رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

بنظرات مزعوجة لكنها لم تتدخل في الحوار ففي النهاية ما يخص أمور العمل هو شأن ذكور العائلة فقط.

هو لم يكد يفيق من تصرفات تلك الريفية الطائشة حتى يزيد أبيه من الطينة بلة بحديثه عن جدية التنازل الجميع ينظر للأمر من منظور محدود الأفق لا يعرفون أبعاد ترك شخصية عڼيفة وبربرية كمجد ليصبح حرا طليقا فيفعل ما يحلو له دون ترقب أي حساب.

ضغط منذر على أصابع كفيه پعنف مكورا يده لي بها الحائط متسائلا بسخط

طب فهمني بردك اتنازلتوا ليه موقفنا كان أقوى و.....

قاطعه طه قائلا بهدوء زرين

أنا ببص لقدام يا منذر!

احتدت نظراته هاتفا بشراسة

مع ابن ال..... ده انت ناسي يا حاج عمل ايه زمان ده بلاويه كلها معروفة للكل!

هز أباه رأسه بإيماءة بسيطة وهو يرد باقتضاب

معلش!

صاح الأخير مستنكرا

هاتفدني بايه معلش دي قولي يا حاج طه!!!!

رفعت جليلة كف يدها للأعلى قائلة بع وهي تشير به

يا ابني اهدى بالراحة شوية الحمدلله إنها عدت على خير والجماعة قالوا هايصلحوا اللي كسروه و....

أشار لها طه برأسه هاتفا بصرامة

اسكتي انتي يا جليلة وقومي شوفي وراكي ايه!

نظرت له بعتاب وهي ترد

بقى كده! ماشي يا حاج!

ضړبت بيديها على فخذيها ثم نهضت بتثاقل من على الأريكة وتحركت بخطى بطيئة تاركة لهما المجال للحديث بحرية توارت عن أنظارهما لكنها لم تبتعد تماما حافظت على مسافة جيدة لتتمكن من سماع ما يقولان بوضوح.

أومأ طه بعينيه لابنه قائلا بصلابة آمرة

اقعد يا منذر وأنا هافهمك بأفكر

في ايه

تجهمت تعابير وجهه للغاية ورد بنبرة محتقنة

خلاص يا حاج انت عملت اللي عاوزه وقبلت بالترضية بس متلومش حد بعد كده!

عنفه طه قائلا

الأمور ماتدخش قفش احنا بناخد وندي مع بعض!

ضاقت أعين منذر للغاية وظل محدقا بوجه أبيه بنظرات تحمل اللوم.

هتف فجأة بلا تردد

سلامو

 

عليكم أنا نازل.

نظر له والده بغرابة مستنكرا انفعاله الزائد

يا بني اسمع الأول!

وضعت جليلة يدها على صدغها هاتفة لنفسها بتوجس مرعب

هو العمل إياه اللي عامل في ابني كده ومش مخليه على بعضه!

حل الوجوم على قسماتها وهي تضيف بنفور

طلعت البت قادرة وساحرله فعلا صدقتي يا نيرمين!

حدقت أمامها في الفراغ قائلة بحسم 

لازم أشوفله شيخ يفك العمل ده بدل ما ابني يروح مني!

جلس خلف مقود سيارته ممسكا بهاتفه المحمول باحثا عن رقم ما هو فكر وعقد العزم على فعل ما يراه مناسبا حتى وإن كان مزعجا بالنسبة لها.

وضع منذر الهاتف على أذنه صائحا بجمود آمر

اسمعني كويس!

أتاه صوتا خشنا على الطرف الآخر يجيبه بامتثال

أؤمر يا ريس منذر!

تابع قائلا بثبات جاد

تروح لورشة زقزوق وتخليه يجيب أبلكاش يحاوط كل المحلات مش عاوز مخلوق يعرف يعدي!

رد رجله قائلا بتوضيح

بس الدكان اللي في النص هيعاكسنا

رد عليه منذر هاتفا بصلابة صارمة

نفذ اللي قولتلك عليه وخصوصا مع الدكان ده! تتقفل الحتة كلها من حواليه مش عاوز خرم ابرة يفوت منها حد! فاهم

اعتبره حصل يا ريس

تابع مكملا بلهجة شديدة

على أخر اليوم تكون خلصانة الحكاية دي مش هارغي فيها تاني!

