رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

حاجة به لسماع مثل تلك العبارات المصحوبة بالنواح فحذرها بصرامة 

اذكري الله في نفسك يا جليلة ماتقدريش البلا قبل وقوعه

حاضر يا حاج بس أصلهم صعبانين عليا

ربنا يلطف بيهم وبينا!

لاحقا انتهى الطبيب من فحصها مجددا بغرفة العناية المشددة وأعطى تعليماته لطاقم التمريض

بضرورة متابعة حالتها أولا بأول وإبلاغه بالمستجدات فقد استقر وضعها إلى حد ما وبدأت تستعيد وعيها مما أعطاه مؤشرا طيبا همست نيرمين بصوت واهن للغاية وهي تدير رأسها نحوه

أنا هاموت صح

حدق فيها بعبوس طفيف ظاهر على تعبيراته وابتسم بزيف محاولا بث الأمل فيها عل روحها المعنوية ترتفع وهو يجيبها

الأعمار بيد الله ماتفكريش في حاجة يا مدام نيرمين!

أغمضت عينيها وعاودت فتحهما بتثاقل وهي ترد

أنا حاسة بده أجلي قرب!

تنحنح بصوت خفيض متابعا بنبرة شبه متحمسة

احنا كنا فين وبقينا فين المهم إن حالتك مستقرة دلوقتي وده شيء كويس و....

قاطعته بيأس وهي تحاول الإشارة بيدها المرتعشة

محدش بيقوم من المړض ده

وضع يده على كفها ليعيده إلى مكانه متأكدا من ضبط الإبرة الطبية به وهو يقول

خلي عندك أمل في ربنا

لم يستطع إقناعها فقد كانت متأكدة من دنو أجلها ابتلعت ريقها المرير في حلقها الجاف متسائلة

هما.. أهلي برا

أومأ برأسه قائلا

ايوه كلهم مستنينك وهايفرحوا لما يشوفوكي

تشكل على ثغرها ابتسامة باهتة وهي ترد

كويس أنا محتاجة أشوفهم

حذرها قائلا بجدية

مافيش داعي للإجهاد الراحة مطلوبة يا مدام نيرمين

هزت رأسها معترضة وهي تقول بإصرار مريب

لازم أتكلم معاهم لو سمحت ناديلي أهلي

لم يجد بدا من الاعتراض على طلبها فربما دعم أهلها يفيدها في تلك المرحلة الحرجة لذلك ردد مستسلما

ماشي بس مش هاينفع يدخلوا كلهم مرة واحدة هيتقسموا

أغمضت جفنيها قائلة بضعف

طيب خليني أشوف الأول أسيف و.. ومنذر لو كان معاها!

رد عليها بهدوء جاد

حاضر بس نصيحتي بلاش تكلمي كتير

حركت رأسها بالإيجاب بإيماءة صغيرة كإشارة عن انصياعها لنصيحته ابتسم لها مطمئنا إياها ثم أشار للممرضة بالبقاء معها ريثما يبلغ عائلتها برغبتها.

تجمعوا حول الطبيب حينما رأه يتجه نحوهم وكل واحد منهم يعتري صدره مشاعرا مختلفة عن الأخر كان خوفهم الأكبر والمشترك هو أن يبلغهم بما يخشون سماعه لكن تنفسوا جميعا الصعداء حينما استطرد حديثه قائلا بهدوء

حالة مدام نيرمين مستقرة والحمدلله وفاقت كمان!

بكت عواطف فرحا لأنها لم تفقد ابنتها بعد وأنها لا تزال على قيد الحياة شعرت براحة تجتاح قلبها الملتاع عليها وظلت تهمس بكلمات شاكرة للمولى على رحمته الواسعة بها في حين ضمت بسمة رضيعتها الوحيدة إلى صدرها بذراعيها وهي تقبلها بحب صادق ابتسمت أسيف بسعادة من بين عبراتها الساخنة ونظرت في اتجاه منذر الذي كان يطالعها بنظراته الحنونة أخرجهما الطبيب من تحديقهما حينما تابع بجدية

وهي طالبة تشوفكم كلكم بس في الأول أسيف ومنذر!

