رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

الوردي

ها بلاش ټعيطي هما زمانهم على وصول خليني أعملك الطرحة!

اكتفت بالابتسام لها وعاونتها في ضبط حجابها بلفة بسيطة لا تسبب لها الاختناق أثناء تنفسها المضطرب وزينتها والدتها بحلي جميلة لتعيد لها جزءا من جمالها المفقود.

اصطفت السيارات بجراج المشفى وتفاجأ العاملون بالعروس التي تسير بصحبة زوجها في اتجاه الاستقبال انتابهم الفضول لمعرفة الأسباب فأي عذر يدفع بعروسين في ليلة مميزة وخاصة كتلك للحضور إلى هنا لابد أن يكون السبب قهري اعتلى وجوههم دهشة كبيرة حينما علموا أنهم قدموا للاحتفال مع قريبتهم المړيضة لم يصدقوا الأمر في البداية لكن حينما صدحت الزغاريد تأكدوا من صدق الادعاء.

دقت جليلة الباب بخفة مستأذنة بالولوج وهي تقول

ينفع ندخل

هتفت عواطف مرحبة

طبعا ده احنا أعدين مستنينكم من بدري

أطلقت زغرودة صغيرة وهي تفسح المجال للعروسين بالمرور دخلت أسيف أولا وعلى ثغرها ابتسامة ناعمة سلطت أنظارها على ابنة عمتها التي كانت تطالعها بأعين دامعة فتحت

لها ذراعيها لتستقبلها في أحضانها فرفعت أسيف ثوبها من الجانبين لتتحرك نحوها احتضنت كلتاهما الأخرى بحب كبير وتبادلت الاثنتان قبلات ودية خانتها العبرات فبكت وهي تقول

ماينفعش نحتفل من غيرك

ردت عليها نيرمين بصوت متأثر

مش هنسى اللي عملتيه معايا أبدا!

تبعها منذر متنحنحا بصوت خشن ليشير إلى وجوده ثم أردف قائلا

سلامو عليكم

تراجعت أسيف للخلف لتتمكن نيرمين من رؤيته طالعته بنظرات حانية وهي ترد

وعليكم السلام مبروك يا سي منذر ربنا يسعدك ويفرح قلبك

رد عليها بهدوء

الله يبارك فيكي

أبعدت عينيها عنه بصعوبة فلا يحق لها الآن التطلع إليه بينما تراجع للخلف منزويا بأحد الأركان ليتجنب ذلك الموقف الحرج ولجت أختها الصغرى بثوبها المتلألئ لداخل الغرفة لتضفي المزيد من الحماسة وهي تقول

أديني سمعت كلامك أهوو

ضحكت نيرمين من بين عبراتها مرددة

أخيرا كده أنا أرتاح!

اقتحم دياب الغرفة متسائلا بنزق دون أي مقدمات تمهيدية

المأذون مستني برا أقوله يدخل ولا أعمل ايه!

ردت عليه جليلة بضحكة عالية

اصبر يا ابني ده العجلة من الشيطان!

نظر لها بغيظ وهو يرد بتجهم

ماشي هاقوله يتركن برا!

اعترضت نيرمين هامسة

خليه يدخل مالهاش لازمة يستنوا

هتف دياب متحمسا

أهوو ست الكل قالت!

رد عليه منذر محذرا

اهدى على نفسك شوية!

ظلت حالة الشد والجذب المرحة بين الجميع للحظات حتى انتهت بحضور الحاج طه ليتم بعدها عقد القران بين دياب وبسمة بحضور أفراد العائلتين فقط في أجواء احتفالية هادئة أطلقت جليلة زغرودة فرحة وانضمت إليها عواطف لتعبر عن سعادتها بزواج ابنتها وابنة أخيها تمنت أن تدوم تلك الفرحة للأبد ألا يعكر صفوها أي شيء.

داعبت نيرمين رضيعتها وهي جالسة في أحضانها مراقبة بنظرات صامتة ما يدور حمدت الله في نفسها أنها شهدت على تلك اللحظة حتى لو كانت ستحفر ذكرى حزينة في نفسها فراق الحبيب وزواجه من غيرها المهم الآن أن يحظى بالسعادة التي حرمت هي منها.

