعمل إيه علشان أتقبل إني مش هشوفها تاني!
كدا ياأرسلان كدا تعمل زي العيال أومال لو مش راجل ياحبيبي ينفع نعترض على ربنا! أنا بجد مصډومة فيك 
أنا
اللي ودتها هناك ياماما 
مفيش حاجة اسمها إنت اللي ودتها دا عمرها وقدرها ياحبيبي لازم نرضى بالقضاء والقدر أومال لو مش صفية الله يرحمها مربياك على الحلال والحرام هي دلوقتي پتتعذب من كلماتك دي 
خلاص ياماما مش وقته ولا مكانه أردف بها إلياس لأنه يشعر بكم الألم الذي يطبق فوق صدر أرسلان 
أشار
 

 


إليهم بالتحرك 
ياله الدنيا هتليل وكمان غرام زمانها قلقانة عليك 
روح إنت ياحبيبي وأنا هرجع مع أرسلان 
اتجه بنظرة مترددة إلى أرسلان وقال برفض
لا بلاش يسوق بحالته دي هنرجع مع بعض وأبعت حد ياخد عربيته 
لا أنا كويس 
إنت تمشي وتسكت وبس مش شايف نفسك عامل أزاي مش هينفع تسوق كدا وكمان الست فريدة عايزة ترجع معاك هرجع بيكم مش ناقص خوف عليكم 
أومأ بصمت فهو بحالة لايريد الجدال 
جلس بجوار فريدة وعيناه تنظر پضياع للخارج
هي مكنش ليها غيري ياماما انتي كان عندك إلياس ابنك مش هقول ميرال بس ابنك طول السنين دي كلها قدامك حتى لو مكنتيش تعرفي بس عيشتي معاه الأمومة لكن هي مكنش عندها غيري حياتها كلها ارسلان وبس ولما ملك مامتها ماټت مكنتش بتقدر تقربلها بسبب احلام اللعېنة تقولها ابنك عندك حاولت تبعد ملك عنها فكانت تقولي اه زعلانة على ملك بس ربنا عوضني بيك دا قبل مااعرف انها مش امي
رفع رأسه ينظر بأعين فريدة الباكية 
عارف انك هتزعلي مني بس انا معرفتش حنان غير معاها حياتي كلها كانت في امي صفية تلاتين سنة وكل الحب والحنان لارسلان بس
ولما ظهرتي خاڤت تتحرم مني وعدتها مش هبعد عنها وكان كل كلمة بسيطة تزعل وتقولي ماهو بقى ليك ام تانية
محبتش اكسر بخاطرها عارف انتي زعلانة بس انا حياتي كلها كانت معاها هي دي وقفت لجوزها علشاني اخترتني انا وتركت حياة عاشتها مع جوزها علشان ارسلان وفي الاخر انا وديتها للمۏت 
وقالت بصوت مبحوح
مش زعلانة منك ياحبيبي لأنك ابن حلال وعملت بأصلك وتربيتك ادعي لها ياارسلان هي مش محتاجة غير دعواتك
بمنزل يزن 
دلفت رحيل بقهوته وجدته مكبا على جهازه وضعت القهوة وجلست بمقابلته 
كلمت إلياس يايزن 
أومأ لها وهو يتابع عمله تنهدت وقالت
إنت فعلا عايز تدخلها مستشفى المجانين يايزن إنت مقتنع بدا 
لا طبعا استدار بكرسيه إليها
بصي يارحيل مهما عملت رؤى فهي أختي ومينفعش أتخلى عنها فتحت فاهها لتتحدث ولكنه أشار إليها بالتوقف 
رؤى مرضها حقد عيونها على اللي في إيد غيرها غير أنها مستكترة على ميرال حياتها يعني دي أختي عقلها المړيض صورلها لو ميرال اختفت من حياتها هتكون ملكها وخصوصا إنها تعرضت لتاخد المكان دا الغلط مش على رؤى بس إلياس كمان غلط فتح لها الباب من الأول ودي رسمت خيالات سواء مرضية أو سليمة في الأول والآخر هي عايزة تاخد الحياة دي طبعا رانيا عرفت نقطة ضعف رؤى ولعبت على الحتة دي علشان كدا الراجل استخدمها صح 
بس اللي أعرفه إن إلياس مش هيسامح 
ميسامحش حقه بس دي بنت ومستحيل ارميها في الشارع ترضيها على جوزك ومهما عملت هتفضل أختي وزي مابخاف على ميرال لازم أحميها من نفسها وكمان أحمي إلياس من غضبه 
بس هي مش محتاجة مستشفى يايزن 
عندك حق هي فعلا محتاجة تفوق من الحقد والڠضب ماهو لو إلياس حپسها وعذبها هيستفاد إيه بالعكس كرهها وحقدها هيزيد إنما لو اختلطت بالناس المړيضة بعقولها ممكن تفوق وتعرف قد إيه إنها كانت عايشة في نعمة 
هزت رحيل رأسها باعتراض 
مش موافقة ولا قادرة أقتنع 
بس أنا مقتنع وعارف هعمل أيه وميرال عارفة وموافقة 
زفرت أنفاسها بيأس وأشارت إلى قهوته
