رواية جديدة


المكان الثلجي ..
كانت تلهو كالأطفال تتقاذف كرات الثلج في الهواء كما ألقت بجسدها على بعض الأكوام المتراصة لتطبع شكل جسدها عليه ..
راقبها باسل بتعجب ظاهر على ملامحه ..
نعم فهي كانت مختلفة تماما عن ذي قبل طفلة مرحة لا تحمل ضغينة نحوه تضحك بعفوية وبراءة من قلبها 
وفجأة هتفت بحماس مثير وهي تشير بيدها 
البطريق أهوو 
ثم ركضت في اتجاهه فلحق هو بها قائلا بجدية 
طب بالراحة وانتي ماشية !
ردت قائلة بتلهف 
عاوزة ألحقه 
ردد هو على مضض وهو يركض خلفها 
على رأيك ده أنا صارف ومكلف كمان مش هاشوف جنابه !
وقفت إيناس على مقربة شديدة من طائر البطريق وهتفت بحماس وهي تخرج هاتفها المحمول لتعطيه إلى باسل 
صورني يا باسل معاه على أد ما تقدر مش هوصيك !
أشار لها بيده رافضا أخذه فتعجبت منه وبدت على وشك الڠضب فأسرع بالتلويح بهاتفه المحمول ففهمت أنه يريد استخدامه ..
هو بالفعل قرر استغلال الفرصة لالتقاط صورة تذكارية معها ولما لا .. فهو يستحق تلك المكافأة بعد مجهوده لاستمالتها.
وبمكر واضح رد عليها قائلا 
ماشي بس مش قبل ما ناخد صورة سوا 
هزت رأسها بالإيجاب وهي تهتف بتلهف 
طيب بسرعة يالا !
وقف باسل إلى جوارها ورمقها بنظرات شغوفة ثم ابتسم قائلا بصوت حنون بعد أن مال بكتفه ناحيتها ليكون قريبا منها 
اضحكي !
رسمت هي بسمة عريضة على ثغرها وهتفت بحماس وهي محدقة في انعكاس صورتها 
ها كده حلو 
بادلها نفس الابتسامة السعيدة ونظراته لم تفارق وجهها وردد بتنهيدة مشتاقة 
تمام !
ثم ضغط على زر الالتقاط ليسجل هاتفه لقطات مميزة لكليهما معا مطالعا إياها فيهم بنظرات المتيم الغارق شوقا في أنهر العاشقين ..
ورغم التكلفة الباهظة التي تكبدها اليوم إلا أنه كان مسرورا أنها في النهاية قد أتت بثمارها مع حبيبته ..
ولعل القادم أفضل له إن استمر معها على هذا المنوال ..
في أحد محال ثياب الزفاف 
زفر مسعد بإرهاق واضح فقد مضى وقتا وسابين تجرب ثوبا تلو الأخر محاولة انتقاء الأقرب إلى تصورها ..
كانت الصغيرة جينا تعبث ببراءة في أثواب الزفاف وجميع من في المحل يداعبها بلطف وود ..
بعد برهة خرجت سابين من غرفة القياس وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة ..
فهب مسعد واقفا من مكانه وسألها بجدية 
ها يا صابرين اختارتي حاجة 
هزت رأسها بإيماءة خفيفة وهي تجيبه بصوت خفيض 
ييس نعم !
هتف وهو ينفخ عاليا 
أخيرا يا صبر أيوب !
شعرت هي بالحرج من طول المدة التي استغرقتها في تجربة كل ثوب على حدا لذلك أردفت قائلة بحياء وقد توردت وجنتيها نوعا ما 
سوري موسأد بس أنا بأدور على حاجة سيمبل !
سألها بفضول وهو يغمز لها بعينه 
طب هي فين وريهاني !
هزت رأسها معترضة بشدة مرددة 
نو لأ دي bad omen فأل سيء !