تبادل الاثنان نظرات غريبة عقب جملته تلك وتحولت ملامحهما للتوتر والقلق انقبض قلب عواطف بقوة وهي تسأله

خير يا ضاكتور

أجابها بجمود

مش عارف والله بس هي عاوزة الاتنين دول الأول

هتف منذر بجدية

تعالي يا أسيف احنا هندخلها وهنعرف في ايه

ارتعش جسدها وهي تتحرك معه نحو غرفتها بدت واجمة للغاية محاولة تخمين سبب طلبها المريب اضطربت أفكارها وتداخلت معا

فلم تستطع التفكير بذهن صاف أو حتى تخمين السر وراءه.

دقت الباب بخفيفة قبل أن تدخل الغرفة وتطالعها بنظراتها الحزينة كانت مختلفة كليا عن صورتها السابقة ذبول رهيب اعتلى قسماتها بالإضافة إلى شحوب مزعج يشبه المۏتى في انتشاره على بشرتها حاولت أن تبتسم لتقاوم رغبتها في البكاء حسرة على حالها فبدت ابتسامتها مهتزة باهتة همست لها نيرمين بصوت خاڤت

قربي مني

قاومت عبراتها التي تلألأت بكثافة في مقلتيها وهي ترد بصوت شبه مخټنق

حمدلله على سلامتك الدكتور طمنا وقال....

قاطعتها مبتسمة بتهكم

هو في حد بيصدق كلام الدكاترة!

دق منذر الباب بقبضته منكسا رأسه قليلا ومخفضا أنظاره وهو يقول بصوت خشن ليلفت الانتباه إلى وجوده

احم.. سلامو عليكم!

همست نيرمين بتنهيدة تحمل الكثير وهي تحرك عينيها نحوه

سي منذر

ظل مطأطأ لرأسه وهو يسألها بجمود جاد

ازيك يا أم رنا

أجابته ساخرة من مرضها

زي ما انت شايف بأموت!

اعتصر قلب أسيف پألم قوي من جملتها تلك وتوسلتها بصوت مخټنق

ماتقوليش كده الله يكرمك إنتي هاتعيشي

ردت عليها نيرمين بإحباط تام

معدتش فارقة!

انهمرت عبرات أسيف بغزارة وغص صدرها بالبكاء الحزين كانت تراها في أضعف حالاتها في أصعب المواقف وأقساها لم تعد تلك القاسېة الغليظة متحجرة القلب والمشاعر التي لا تعبأ بأحد سوى نفسها تحولت كثيرا وبدت أخرى كتمت بصعوبة شهقاتها الموجوعة عليها لكن زاد ألمها وكذلك حدة الوخزات التي أوجعت حلقها حينما قالت بهدوء

أنا عرفت ال.. الحيلة اللي لعبتوها عليا

تجمدت أنظار منذر على زوجته بعد اعترافها بكشف ملعوبهما وبدا وجهه مشدودا على الأخير هو توقع ذلك وحدث ما كان يخشاه هتفت أسيف پبكاء تسترجيها

أنا أسفة والله سامحيني يا نيرمين بس غرضي كان.....

قاطعتها الأخيرة بصلابة قليلة

ماتبرريش !

حاولت توضيح موقفها لها متوسلة

صدقيني أنا كنت.. 

ردت عليها نيرمين بتنهيدة متعبة وهي تسعل

اسمعيني شوية!

صمتت أسيف مجبرة ولم تستطع أن تحيد بعينيها الباكيتين عنها ربما كانت نيتها حسنة معها لكنها أخطأت بالتلاعب بمشاعرها ورغم ذلك تابعت قائلة بصوت منهك

أنا عاوزة أشكرك على معروفك معايا إنتي أحسن مني مليون مرة!

نظرت لها أسيف پصدمة فأكملت بصعوبة وهي تحرك عينيها نحو حبها المستحيل

ايوه دي الحقيقة انتي تستاهلي واحد زي.. زي سي منذر!

