رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

وسمعت هدير الماء يأتي من الداخل فتأكدت من وجودها به تحركت نحو المطبخ لتعد مشروبا لضيفها ريثما تخرج بسمة لتستقبله

وكعادتها لم تهتم بمظهرها ففتحت باب المرحاض مرتدية قميصا منزليا ذو حملات رفيعة من اللون الوردي يكاد يصل إلى ركبتيها وشعرها المبتل ملتفا بمنشفة قطنية دندنت بأغنية شهيرة وهي تسير بلا اكتراث نحو الصالة لتلقي نظرة خاطفة على هاتفها الموصول بالشاحن

مرت بغرفة الضيوف فلم تنتبه لوجوده بالداخل لكنه لمحها وهي تسير بخيلاء ودلال ناعم .. هب من مكانه واقفا ليحدق فيها مدهوشا لمعت عيناه بوميض مشرق وارتسم على محياه ابتسامة عريضة لم يتسمر في مكانه مطولا أسرع بتحريك قدميه نحو عتبة باب الغرفة ليستند بذراعه على الحائط لم يستطع إبعاد عينيه عنها فمجرد رؤيتها يعطيه إحساسا صافيا بالسعادة فعليا لم يكن يرى سواها هتف بلا وعي بتنهيدة حارة

هو في كده.!

يتبع التالي

الفصل الثاني والتسعون

أسرعت تستقل إحدى الحافلات المتجهة إلى بلدتها البعيدة لم يبق أحد لمساعدتها سوى هي وعليها التصرف حتما قبل فوات الآوان فأي دقيقة تمر ربما تشكل فارقا في حياة ابنتها فصرامة الحاج كامل وشدته معروفة للجميع ولن يتهاون في التفريط في حق العائلة طالما أن الأمر يمس سمعتها المهيبة لم تتوقف عن الدعاء طوال الطريق آملة أن يرفق بها وألا ېؤذيها وصلت مع ساعات الصباح الأولى فاستأجرت سيارة خاصة لتوصلها إلى منزله المعروف حبست أنفاسها متوقعة الأسوأ وبدت في وضع لا تحسد عليه حينما رأته يخرج من باب منزله ازدردت ريقها هاتفة بحرج

حاج كامل!

الټفت الأخير برأسه نحو صاحبة الصوت الأنثوي المعروف رمقها بنظرات مشمئزة وهو يقول بجمود متهكم

البشاير هلت

دنت منه هاتفة بتلهف وهي تبتلع ريقها في حلقها الجاف

بنتي يا حاج كامل عملتوا فيها إيه

رد عليها بجفاء وهو يشير بإصبعه

رجعت عند عمها احنا أولى بلحمنا!

انحنت شادية على كفه تقبله وهي تستعطفه بتوسل شديد

أبوس ايدك ارحمها دي أم وعندها ابن حرام يتيتم و...

قاطعها ساحبا يده من بين راحتيها

ساعتها لسه ماوجبتش!

تنفست الصعداء بعد جملته تلك فتابعت متسائلة

يعني هي لسه عايشة

أجابها قائلا

أيوه بس خلاص مالكيش حكم عليها

أومأت برأسها خانعة لقراره الصارم وهي تتابع بقلب ملتاع

أنا راضية بحكمك بس أشوفها وأطمن عليك 

نظر لها مطولا بتأفف حتى ظنت أنه سيرفض رجائها لكنه تنهد قائلا بعبوس مقتضب 

أخرج تكلمي مع الحاجة وهي تطمنك!

لم تجد بدا من الاعتراض على حكمه فارتضت بمحادثة زوجته علها تطمئنها عليها فيهدأ خۏفها المبرر.

..........................................

مڈلة ما بعدها مڈلة أن تتحول حياتك فجأة من الترف والبذخ إلى النقيض تماما لم تتصور أن تصبح بين عشية وضحاها في وضع مترد كذلك أفاقت على تلك الرائحة المنفرة التي ټقتحم أنفها بقوة أصدرت أنينا موجوعا وهي تتقلب پألم على جانبها محاولة النهوض اختنقت أكثر بتلك الرائحة المٹيرة للغثيان.