ثم أنهى معه المكالمة لافظا زفيرا مشحونا من ه حرك ه للجانبين ليخفف من حدة ذلك التوتر ايطر عليه وفركه بكفه بحركات متكررة مزيلا ذلك التيبس.

حدث نفسه بتحد مغتر

وريني هاتخشي الدكان ازاي يا بنت رياض!

التوى رغما عنه فمه للجانب ليظهر شبح ابتسامة باهتة عليه.

أدار بعدها محرك السيارة منطلقا بها في اتجاه الوكالة.

جفا النوم جفنيها وهي تتقلب على الفراش محاولة إجبار عقلها التوقف عن التفكير فيه وفي حماقتها الطائشة معه أعاد عقلها تذكيرها بما فعلته مرات ومرات ليظهر مدى غبائها في كل مرة دفنت رأسها بالوسادة ونفخت مستاءة من نفسها.

هو جاء بقصد الاطمئنان عليها ودعمها ناهيك عن حمايتها من أي أذى قد يلحق بها وهي اتهمته كعادتها دون تمهل بطمعه في نيل الدكان منها.

همست لنفسها بإحباط

تعبت نفسي أرتاح بقى! 

تردد في أذنيها صدى كلماته بأنه صاحب الكلمة الأخيرة في تقرير ما يخصها.

زفرت مجددا بإنهاك ورددت متسائلة بحيرة

يعني هاتعمل ايه مش هاتقدر تمنعي!

في صباح اليوم التالي

وضع يديه على منتصف ه مراقبا بإعجاب تام ما أنجزه الرجال أمام المحال اختفت جميعها خلف تلك الألواح الخشبية الغليظة التي طوقتها بالكامل مانعة أي شخص من النفاذ إليها إلا من باب صغير ضيق يكفي لمرور فرد واحد ووضع أمامه عدة رجال ليقوموا بالحراسة بالإضافة للعمال ائولين عن توضيبهم.

كذلك تم تجهيز محل منهم ليصبح مكانا لإقامة العمال ليلا ليضمن تأمين الدكان وما حوله على مدار اليوم.

سأله الحاج زقزوق الواقف إلى جواره بابتسامة واثقة

عجبك الشغل يا ريس منذر

أجابه بتنهيدة ارتياح

مافيش بعد كده!

أضاف الحاج زقزوق مرددا

انت بس تؤمر واحنا نعملك اللي انت عاوزه كله!

وضع منذر يده على كتفه ليربت عليه هاتفا بامتنان

تسلم يا حاج زقزوق والحساب هايكون عندك كمان شوية

هز رأسه بتفهم

براحتك الجيب واحد!

طول عمرك ذوق!

ودعه بعدها مصافحا إياه بود ثم الټفت برأسه ليحدق في المحال بنظرات متباهية فها قد أفسد عليها ما سولت لها نفسها بعنادها الأحمق ونفذ ببراعة داهية ما أقره أمامها..

تمتم من بين ه بتحد

وريني هاتعرفي

تخشي الدكان ازاي!

هرولت في خطواتها متهجة نحو غرفته الموجودة بالطابق الأرضي في أقصى الأركان بداخل ذلك المبنى القديم الذي يقع على أطراف المدينة منادية إياه بصوت حاد

يا أستاذ ناصر انت فين

أغلق خزانة أدوات عدته التي يستخدمها في تدريس مادة الصيانة والترميمات للطلاب الصغار ليتجه نحو الخارج قائلا بفتور

خير يا أبلة!

وقفت قبالته مرددة بصوت لاهث

عندك حصة احتياطي في أولى رابع!

عبس وجهه قائلا بانزعاج

هو مافيش إلا أنا في أم المدرسة الفقر دي!

هزت كتفيها مبررة

هانعمل ايه عندنا عجز وزي ما انت شايف لما حد بيغيب مش بنلاقي اللي يغطي مكانه!

نفخ بصوت مسموع وهو يضيف

إياكش بس يحاسبونا على الاحتياطي ده!