رفع الأخير عينيه نحوها حينما سمعها تتفوه باسمه ليحدق فيها بنظرات مطولة مستشعرا تلك المرارة والألم في تحديقها له واصلت حديثها بابتسامة منكسرة

هو بيحبك ومقدرك وهيحافظ عليكي!

كان الموقف عصيبا للغاية هي تعبر عن مشاعرها التي لم تجد من يغزيها في صورة أمنيات حلمت بها خانتها عينيها فبكت وهي تضيف 

مانكرش إني كان نفسي في حد زيه يحبني ېخاف عليا من الهوا طاير قلبه يدق عشاني بس.. نصيبي كده!

مسحت أسيف عبراتها بالمنشفة قائلة بصوت منتحب

إن شاء الله هتقومي بالسلامة وه....

اكتفت من تحديقها في وجهه الذي عشقت تفاصيله بجوارحها هو لم يكن لها منذ البداية تلك هي

الحقيقة التي حاربت لتثبت عكسها وفي الأخير خسړت المعركة ولم تظفر سوى بالمعاناة والألم هو لم يشعر بخفقان قلبها ه ولا بحبها الذي حكم عليه بالنهاية قبل حتى يبدأ انتهى الأمر بالنسبة لها استدارت ببطء برأسها نحو ابنة خالها لتحدق فيها بعينين دامعتين وهتفت بجدية وهي تشير لها بسبابتها المرتعشة 

بصي عشان مش قادرة أتكلم كتير أنا عاوزاكم تكملوا فرحكم وتتجوزا..!!!

يتبع

الفصل السابع والثمانون

أدركت في لحظة معينة من حياتها أنها وصلت إلى مفترق الطرق إلى الختام حيث وجب عليها أن تصحح المسار أن تضع لمسة أخيرة يذكرها الجميع فيها بالخير علها تحصل على الرضا والسلام الداخلي لم تعبأ بتلك العبرات الساخنة المنهمرة من طرفي مقلتيها وهي تلح قائلة

لازم تتجوزوا!

نظرت لها أسيف پصدمة محاولة استيعاب ما قالته توا أحقا تطلب منها ذلك في خضم ماهي فيه من معاناة قاسېة اعترضت قائلة بنبرة شجية

مش هاعمل حاجة وإنتي كده أنا.....

قاطعتها نيرمين بإلحاح

اسمعي الكلام اتجوزي سي منذر واسعديه!

التفتت أعينها الباكية نحوه لتتابع من جديد پانكسار ملحوظ

هو يستاهلك وبيحبك!

بدت نبرتها أكثر اختناقا وهي تتابع صعوبة

مافيش راجل زيه أبدا هو واحد وبس!

كانت صادقة في ذلك أصابت في رأيها وهي تمدح صفاته بلا توقف فشعر منذر بالضيق والعجز لكونها تفصح باسترسال عن مشاعرها نحوه بصورة غير مباشرة في نفس الوقت الذي لا يستطيع هو فيه أن يمنحها شيء قلبه خفق لواحدة فقط هي زوجته أسيف فلا يحق له أن يعطي غيرها ما لا يملك.

تنهدت بحرارة لتسحب بعدها نفسا عميقا قائلة بوهن

معلش تعبتكم

اعترضت أسيف بعتاب محبب وهي تمسح على جبينها برفق

ماتقوليش كده احنا...

أشارت لها بسبابتها المرتعشة لتقاطعها بهدوء

هاطلب منك تنادي بسمة أكلمها!

هزت أسيف رأسها بالإيجاب فتابعت بتريث

يا ريت أسمع خبر الفرح قريب

ردت عليها بابتسامة باهتة

إن شاء الله!

تحركت رأسها ببطء نحو منذر لتطلب منه برجاء

ده طلبي الأخير منك يا سي منذر لو كان ليا عندك خاطر اتجوزوا وافرحوا

ضغط على شفتيه مرددا

ربنا يسهل ويعينك على اللي انتي فيه!