انتهى الوقت المخصص للزيارة فولجت الممرضة لداخل الغرفة لتشير إلى ذلك امتثل الجميع لطلبها وبدأوا في جمع متعلقاتهم استعدادا للانصراف هب الحاج طه واقفا من مقعده ليتجه نحو فراشها مد يده ليصافحها وهو يقول

ألف سلامة يا بنتي شدة وتزول

نظرت له بامتنان وهي ترد

ربنا يخليك!

أشار لها بسبابته متابعا

شدي حيلك واحنا معاكي في أي حاجة

ردت بهدوء

تسلم يا حاج طه مش جديد عليك!

ده انتي زي بنتي وولادي أخواتك!

التوى ثغرها بابتسامة شبه متهكمة فقد نطقها منذر من قبل وأكد عليها قلبا وقالبا فليست بحاجة إلى سماع ذلك اعتبرت حديثه مجاملة وحافظت على ابتسامتها الباهتة التي تغطي تعابيرها المرهقة لاحقا انسحب الجميع واحدا تلو الأخر من الغرفة لتبقى معها أسيف فقط ورضيعتها رفضت الانصراف حتى تتحدث معها في أمر أخير!!!

يتبع التالي

الفصل التاسع والثمانون

استغلت لحظة انشغال الجميع عنها أثناء استعدادهم للانصراف لتطلب منها البقاء دون أن تلفت الانتباه لكونها رغبتها الخاصة فاستجابت ابنة خالها لطلبها واعتذرت بلباقة عن الذهاب مع زوجها لتبقى لعدة لحظات معها تؤنسها فيها وتشد من أزرها توجس منذر خيفة أن تكون نيرمين تدبر لها أمر ما لتفسد عليهما ليلتهما المميزة فتعمد البقاء بالخارج وملصقا ظهره بالحائط ليتنصت عليهما دفعه حدسه لفعل ذلك وانتظر بترقب شديد ما دار بينهما.

ابتسمت لها بكل ود وهي تطالعها بنظراتها الحنونة الدافئة رأت في صفو حدقتيها راحة عجيبة غفلت عنها بسبب حقدها الأسود الذي أعمى بصيرتها تنفست بعمق وهي تستطرد حديثها قائلة

أسيف أنا.. عاوزاكي تسامحيني

وضعت يدها على كفها المرتعش لترد بابتسامة لطيفة

صدقيني أنا نسيت اللي فات

هزت رأسها معترضة وهي تقول

لأ انتي مش عارفة أنا كنت ناوية أعمل فيكي ايه ولا الچحيم اللي كنتي هرميكي فيه أنا....

قاطعتها ابنة خالها بجدية دون أن تخفي ابتسامتها الودودة عن محياها

خلاص يا نيرمين ارمي ورا ضهرك احنا بقينا أخوات

تنفس منذر الصعداء لكون الموضوع لا يتخطى الاعتذار وإبداء الندم فتراجع متحرجا من استراقه السمع دون إذن ليعطي لهما مساحة من الخصوصية جلس على أقرب مقعد منتظرا على أحر من الجمر فأمامهما ليلة حافلة.

ابتسمت لها بصفاء يذيب ما في القلوب من أحقاد قديمة ويمحو ما في العقول من ذكريات أليمة فأدمعت عيني نيرمين بشدة تعذر عليها المتابعة بنبرة ثابتة فخرج صوتها متقطعا وهي تضيف

أنا قلبي كان مليان غل ناحيتك

بررت لها أسيف موقفها العدائي نحوها مرددة ببساطة

مكونتيش تعرفيني

انسابت العبرات من طرفي عينيها متابعة بندم

أنا عملت زي جدتي عزيزة ما عملت مع أبوكي وأمه أنا مفرقتش حاجة عنها لأ و.. وكنت عاوزة...