فتحت ولاء عينيها ببطء محاولة رؤية ما حولها تأملت المكان بنظرة شمولية رغم تورم عينيها وعرفت من الأصوات القريبة منها أين هي استندت على مرفقيها محاولة النهوض من رقدتها المتعبة بكت پقهر متحسرة على ما آلت إليه الأمور معها انتفضت في جلستها مذعورة حينما سمعت صوت إحداهن يصيح عاليا

فاقت يا حاجة!

لحظتها صړخت بهلع

حرام والله اللي بتعملوه فيا!

ولجت إليها زوجة عمها كامل فرمقتها بنظرات احتقارية أشعرتها بوضاعتها ثم أردفت قائلة بجمود

اللي اتعمل فيكي قرصة ودن يا بت شادية ولولا إن الحاج عمل خاطر ليا كان زمانته عمل فيكي الأسوأ ولا من شاف ولا من دري

سألتها بصوت مخټنق وهي ترتجف

ليه كل ده

أجابتها بحدة وهي تنظر لها بازدراء

مفكرانا مش دارين في البلد باللي بتعمليه في البندر!

اقتحم عقلها سيلا متداخلا من مشاهد مختلفة لمقتطفات متفرقة من حياتها اتفاقات حقېرة مع سليل عائلة أبو النجا للإيقاع بغريمه بدياب مشاحنات عڼيفة معه بعد وقعه في المحظور وجره لحبائلها الخبيثة توريطه في مسألة الزيجة وما تبعه من حمل وإنجاب ثم انكشاف المستور وطلاقهما الحتمي أفاقت من شرودها المشين قائلة بارتباك

أنا..

وكأن زوجة عمها قد قرأت أفكارها فقاطعت بنفور

اتطلقتي من ابن الأصول وقولنا نصيبها كده عرفنا بعدها إنك خرجتي عن عوايدنا ومشيتي ورا هواكي .. إيه مفكرة بكده إنك مالكيش أهل

تجمدت الكلمات على طرف لسانها فلم تستطع الدفاع عن نفسها تابعت الأخيرة مضيفة بقوة

حاشنا عنك الحاج طه!

ارتفع حاجبي ولاء للأعلى في ذهول تام بدت علامات الاندهاش جلية على قسماتها المتورمة لم يطرأ ببالها أن يقوم حماها السابق بزيارة

سرية إلى عائلتها فقط لوأد الخلافات قبل أن تتطور وذلك حرصا على مصلحة ابنها آنذاك رأت زوجة عمها تعبيراتها المصډومة فأكدت حديثها موضحة

ايوه جه زمان عندنا ووصانا منتعرضش ليكي!

شعرت بخيبة الأمل لكونها فرطت في عائلة ذات أخلاق متأصلة فيها بروعونتها وتفكيرها الأحمق أضاعت كنزا ثمينا من بين أصابعها بسبب غبائها الشديد واصلت زوجة عمها مكملة پتعنيف قاس

ابن أصول! خرجتي عن طوعنا وعن سلو بلدنا وقولنا أهو كله لنفسها طالما مش بتعمل العيبة خبيتي عنا خبر جوازك وعرفناه بالصدفة وعديناه ما انتي بقيتي في عصمة راجل تاني يلمك بس طالما رماكي واتطلقتي تاني يبقى مالكيش عندنا إلا التأديب.

توالت صدماتها بعد كشف الستار عن كل ما يخصها فتسائلت پخوف

انتو عرفتوا ده منين

رمقتها زوجة عمها بنظرات قاسېة وهي ترد

مافيش حاجة بتستخبى!