لم يفهم هو معنى تلك الكلمات الموجزة بوضوح واعتقد أنها تطلب منه الذهاب فتساءل بتعجب وهو يتلفت حوله 
أقوم أروح فين 
ابتسمت لأسلوبه المرح وردت عليه بنبرة ناعمة 
نو لأ موسأد إنت مش لازم شوف dress ثوب !
في نفس اللحظة انضمت السيدة صفية إليهما لتقول بنبرة متأففة وعلامات الإنزعاج والنفور جلية على قسماتها 
ها يا حلوة اختارتي حاجة ولا هنلف لسه على كعوب رجلينا !
ردت عليها سابين بهدوء رقيق 
خلاص أنطي !
لوت صفية ثغرها لتقول بإقتضاب متهكم 
أنطك ! اعوجي لسانك عليا كمان!
مال مسعد على والدته وأسند كفه على كتفها ثم همس لها بضجر 
يا ماما دي أجنبية مش عاوجة بؤها ولا حاجة ! 
نظرت هي له شزرا وردت بعبوس 
دافع عنها دافع !
توسل مسعد لها قائلا باستعطاف خفي 
بلاش الله يكرمك شغل الحموات من دلوقتي اديها فرصة تخش عندنا الأول وتتمرمغ معانا وبعدها دوسي براحتك !
عنفته قائلة بعد أن رأت تلهفه الواضح نحوها 
يا مسعد اتقل كده بلاش تبقى مدلوق عليها هتسوق فيها وتتعوج عليك !
رد عليها غير مكترث 
واتقل ليه وأنا بأحبها وهي بتحبني 
زادت نظراتها حدة واغتاظت من رده ثم هتفت بتبرم 
هتفضل طول عمرك كده على نياتك !
ابتسم قائلا بسعادة 
إنما الأعمال بالنيات وأنا نيتي حلوة على الأخر !
أضافت صفية قائلة بتجهم
بكرة ټلعن اليوم اللي اتجوزتها فيه اسمع مني !
رد عليها بعدم مبالاة 
ماشي بس برضوه هاجرب الأول معاها !
يئست هي من محاولاتها الفاشلة في اثناءه عن زواجه منها وردت باستياء جلي 
مافيش فايدة منك !
وثبت الصغيرة جينا بمرح وهي تقترب من مسعد ثم التفتت برأسها نحو صفية ونظرت لها بتفحص وهتفت ببراءة وهي تشير بسبابتها نحوها 
نانا!
نظرت لها صفية بضيق ولكزت ابنها في كتفه وهي تقول بضجر 
حوش ياخويا 
جذبت الصغيرة جينا مسعد من بنطاله وتابعت الهتاف المرح 
دادي نانا !
وزع هو نظراته بين والدته وبين الصغيرة ورسم ابتسامة بلهاء على فمه وهو يردد بحذر 
اه هي ستك صفية !
هتفت صفية بنبرة قاتمة وهي ټضرب كفها بالأخر مستنكرة الأمر برمته 
أل كنت ناقصة دلاديل !
ضغط مسعد على شفتيه قائلا بتذمر 
خفي يا ماما البنت واقفة !
ردت هي عليه بحدة 
طب انجز بقى أنا تعبت من اللف والدوران !
هتف مستنكرا تعجلها الغير مبرر 
هو احنا لحقنا ! 
ردت عليه بنفاذ صبر وهي تشير بيدها 
بأقولك ايه أنا تعبت و الشمس طول النهار عندي في البيت وضاربة في دماغي !
مازحها مسعد قائلا بسخرية 
ليه هو البيت من غير سقف 
ردت

عليه بسخط محذرة إياه من التمادي معها بتلك الطريقة 
بطل هزارك الرخم !
حرك رأسه بحركة خفيفة وهو يردد 
ماشي يا ست الكل هي عامة خلصت وهانروح كلنا !
هتفت وهي تزفر بنفور 
أوف الحمدلله !!!!