منعتها عن إتمام جملتها جبرا هاتفة بتوسل

عشان خاطري أنا مش عاوزة أتكلم في اللي فات المهم دلوقتي بقينا ازاي!

ثم مدت أناملها لتمسح برفق عبراتها عنها فسألتها نيرمين بصوت خفيض باك

يعني انتي من قلبك مسامحاني

هزت رأسها بإيماءة واضحة وهي تجيبها

ايوه

تنفست بارتياح للحظات قبل أن تكمل بمرارة

كان نفسي أشوف بنتي زيك

احتجت على خبو مقاومتها سريعا فهتفت بجدية

ماتقوليش كده الأعمار بيد الله وإن شاء الله تشوفيها وهي بتكبر قصادك وتفرحي بيها و...

قاطعتها نيرمين بصوت واهن

أنا حاسة بنفسي!

ابتلعت ريقها قبل أن تتابع بجدية

أسيف! مش هوصيكي عليها علميها تكون زيك تحب غيرها ماتكونش أنانية!

ردت عليها ابنة خالها بنبرة متأثرة 

إنتي اللي هاتعملي ده بنفسك

أحست أنها أزاحت ثقلا كبيرا كان يجثو على صدرها أنها رممت شرخا عميقا في علاقتها مع صلة الرحم الأقرب لها أغمضت عينيها قائلة بتنهيدة مرهقة

أنا أخرتك عن عريسك معلش!

ابتسمت أسيف بخجل طفيف وهي تقول

ولا يهمك

ضحكت نيرمين من نفسها ساخرة

سي منذر زمانته بيدعي عليا!

متقوليش كده هو بيقدرك

اشارت لها بيدها مكملة

قومي شوفيه بس خليني أبوس رنا

هزت رأسها بالإيجاب ثم نهضت من مكانها لتحمل الرضيعة وقربتها إلى فمها فطبعت أمها قبلة أمومية على وجنتها الناعمة احتضنتها بيدها على قدر استطاعتها وهمست لها بصوت شبه منتحب

هتوحشيني يا ضنايا

عاودت تقبيلها بعمق مشبعة عينيها من رؤيتها ثم أبعدتها عنها برفق أضافت أسيف بنبرة رقيقة

إن شاء الله هنعدي عليكي في أقرب وقت

ردت عليها بهدوء

براحتك أنا كده ارتحت

أوصتها أسيف مرددة بتحذير

خلي بالك من نفسك

في تلك اللحظة ولج الطبيب نبيل إلى داخل الغرفة ليتفقد حالة المړيضة فتفاجأ بوجود العروس بالداخل تهللت أساريره مرددا بحماس

إيه ده لسه العروسة هنا!

تحرجت أسيف من وجوده واكتست تعبيراتها سريعا بحمرة كبيرة وهي ترد بخجل

احم.. أهلا وسهلا بحضرتك!

مد

يده ليصافحها قائلا بابتسامة مهذبة

أنا د. نبيل

نظرت إلى يده الممدودة نحوها وترددت في مبادلته المصافحة فعمدت إلى الإشارة للرضيعة التي تحملها هاتفة بحرج وهي ترمش بعينيها

أهلا بيك يا دكتور!

تفهم موقفها وأبعد يده متابعا بسعادة

ما شاء الله النفسية تمام النهاردة أكيد العروسة غالية عليكي عشان وشك ينور بالشكل ده

تابع منذر الموقف من على بعد بنظرات ڼارية ورغم تصرف زوجته الحذر إلا أن ذلك أصابه بالغيرة الشديدة فكون غيره يجاملها حتى لو كان الأمر بحسن نية إلا أنه أشعل نيران الغيرة بداخله لم يستطع ضبط نبرته المتشنجة وهو يصيح عاليا

مش يالا بينا يا أسيف!

انتفض جسدها على صوته والتفتت برأسها نحوه لتنظر إلى قسمات وجهه المشدود تحرك نبيل نحوه هاتفا بمرح وهو يمد يده نحوه

مبروك

بادله منذر المصافحة بامتعاض جلي على وجهه قائلا بعبوس

الله يبارك فيك!