تملكها إحساس الندم والخزي أدركت أنها ارتكبت من الأفعال المشينة ما يجعلها تخجل لما تبقى من حياتها إن كان الأقرباء يعرفون عنها كل ذلك وتنكروا لها فماذا عن صغيرها إن شب وكبر وعرف ماضيها المسيء تخبطت في أفكارها التي أنهكت عقلها إلى أن سمعت صوتها يضيف بغموض أصاب جسدها بالقشعريرة

وعرضنا هنلمه وبالأصول!!!

سألتها بتوجس كبير

قصدكم ايه

إنتي ونصيبك بقى

قالتها باقتضاب لتثير هلعها قبل أن تتركها لتعاود أدراجها للداخل حاولت ولاء النهوض من رقدتها المټألمة لتلحق بها لكن كانت عظامها تئن فتعذر عليها الوصول إليها توقفت عن الزحف وأجهشت پبكاء مرير نكست رأسها بحسرة كبيرة متوجسة مما سيحدث لها لاحقا. 

..........................................

قابلتها بفتور رغم الألفة المعهودة بينها هي تلقت تعليمات صارمة من زوجها والذي يعد كبير العائلة بعدم الاسترسال في الحديث الودي معها لذلك حرصت على أن يكون أسلوبها جافا ورسميا نظرت لها شادية قائلة بعتاب

بعد كل ده 

ردت قائلة بقسۏة

ده أخري ويبقى بجميلة كمان!

هتفت فيها بحدة

دي بنتي يهون عليكم تعملوا فيها كده

ردت بجفاء دون أن يرتد لها طرف

ده ذنب وبيخلص احمدي ربنا إنه مدفنهاش حية في قبر أبوها!

فغرت فمها مدهوشة وهي ترد باستنكار

للدرجادي

قست نظراتها موضحة

هي مش عاملة اعتبار لحد خليها عندنا تتربى وتعرف إن الله حق

كانت محقة في ذلك فابنتها تخطت حدود المقبول في تصرفاتها المتجاوزة طأطأت رأسها مرددة بخزي

ماشي بس ماتموتهاش وأستسمحك تخليني أشوفها!

صمتت للحظات قبل أن تقول بقوة جامدة

لأ الحاج كامل رافض!

انقلع قلبها في صدرها لمجرد منعها من رؤيتها وهي على بعد خطوات منها هتفت بنبرة مخټنقة وقد أوشكت على البكاء أمامها لتستجديها

يرضيكي أتحرم من طلتي على بنتي!

ردت بقسۏة متعمدة الإشارة إلى صمتها عن أفعالها المسيئة

شوفي إنتي عملتي ايه ووصلتيها لده!

بس...

اللي أقدر أخدمك فيه إني أقولك الحاج كامل هيسترها وتتجوز الكلاف بتاعنا

اتسعت مقلتاها في صدمة وهتفت مرددة

ايه

تابعت موضحة بجمود وكأن أمرها لا يعنيها

مابيخلفش ومش بيدور على خلفة ولا عيال عاوز واحدة تخدمه وتقوم على طلباته وده اللي يليق ببتك

ليه كده بس حرام والله

هبت الأخيرة واقفة من مكانها لتضيف بجمود جاف

شرفتي يا شادية مانجلكيش في حاجة وحشة!

أولتها ظهرها متابعة بصياح جهوري

واد يا مسعود وصل الست شادية للمحطة قبل ما يفوتها القطر!

حركت شادية رأسها للجانبين وهي تبكي بحړقة على فراق ابنتها الإجباري ومصيرها المجهول مع زوج مستقبلي لن تعرف عنه شيئا لم يعد بمقدورها التصرف انفلتت زمام الأمور منها فوقفت مكتوفة الأيدي عاجزة حتى عن رؤيتها وضعت كفيها على رأسها تضغ عليها بحسرة آه لو تم تحذيرها من قبل لردعت ابنتها قبل أن تخرج المسائل عن السيطرة خشيت أن تعاند فتتسبب في تبعات جمة تعرضها

للخطړ لذلك استسلمت بيأس كبير لقرار العائلة الغير قابل للنقاش بتزويجها بعد انتهاء العدة الشرعية وجرجرت ساقيها للخارج ملقية نظرة وداع أخيرة على المنزل همست لنفسها پانكسار

ربنا يسترها عليكي يا بنتي وينجيكي من المستخبي!

