رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

كتفها متجهة نحو باب المحل.

كانت تنفس ڼارا من أذنيها أوشكت على الانفجار من شدة ڠضبها المكتوم لذلك فضلت الانسحاب مؤقتا حتى تضبط انفعالاتها الهائجة.

سريعا ما تأججت مشاعرها المحتقنة حينما لمحتهما عند محل الصائغ المجاور فضاقت نظراتها وقست تعابير وجهها للغاية.

انتوت نيرمين أن تفرغ شحنتها الغاضبة فيهما خاصة أنها فرصة لا تعوض !!!

يتبع التالي

الفصل الثالث والستون

بتجهم واضح على تعابيرها المتصلبة دوما اتجهت صوبهما خاصة حينما رأت بصحبتهما رجلا غريبا وعائلته لم يكن الأمر بحاجة إلى فطنة أو ذكاء خارق لتخمين السبب تغنجت بجسدها واضعة يدها على منتصف خصرها ثم نظرت لهما شزرا قبل أن تنفرج شفتيها لتصرخ بتهكم

أهلا بنسايب الهم والندامة!

ارتفع حاجبي لبني للأعلى حينما رأتها قبالتها وسريعا ما حل الوجوم الممزوج بالسخط على نظراتها.

هتفت پصدمة

إنتي!

رمقتهما نيرمين باحتقار وهي تتابع بوقاحة فظة

ها ده عريس الغفلة الجديد لأ عرفتوا توقعوا صح المرادي!

صاحت بها شاهندة بعصبية

جرى ايه يا بت انتي لمي نفسك يا مصدية بدل ما....

قاطعتها نيرمين صاړخة بانفعال متعمد وهي تلوح بذراعها في الهواء بحركات مستفزة

مصدية مين يا مقشفة يا..... ده احنا دافنينه سوا يا حيلتها!

حدق الرجل بغرابة في أوجه ثلاثتهن لم يعرف بماذا يرد فقد كان مدهوشا بما يحدث حوله.

ردت عليها لبنى مھددة

وعزة جلال الله لو ما اطرقتي من هنا لأجيبك زي زمان تحت رجلي و....

قاطعتها نيرمين صائحة بحدة

اللسان الزفت مافيش أسهل منه

تحركت لبنى خطوة نحوها محاولة الاشتباك معها بالأيدي هاتفة بتشنج

انتي ناقصة رباية من يومك و....

دفعتها نيرمين من يديها وهي تكركر ضاحكة لتثير أعصابها بطريقة مستفزة ثم وجهت حديثها للرجل الذي كان يتابع الموقف باندهاش عجيب قائلة

انفد بجلد يا أخ دول عيلة سو وربنا إنت أمك دعيالك عشان شوفتني النهاردة العالم دول ولاد تيت هيسفوا دمك!

اڼفجرت فيها لبنى بوابل لاذع من السباب النابي لكن لم يردع نيرمين هذا عن مخططها الاڼتقامي فتابعت قائلة بامتعاض

شايف البكابورت اللي طالع من بؤها واسمها حماتك دي حمى بعيد عنك!

دنت منه مشيرة بيدها

اخلع منهم أحسنلك خدها مني كلمة ده أنا كنت معشراهم بقالي سنين

ردت عليها شاهندة بصړاخ حاد

أخويا كان عنده حق يطلق واحدة زيك مالهاش ظابط ولا رابط ده انتي تكفري العاقل يا.....!

أضافت لبنى بوعيد شرس

ما بقاش أنا أم حاتم يا بنت عواطف إن ما دفعتك تمن ده غالي!

ضحكت نيرمين عاليا لتزيد من حنقهما ثم تمايلت بميوعة وهي تضيف

كان زمان وجبر! احنا نحب نخدم بردك!

أولتهما ظهرها وهي تبتسم بتشف عظيم شعرت بأن نيرانها المستعرة قد هدأت قليلا ردت إليهما جزءا مما يستحقان تنفست بعمق وهي تتجه عائدة إلى محل الصائغ.