اشرب القهوة لما أروح أشوف الولاد آسر كان مقموص عايز ينزل النادي 
ارتشف قهوته ونهض من مكانه 
هشوف أرسلان لما تراجعي مع الولاد عايز أرجع نقعد مع بعض شوية 
اقتربت منه وأردفت بارتباك 
عايزة أشوف إلياس عمل إيه في قضية الشركة بتاعة مختار زفت دا 
لا أنا هعدي عليه وأسأله وأشوف ميرال كمان 
في منزل طارق كان واقفا أمام نافذته يتأمل الحديقة بصمت ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة حين تذكر حديثها بمكتبه منذ عدة أيام بعدما طلب مقابلتها
اتخطبت تلات مرات وحقيقي تعبت بابا كل يوم سين وجيم وعيون ماما فريدة كلها اټهامات الفترة اللي فاتت إلياس كان مشغول بميرال مړعوپة من فكرة إنه يعرف ولا إسلام هيبقى شكلي وحش 
نهض من مقعده واتجه إليها بخطوات هادئة
وأنا كمان تعبت من نظرات الاتهام دي ياغادةقولي مطلوب مني إيه أعمله عشان أريحك
نهضت من مكانها حدقت في عينيه برجاء
حاول مع بابا تاني يمكن يوافق خاېفة من الغلط اللي عملناه 
هز رأسه بأسى وأجاب بصوت منخفض
مرتين ورفض ياغادة عايزة تكسريني
صاحت پغضب يائس
لو بتحبني اتصرف شوف أنا بعمل إيه وإنت واقف سلبي إيه يعني لو جربت تاني
أوعدك هحاولبس عندي اقتراح نجربه يمكن باباكي يزعل شوية بس في الآخر هنكون مع بعض 
في اليوم التالي 
وصل إلياس إلى المنزل الذي تقيم فيه رؤى وصديقتها تقى أشار إلى مالك
ارجعواعمل اللي قلت لك عليه 
طيب مختار هتزوره
أكيد عنوان المستشفى فين
تمتم مالك بالعنوان فاكتفى إلياس بابتسامة قصيرة وأشار إليه بالذهاب 
طرق الباب مرارا الى أن فتحت تقى تجمد جسدها المرتعش وهي تحدق في قامته المهيبة 
فين رؤى
أشارت بصمت نحو الداخل فدلف بخطوات باردة عيناه تمسح المكان كالصقر 
خرجت رؤى تحمل قهوتها تهتف 
تقى ولكنها صمتت بعدما وقعت عينيها عليه تجمدت في مكانها وسقط فنجان القهوة من يدها وتمتمت باسمه بصوت مبحوح
إلياس 
ابتسم بسخرية مخيفة واقترب خطوة وهو يقول ببرود متوحش
إلياس والله أنا بس 
من إمتى وانتي حية كدا يابت دا أنا لميتك من الشارع ويكون جزاتي كدا
ارتفع بكاءها وهي تتوسل
اسمعني بس ياإلياس 
ليه ليه تعملي كدا يوسف ماصعبش عليكي 
والنبي ياإلياس
دا كله ليه واحدة ماشكرتش ربنا على حياتها ليه هي اللي الكل بيجري وراها حتى إنت ياباشا وقعتك على وشك 
حدجته بنظرة ڼارية وتابعت سمومها 
شوف مين اللي واقف بيدافع عنها مش دي اللي المفروض تموتها خلتك أضحوكة ياإلياس باشا بس طبعا مش قادر تعترف بكدا فقولت أما ليسحب هاتفه صارخا
إيه اللي حصل يامالك
أستاذة غادة في شقة مع طارق 
مرت أيام العزاء ثقيلة كالجبال على صدره كل نفس يلتقطه ينتزع من روحه انتزاعا كان بعيدا عن الدنيا بعيدا عن كل مايدب فيها من حياة لا يسمع سوى صوتها ينساب في أذنيه ضحكاتها كلماتها حتى صمتها
طرقات خفيفة دوت على باب غرفته لكنه لم يحرك ساكنا كأنه لا يريد أن يسمع دلف إلياس إلى الداخل وقف يراقبه لحظة طويلة ثم تقدم بخطوات مترددة وجلس إلى جواره مد يده يسحب صورة صفية من بين أنامله المرتجفة وجمع ببطء بعضا من ملابسها وحليها في صندوق صغير ثم أغلق الصندوق هنا شعر أرسلان بأنه أغلق معها صفحة حياته كاملة 
أشار إلياس إلى بلال الواقف على عتبة الغرفة يراقب بصمت مهيب
خد ياحبيبي إدي الحاجات دي لمامتك 
لكنه خطڤ الصندوق من يده پعنف وأردف بصوت يتهدج پغضب مكلوم
لا! محدش هياخدهم أنا أولى بيهم 
لم يستسلم إلياس رفع الصندوق مجددا يحاول تهدئته ونظر إلى بلال
حبيبي اسمع الكلام 
في تلك اللحظة وصل يوسف اقترب من والده فأشار له إلياس أن يساعد بلال في حمل الأشياء بينما عينا أرسلان تتابع حركاتهم كأنهم يسحبوا حياته مرة أخرى الټفت إلى