شعرت بنظراته التي تأكله بالغيرة التي تعصف بروحه هو أحبها حتى الجنون عشقها حتى النخاع فكيف لا يثور لرؤية غيره يمدحها تمنت لثانية لو عاشت مثل تلك المشاعر الفياضة لتغير الكثير في حياتها ولتحولت لشخصية أخرى محبوبة هتفت بصوت هادئ محاولة امتصاص الأجواء الحادة والمشحونة من حولها

لا مؤاخذة يا سي منذر أخرتكم!

استدار برأسه نحوها قائلا بجمود

ولا يهمك وسلامتك

عاود التحديق في وجه الطبيب نبيل مرددا بتجهم

فرصة سعيدة يا حضرت!

رد عليه نبيل بابتسامة محببة

شكرا ليك ومبروك مرة تانية

أضافت أسيف بعفوية دون أن تنتبه لذلك المشتعل حنقا خلفها

مش هنوصيك عليها يا د. نبيل أرجوك خلي...

قاطعها الطبيب بود وهو يوميء برأسه

اطمني أنا موجود!

قبض منذر

 

على ذراعها بيده فقد بلغ الحلم معه أدنى مراحله وهتف من بين أسنانه المضغوطة

يالا يا بنت رياض الجماعة قلقانين تحت

نظرت له بغرابة وهي عاقدة لجبينها متعجبة من ذلك العبوس الظاهر عليه ردت بهدوء

حاضر

رسمت ابتسامة زائفة على ثغرها وهي تود ابنة عمتها لتقول

مع السلامة

لوحت لها الأخيرة بيدها وهي تتنهد بتعب

سلام

تابعت الاثنان بأنظار مطولة وهما ينصرفان من الغرفة بصحبة رضيعتها وظلت أعينها مثبتة على الباب للحظات حتى أخرجها من تحديقها الشارد صوت نبيل المتسائل باهتمام

ها ايه الأخبار معاكي

ردت باقتضاب وهي تدير رأسها نحوه

الحمدلله

.................................

كادت قدميها أن تلتف حول بعضهما البعض وتتعثر في سيرها السريع وهو يسحبها بعصبية نحو الرواق فحذرته بجدية

بالراحة هاتكعبل وأنا شايلة البنت!

أرخى قبضته عنها زافرا بصوت مسموع ليخرج من صدره ڠضبا مشحونا بدا واضحا للعيان قست نظراته نحوها قائلا بعتاب شبه حاد

مش واخدة بالك من اللي عملتيه

تعقدت تعبيراتها متسائلة بعدم فهم

في ايه لكل ده

رد عليها بغموض وهو متجهم الوجه

هنتكلم بعدين يا بنت رياض!

مطت فمها للأمام مرددة لنفسها باستغراب متوجس

بنت رياض واضح إنك مضايق أوي!

التقطت أذناه جملتها رغم صوتها الخاڤت إلا أنه أجابها بجدية

مش عاوز أتكلم دلوقتي فالأحسن متسأليش

هزت كتفيها قائلة بجمود

براحتك

أراد التحكم في غضبه فكتم في نفسه بأقصى طاقته ما لديه من مشاعر محتقنة ربما تصرفت بتلقائية مع الطبيب لكنه لن يتحمل مثل تلك الأفعال البسيطة هو يغار عليها بشدة وعليها أن تعلم ذلك لكن لا وقت للعتاب هنا فالمكان والوقت لا يسمحان.

تابعا السير بصمت في أروقة المشفى حتى وصلا إلى الاستقبال حيث ينتظرهما باقي أفراد العائلتين فاستقل الجميع السيارات متجهين نحو المنطقة الشعبية لتكتمل أجوائهما الاحتفالية هناك.

............................................

احتدت نظراتها المتقدة غيظا على تلك الأضواء اللامعة التي تزين البناية وما حولها هو اليوم سيزف إلى غيرها سيقترن اسمه بأخرى يضمها إلى أحضانه ستغدو حبيبته تأججت مشاعر الكراهية والحقد بداخلها بلغت الذروة في لحظات وانتظرت