رغم اعتراضه عليه إلا أنه اضطر أن يرضخ مجبرا لرغبتها لكن هذا لم يمنعه عن التفكير في شيء أخر هو راقب جيدا نظراتها المتطلعة للمصوغات الذهبية وجاهد لمعرفة متى تتلألأ حدقتيها بنظرات مشرقة ومتى تنظر بفتور لهم حتى يتمكن من اختيار هديته لها وبجدية هادئة استطرد حديثه قائلا

استنوني في العربية وأنا هحاسب الأستاذ وأحصلكم

ابتسمت عواطف قائلة بسعادة

ماشي يا سي منذر!

ثم ربتت على ظهر ابنة أخيها متابعة بلطف

بينا يا أسيف

اكتفت الأخيرة بالإيماء برأسها وتحركت معها إلى خارج محل الصائغ مال منذر على صاحب المحل قائلا بخفوت جاد

دلوقتي عاوزك تجيبلي الحاجات اللي هاشاورلك عليهم وتلفهم في علبة محترمة عشان العروسة

توهجت عيناي الصائغ بوميض متحمس وهو يرد

تمام يا باشا أحلى حاجة للهانم!

التوى ثغره للجانب قائلا باقتضاب

ماشي!

باهتمام واضح بدأ في اختيار ما انجذبت إليه حبيبته عله يسعدها بطريقة أو بأخرى.

لاحقا أوصلهن منذر إلى المنزل مؤكدا على قدومه بصحبة عائلته مساء للتقدم رسميا بخطبتها حتى وإن كانت زائفة فقد أراد اتباع الأعراف والتقاليد. وبالطبع لم تدخر عواطف وسعها في ترتيب المنزل وتجهيزه لاستقبال ضيوفها اليوم فالليلة مميزة للغاية وهي تريد الاحتفال بها فهي فرصة طيبة لتطرق الفرحة باب منزلها هتفت بنشاط

يالا أوام يا

نيرمين عاوزين نمسح الصالة و....

التفتت بوجهها المتجهم نحوها مقاطعة بسخط

ارحميني يا أمي وسطي مقطوم من صباحية ربنا!

تعقد وجه والدتها صائحة بانزعاج

هو انتي عملتي حاجة ده أنا اللي بيشيل وبمسح مجاتش من نص ساعة احتجتلك فيها!

ردت عليها نيرمين بتبرم ملوحة بيدها

أنا مش عارفة ليه قلبة البيت دي هي أول واحدة تتنيل تتخطب ما أكم مليون غيرها....

قاطعتها عواطف قائلة بحدة

خلاص مش عاوزة منك حاجة ربنا يديني الصحة! روحي لبنتك شوفيها!

زمت فمها رامقة والدتها بنظرات حادة ثم أولتها ظهرها متجهة نحو غرفتها مبرطمة بكلمات ناقمة.

رفضت أسيف ارتداء أي ثياب مبهرجة رغم محاولات بسمة إقناعها بالعكس حركت رأسها بالنفي قائلة بإصرار

لا مش عاوزة!

ألحت عليها بسمة قائلة

دي قراية فاتحة يعني المفروض تكوني شيك و...

قاطعتها أسيف قائلة بضجر

احنا فاهمين إنها أي كلام يعني مالهاش لازمة التمثيلية دي!

أشارت لها ابنة عمتها بيدها متابعة باهتمام

ماشي بس صدقيني هايبقى شكلك أحلى

اتجهت هي ناحية خزانة الملابس بخطوات شبه عرجاء لتعيرها إحدى ثيابها. دققت النظر فيما تملك ورغم محدودية الاختيارات إلا أنها أثرت أن تعطيها أفضلهم التفتت ناحيتها جاذبة ثوبا رقيقا من اللون الزيتي مصنوع من قماش الساتان هاتفة بحماس

بصي بقى ده حلو خالص!

رمشت أسيف بعينيها مرددة بحرج

هو جميل والله بس... أنا...

اقتربت منها قائلة بعبوس مصطنع

عشان خاطري يعني هاتكسفيني يالا بقى!