لاحقا في سيارة باسل 
انهت إيناس جولتها في المول الشهير بعد لعبها المرح
في الباحة الثلجية ثم عاودت الجلوس في السيارة .. وانطلق بها باسل في طريق العودة للمنزل ..
تنهدت بسعادة مرددة 
انت مش متخيل أنا اتبسطت أد ايه النهاردة !
استدار برأسه قليلا نحوها ورد عليها بثقة مغترة 
عشان تعرفي 
أضافت هي قائلة بإعجاب 
لأ أبهرتني بصراحة !
هز رأسه قائلا بتفاخر 
طب الحمدلله 
ثم ساد الصمت بينهما ..
لم تلتفت هي نحوه مجددا وظلت محدقة في الطريق أمامها 
اختلس هو النظرت إليها وتطلع لها بتمعن بين الحين والأخر ..
تردد في سؤالها عن إحساسها نحوه .. لكن لا طاقة به للصبر وتخمين شعورها لذلك حسم أمره وهتف بصوت ثقيل 
إيناس !
التفتت برأسها نصف التفاتة ونظرت نحوه بحذر قائلة 
ايوه
حدق فيها بنظرات ثابتة ثم سألها بهدوء مريب 
انتي لسه شايلة مني 
اضطربت قليلا من سؤاله وردت بإيجاز 
معرفش !
هي لم تكن تعرف حقا شعورها الحالي نحوه لكنه لم يعد ذلك النفور التام أو حتى البغض الكلي .. فشعورها الحانق منه تناقص تدريجيا إلى حد ما ..
أخرجها هو من حيرتها المؤقتة قائلا بجدية 
أنا مش عاوزك تكرهيني اديني فرصة آآ.....
لم ترد إيناس اظهار ارتباك تفكيرها أمامه فقاطعته قائلة بجمود 
معلش أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم !
استشعر هو رغبتها في عدم الحديث فهز رأسه بتفهم وأخفض نبرة صوته قائلا 
براحتك أنا مش هاضغط عليكي 
ظهر شبح ابتسامة على ثغرها من أسلوبه اللطيف في الحوار والتعامل معها ..
لم يعد باسل القديم ذو الطبائع الحادة والعصبية من يتواجد معها حاليا وإنما شخصية مهذبة تدفعك لاحترامها بطريقتها
لوهلة شردت تفكر فيه وتقارن بين حالة بين الماضي والحاضر .. ولكنها انتبهت لصوته وهو يردد بسعادة 
بس تعرفي أنا مبسوط إنك مقولتيش أبيه النهاردة 
اكتسى وجهها بحمرة سريعة وهي تنظر نحوه وازدردت ريقها بتوتر قليل ثم أشاحت بوجهها بعيدا محاولة اخفاء اضطرابها الحسي ..
تابع هو قائلا بإعجاب 
ده انجاز في حد ذاته !
توجس هو خيفة من أن يكون قد أزعجها بكلماته المتوارية فسألها پخوف 
اوعى تكوني مضايقة مني 
هزت كتفيها قائلة بعدم اهتمام 
عادي مافيش حاجة 
تنفس بعمق ثم أخرج زفيرا مطولا مرددا بإصرار 
تمام يا نوسة أنا راضي بالقليل بتاعك 
ثم رمقها بنظراته المتأملة لها وتابع في نفسه قائلا بتمني 
وعقبال يا رب ما تفتحي قلبك ليا وتحني عليا !!!
يتبع
الفصل الأربعون الجزء الثاني 
في منزل باسل سليم 
أوصل باسل إيناس إلى منزلها ثم عاد هو إلى بيته ليلج إلى غرفته ويلقي بثقل جسده على الفراش ..
أغمض عيناه تعبا وزفر نفسا عميقا من صدره ثم ابتسم لنفسه بسعادة ..