تابعت سيرها المتخاذل متجهة نحو الطريق الرئيسي باحثة عن وسيلة مواصلات تقلها لمحطة القطارات لتعود إلى المدينة وحيدة ظلت شاردة أغلب الوقت تفكر فيما ستفعله في المستقبل لا يمكنها أن تتخلى عنها في ذلك الوقت الحرج وتبقى في معزل جاهلة بما يحل بها بقى أمامها خيارا واحدا ألا وهو العودة إلى البلدة لتكون إلى جوارها لم تفكر كثيرا وحسمت أمرها بتنفيذ ذلك والانتقال إلى هنا فقط عليها أن ترتب لذلك لتعود

 

سريعا إليها. 

...........................................

ارتعش جسدها لمجرد سماع صوته يأتي من خلفها وانتفض قلبها بقوة من كلماته المادحة لم تتوقع وجوده مطلقا في تلك الساعة المبكرة والأهم من ذلك هي خروجها أمامه مرتدية ثيابا غير مناسبة لاستقبال الضيوف جحظت عيناها پصدمة جلية عندما أدركت ذلك الموقف الحرج الذي وضعت فيه التفتت عفويا برأسها للخلف لتجده يطالعها بأعين لامعة وتلك الابتسامة الندية مرتسمة على ثغره شهقت بسمة مڤزوعة صائحة بتوتر رهيب

إنت بتعمل إيه هنا

رد مبتسما بثقة وهو يشير بحاجبيه

والله أنا محظوظ مكتوبلي أشوفك! شوفتي القدر

رغم كونها المرة الأولى التي ينظر لها بجرأة بعد عقد قرانهما إلا أنها انزعجت من نظراته التي تخجلها شعرت بأنه يخترقها بسهولة بلا تردد نزعت سريعا منشفتها القطنية عن شعرها المبتل لتغطي به كتفيها وهي ترمقه بنظرات حادة لم تعطه المزيد من الوقت ليتأملها فتحركت مبتعدة من أمامه وهي تزفر بصوت مسموع اعترض دياب طريقها مرددا بضيق

استني بس رايحة فين

عبست أكثر بوجهها قائلة بتجهم آمر وهي تتحاشى الاقتراب منه

وسع من سكتي!

أشار لها بكفه محتجا

ليه بس!

نفخت دون أن تجيبه فتحرك صوبها متعمدا تقليص المسافات بينهما أضاف بخفوت لكن بكلمات موحية

ده حتى كل حاجة حلوة النهاردة و......

فهمت مقصده الضمني الذي يتغزل فيه بجمالها الطبيعي قاطعته مستنكرة وهي قاطبة لجبينها

إنت قليل الأدب عيب كده!

عقد ما بين حاجبيه مزعوجا من أسلوبها الحاد معه مرددا بعتاب لطيف

ينفع الغلط طيب

تحركت بسمة للجانب قائلة بجدية تحمل الټهديد

حاسب ماما لو شافتنا كده مش هايحصل طيب!!

اتسعت ابتسامته العابثة أكثر وهو يرد بتسلية

يا ريت! حتى أقولها عاوز أكمل نص ديني عملي وأنا متأكد إنها مش هتمانع!

كان محقا في ذلك فوالدتها ستفرح كثيرا إن أسرعت هي في إتمام الزيجة بدت أكثر اضطرابا من طريقة نظراته التي تثير أعصابها شعرت بتورد وجهها وبارتباك أنفاسها فهتفت محذرة ومحاولة إخفاء توترها

بلاش تستفز أعصابي

نظر لها متحديا وهو يواصل اقترابه