ابتسمت مستسلمة وهي تحرك رأسها

ماشي! مش هازعلك!

تبدلت سريعا ملامحها للحماسة والسعادة وتابعت قائلة

أنا هاظبطك متشليش هم!

ترجل من سيارته وهو في قمة أناقته حيث ارتدى حلة جديدة سوداء ناثرا عليها عطره الهاديء ومن أسفلها قميصا أبيض اللون وتأكد من إكمال وجاهته بوضع رابطة عنق تحمل نفس لون الحلة بدا كرجال الأعمال في تلك الهيئة الكلاسيكية الرائعة سلط أنظاره للأعلى محدقا في الشرفة العلوية ومخرجا من صدره تنهيدة حارة ها قد اقترب خطوة منها حتى وإن كانت مؤقتة لكنها حتما السبيل إليها.

استند دياب بمرفقه على سقف السيارة رافعا حاجبه للأعلى ليبدي إعجابه وهو يقول

الشياكة ليها ناسها!

أخفض أخاه نظراته نحوه وابتسم له قائلا بصوت رخيم وهو يجذب ياقة سترته للأسفل

ها ايه رأيك

مط دياب فمه للجانب هاتفا

مافيش بعد كده!

حدق منذر في باقة الورد التي يحملها أخيه متسائلا بفضول

انت جايب الورد ده لمين

ارتبك دياب لوهلة متعللا

ده.. ده من الواد يحيى للأبلة بتاعته

جمد منذر أنظاره عليه قائلا بعدم اقتناع

يحيى!

رد عليه دياب مبتسما ببلاهة

اه أصل الواد مزوق زي أبوه!

صاح طه بجدية وهو يشير بعكازه

يالا يا شباب مش هنتسامر كتير!

الټفت منذر ناحيته مرددا بابتسامة صغيرة

حاضر يا حاج!

تنحنح بعدها بخشونة طفيفة ثم أشار له بيده ليتحرك أولا كنوع من الاحترام الشديد لشخصه بينما تأبطت جليلة في ذراع ابنها دياب وتهادت في خطواتها معه في حين تسابقت أروى مع يحيى في الصعود على الدرج.

شعرت بدقات قلبها تتلاحق من توترها الواضح جف حلقها حتى بات ريقها كالعلقم ولأكثر من مرة ارتوت من المياه المسنودة على الكومود وضعت بسمة اللمسة الأخيرة على حجاب رأسها الذي فضلت أن يكون من اللون الذهبي ليتلاءم مع ثوبها.

رفعت سبابتها قائلة بانبهار

واو شكلك جميل أوي!

استدارت أسيف برأسها نحو المرآة لتطالع وجهها الذي تحول للإشراق بفضل جهود ابنة عمتها رمشت بعينيها غير مصدقة أنها نفسها هي لم تضع من قبل مثل تلك الكمية من مساحيق التجميل بل على الأرجح لم تضع إلا أحمر الشفاه الرخيص وفي المناسبات الهامة فقط.

وضعت بسمة قبضتيها على كتفيها بعد أن وقفت خلفها ثم سألتها باهتمام

أنفع يا قمر

أجابتها قائلة بحياء

هو أنا أقدر أتكلم! بجد انتي

جميلة أوي! أنا.. مش عارفة أقولك ايه

متقوليش حاجة المهم تتبسطي

 

النهاردة حتى لو شوية

ربنا يقدرني وأردلك جميلك ده

مافيش جمايل بينا! احنا بقينا اخوات صح

أيوه طبعا.

تابعتهما خلسة من فتحة الباب المواربة وهي تتقد غيظا من استحواذها على أختها استشاطت نظراتها وشعرت بغلي الډماء في عروقها همست نيرمين لنفسها بنبرة مغلولة

والله لأعكنن عليكي إنتي مش هاتخلصي مني بالساهل!

انتبهت لقرع الجرس فتحركت متسللة متوارية عن الأنظار هتفت بسمة بابتسامة عريضة

الظاهر العريس جه خليكي هنا شوية لحد ما نناديكي

انزعجت قسمات وجه أسيف هاتفة بضيق

بلاش نكبر الموضوع أوي هو....