ولما لا فقد قضى يوما مميزا مع من يحب وتذكر هو تلك الصور الفوتغرافية التي التقطها بهاتفه فاعتدل في نومته وأخرجه من جيبه ثم تأملهم بنظرات ممعنة ودقيقة ..
كانت ابتسامة إيناس واضحة خالية من الزيف والاصطناع ..
بالطبع كانت انعكاسا ظاهرا عن سعادة حقيقية .. وكأن ما بينهما من خلافات قد تبخرت لتحل محلها فرحة من نوع مختلف.
لم يدر كم مر عليه من الوقت وهو محدق بصورتها ممتعا عيناه بالنظر إليها وكأنه يخاطبها في صمت.
تنهد بحرارة وردد بشتياق 
والله العظيم بأحبك نفسي تحسي بده !!!!
.......................................
ليلا في منزل مسعد غراب 
حدقت إيناس في سقفية الغرفة وهي تتلاعب بخصلات شعرها شاردة فيما حدث خلال يومها المثير والغير متوقع مع باسل .
فكرت هي فيما فعله معها بطريقة مختلفة كليا عما مضى .. وعقدت تلك المقارنة مرة أخرى بين تصرفاته السابقة وأفعاله الحالية ..
فكانت في صالحه هذه المرة ..
شعرت بالاضطراب والتخبط نتيجة اهتزاز وتخلخل الحواجز الوهمية التي وضعتها لنفسها لتحكم علاقتها به.
وبررت لنفسها موقفها المتغير نحوه قائلة بتردد 
يمكن مش وحش زي ما أنا مفكرة بس .. بس ده آآ...
ثم أسرعت مستنكرة خنوعها وتراجعها عن رأيها العنيد قائلة 
لالالا .. أنا مش لازم أفكر فيه خليني أركز في مذاكرتي أحسن
ثم استدارت بجسدها لتنام على جانبها .. حاولت إجبار عقلها على عدم التفكير فيه والنوم جبرا .. لكن تكررت مشاهد اليوم بصورة أكثر تركيزا وعمقا فاستسلمت لها وغفت وهي تبتسم لنفسها بإرتياح ..
................................
في منزل باسل سليم 
اقترح خالد على أخيه أن يذهب هو بنفسه لمقابلة إيناس في كليتها في محاولة جادة منه للحديث معها وإزالة الأثار السيئة التي تركها في نفسها سابقا واقناعها بإعطاء أخيه فرصة للتقرب منها ..
لم يصدق باسل أذنيه وهتف بحماس عجيب 
هاتعمل ده عشاني 
رد عليه أخيه بهدوء جاد 
انت أخويا ومقدرش أشوفك كده متبهدل !
تهدجت أنفاسه بسعادة وهو يردد 
أنا مش عارف أقولك ايه !
رد قائلا بجدية 
ادعيلي أتوفق معاها 
ربت باسل على كتف أخيه وهتف بثقة 
انت أدها وأدود يا سعادت السفير !
رفع خالد حاجبيه للعائلة قائلا بإندهاش مصطنع 
سفير مرة واحدة !
رد عليه باسل بمرح 
طبعا سفير ورئيس الأمم المتحدة كمان بس اظبطني مع مرات أخوك !
أومأ خالد برأسه قائلا 
حاضر هاعمل اللي أقدر عليه وهأشوفها بكرة في الكلية !
عقد باسل كفيه خلف رأسه وتطلع أمامه بنظرات متفائلة وهو يتمدد بإسترخاء على الأريكة فالبدايات كلها مبشرة بالخير .. 
...............................
في منزل مسعد غراب 
وصلت إسراء إلى منزل العائلة لتشارك أخيها فرحته وبعد تناولها الطعام مع أفراد أسرتها تركت ابنيها يلهوان أسفل البناية لتتمكن من الحديث مع مسعد على انفراد ..
رأت هي في أعين أخيها نظرات الفرحة وبريق الحب فأيقنت أنه لم يخطيء الإختيار .. وسألته مؤكدة لكي يطمئن