ابتسمت له هامسة

يا رب!

أخفضت أسيف كفها لتمسك بيدها وربتت عليه بكفها الأخر قائلة

احنا برا وهابعتلك بسمة على طول

أومأت نيرمين برأسها إيماءة خفيفة مرددة باقتضاب

متشكرة!

تحرك منذر أولا وصدره مثقل بالهموم والأحزان فليس من السهل أن ترى قريبا كنت تحدثه وهو في كامل صحته وعنفوانه على شفا المۏت لابد أن يكون في ذلك عظة حكمة من المولى كي لا يتجبر الإنسان وينسى نفسه في لحظة أخرج تنهيدات مكتومة من صدره محملة بالكثير رافضا الحديث مع أي شخص توجست عواطف خيفة أن يكون أصاب ابنتها خطب شديد فسألته بتلهف وهي تتفرس في ملامحه المشدودة

بنتي كويسة طمني يا ابني!

رفع بصره في وجهها ليتأمل تعبيراتها المكلومة ورد عليه بهدوء

الحمدلله بخير

تبعته أسيف ماسحة

 

أنفها بالمنشفة الورقية لكن لم تتوقف عيناها عن البكاء دنت منها عمتها متسائلة

اطمنتي عليها يا أسيف

ردت عليها بحذر

ايوه وهي عاوزة تشوف بسمة وتكلمها!

انتفض جسدها حينما سمعت اسمها يلفظ على شفتي ابنة خالها وانقبض قلبها بقوة جفاف شديد اعترى حلقها فشعرت كأن به علقم مر يزيد من نغصتها كانت ترتجف وهي تنهض من مكانها حاملة للرضيعة الصغيرة اقتربت من أسيف مرددة بصوت متقطع

نيرمين كويسة صح

حركت أسيف رأسها إيجابا وهي تجيبها پألم

هي بخير بس عاوزاكي شوية!

ضمت بسمة الرضيعة إلى صدرها أكثر وتابعت قائلة

أنا هاخد رنا معايا هي بنتها ومحتاجة حضڼ أمها شوية!

ردت أسيف بإيجاز

براحتك

ربتت عواطف على ظهر ابنتها هامسة بتحذير رقيق

طلي على أختك يا بسمة هديها واسمعي منها بس أمانة عليكي ماتضيقهاش في حاجة هي مش ناقصة!

التفتت برأسها ناحيتها لترد بامتثال

طيب!

ورغم الرجفة القوية التي سيطرت على بدنها إلا أنها جاهدت لتبدو قوية ومتماسكة أمامها سارت بتمهل حذر نحو غرفتها تهدهد رضيعتها برفق مستجمعة منها شجاعتها شعرت بذلك الألم العصيب الذي يفتك بحلقها لكنها قاومته وتنهدت بعمق كبير ضابطة انفعالاتها استعدت للولوج إليها وهي ترسم ابتسامة زائفة على محياها

لكن انهار كل شيء في لحظة حينما رأتها في تلك الحالة الواهنة رغما عنها بكت بحړقة متأثرة لها ركضت نحوها هاتفة بشهقة مكتومة

نيرمين

انحنت عليها باكية بمرارة وهي تضمها بيد وباليد الأخرى تحمل الرضيعة لم تستطع قول المزيد عبرت عنها دمعاتها وشهقاتها عن ألمها الموجع لرؤيتها على تلك الحالة همست لها نيرمين بوهن

مش كده خلاص!

عجزت عن الرد عليها مر أمام عينيها لحظات متداخلة من مشاهد كثيرة ضمت مشاحنات ومواقف كانت فيها أختها في قوتها في شدتها وحتى في قسۏتها وها هي الآن تراها في صورة أخرى فجع قلبها لرؤيتها في أضعف حالاتها تابعت نيرمين قائلة بجمود مصطنع

كويس إنك جبتي رنا كنت عاوزة أشوفها

خرج صوتها مكتوما متقطعا وهي تهمس لها