وضعت الأخيرة إصبعها على شفتيها مقاطعة بجدية

ششش هو كبر لوحده المهم افردي وشك بس عشان الميك آب مش يبوظ!

ثم داعبت طرف أنفها بإصبعها ونظرت لها بأعين لامعة قبل أن تجذبها نحوها لتحضنها بحنو صادق.

يا أهلا وسهلا بالغاليين شرفتونا!

قالتها عواطف بنبرة مرحبة للغاية وهي تفتح الباب على مصراعيه سامحة لضيوفها بالولوج للداخل.

رد عليها طه بخشونة هادئة

كتر خيرك يا عواطف!

اقتربت من جليلة لټحتضنها متابعة بسعادة

نورتيني يا ست جليلة والله احنا زارنا النبي النهاردة!

ابتسمت لها مجاملة وهي ترد باقتضاب

تسلمي!

تساءلت أروى قائلة بمرح

مش هاتسلمي عليا أنا ويحيى يا طنط عواطف

انحنت بجسدها قليلا نحوها واحتضنت وجهها الطفولي براحتيها لتقبلها قائلة بود

ده السلام كله ليكي يا غالية يا بنت الغاليين!

ثم ضمت الصغير يحيى إلى صدرها لتقبله من جبينه هو الأخر.

تنحنح منذر بخشونة ليلفت انتباهها مازحا

ومافيش اتفضل للعريس و...

قاطعته قائلة بحرج كبير

يا خبر أبيض هو احنا نقدر ده بيتك يا سي منذر اتفضل.. اتفضل!

استقبلتهم في غرفة الصالون مبدية سعادتها الغامرة بقدومهم وبامتعاض مزعوج ولجت نيرمين إلى الداخل لترحب بهم بادلتها جليلة نظرات أسفة وشبه حزينة لعدم وقوع الاختيار عليها كانت تتمنى أن تكون هي العروس المنشودة لكن خاب رجاؤها وفي نهاية المطاف القرار الأخير بيد ابنها البكري خرجت من شرودها المؤقت على هتاف عواطف القائل

اتفضلوا الحاجة الساقعة!

ظلت أنظاره معلقة بباب الغرفة مترقبا ظهورها بين لحظة وأخرى لم يرغب في إضاعة فرصة أن يكون أول من تقع عليها عينيه.

انتبه لصوت أبيه الأجش وهو يتساءل بجدية

أومال العروسة فين تقلانة ولا...

أخفت عواطف ابتسامتها الحرجة بكف يدها وهي تجيبه

ما انت عارف البنات يا حاج طه بيتكسفوا في المواضيع دي!

هز رأسه بتفهم ثم ربت على فخذ ابنه متابعا بنبرته الجادة

وماله بس عريسنا عاوز يقول الكلمتين اللي عنده في وجودها!

ردت عليه عواطف بابتسامة متسعة للغاية

ثانية وهاتكون عندكم يا حاج!

رغم إدراكها أنها لا تشغل باله في تلك اللحظة إلا أنها لم تفقد الأمل جمدت نرمين نظراتها عليه طامعة في التفاتة خاطفة منه نحوها.

كادت دقات قلبها تصم أذنيها من فرط الارتباك والتوتر ازدردت ريقها لأكثر من مرة وهي تقدم خطوة وتؤخر الأخرى لم تشعر بمثل هذا الاضطراب المنفعل من قبل دعمتها بسمة في مشيتها أو بالأحرى استندت عليها أثناء سيرها المتباطيء نحو غرفة الصالون.

استشعر فؤاده وجودها قبل أن يراها فثبت أنظاره على الباب. خفق بشدة حينما رأها تطل كالبدر في تمامه عليه لم يشعر بجسده وهو يهب واقفا مستقبلا حضرتها الآسرة بتلهف كبير والتوى ثغر منذر للجانب مشكلا ابتسامة متشوقة كما لمعت