ردت عليه المشرفة بسخط

هو احنا بنعرف ناخد حاجة من الحكومة ده حتى بدل المنطقة النائية بقالهم أد كده مادهولناش

وضع ناصر يده على طرف ذقنه ليفركها بحدة قائلا

ربنا ياخدهم ويريحنا!

مررت المشرفة أنظارها سريعا على هيئته التي كانت غير مناسبة نوعا ما فلفتت انتباهه محذرة

ظبط نفسك كده يا أستاذ ناصر

نظر إلى حيث أشارت وفهم مقصدها هي كانت محقة في ذلك فثيابه شبه مزرية. 

أكدت عليه متابعة بصرامة قليلة

بعد ما تخلص اطلع الحصة ماتنساش ماشي

أشار لها بيده هاتفا بتجهم

طيب هاقفل الأوضة وطالع!

انتظرها حتى انصرفت من أمامه ثم عاود أدراجه للداخل ليهندم من هيئته الغير مرتبة كان يشعر بثقل في رأسه بسبب سهره لوقت طويل ناهيك عن امتلاكه لمبلغ زهيد من المال فلم يستطع شراء ما يسر به على نفسه. 

تثاءب بصوت خشن ثم مسح طرف أنفه بإصبعه رفع حزام بنطاله المتهدل للأعلى سائرا بخطوات متهملة نحو الخارج هو لم يكن بحاجة للتأنق في العمل فالوضع هنا لا يستحق.

لم يكن رواد تلك المدرسة الابتدائية النائية من الطلاب بالعدد الكثيف كبقية المدارس الحكومية فأغلب من يأتي إليها من الفقراء أو أبناء العمال والمغتربين من المحافظات المختلفة بالإضافة إلى طبقات ذات ثقافات متدنية للغاية من عامة الشعب لم يلتزم التلاميذ بالزي المدرسي فأي شيء متاح لهم ارتدائه.

ولج إلى الفصل متأملا المتواجدين به بنظرات متأففة ومشمئزة منهم.

جمد تعابير وجهه ليصيح في الصغار بغلظة قوية

اترزعوا في مكانكوا جتكم الهم عيال.......!

امتثل الصغار لأمره وجلسوا خلف مقاعدهم الخشبية المتهالكة.

أشار بذراعه لها قائلا بصوت جاف

انتي يا بت تعالي هنا!

ابتلعت الصغيرة ريقها پخوف وقفت في مكانها ناظرة له ببراءة وهي تقول

ايوه يا أستاذ

رد عليها بصوته المتحشرج بمكر

روحي هاتلي من أوضة الصيانة المفك والكماشة

حكت الصغيرة جبينها بعدم فهم متسائلة

دول شكلهم ازاي

صاح بها متعمدا إھانتها

غبية ومابتفهمش

ضحك الصغار على سخريته اتهزأة منها فأدمعت عيناها تأثرا وزاد ع وجهها الطفولي.

تابع هو قائلا بخبث

تعالي معايا هوريكي شكلهم!

هزت رأسها قائلة بصوت حزين

ماشي!

ثم أشار لطفل أخر مهددا بصوته الآجش الآمر

انت يا واد تعالى اقف هنا وأي حد يفتح بؤه ويتكلم طلعهولي على الحيطة! ويومه مش فايت.

نفذ الصغير أمره مبتسما بتفاخر كبير

حاضر يا أستاذ !!!!

يتبع الجديد

الفصل التاسع والأربعون الجزء الأول

صدح صوت هاتفه فجأة لينتفض بقوة وتفر الډماء من عروقه اضطرب ه وتوتر كثيرا.

سريعا ما استعاد ناصر هدوئه ودس يده في جيبه ليخرج هاتفه وينظر إليه رأى اسم ذلك الشخص الذي ترقب اتصاله بفارغ الصبر فبرقت عيناه بوميض أخر متلهف.

هو اعتاد على تخليص بعض المصالح والمهام الشخصية له وطلب منه معروفا قبل فترة عله ينفذه له إن أتيحت الفرصة.

لم يرغب في الحديث أمام الطفلة التي جاءت معه لإار أدوات الصيانة فضغط على زر إنهاء المكالمة قبل أن يجيب عليها وأمرها

ارجعي فصلك يا بت!

هرولت عائدة إلى فصلها ليتمكن من الاتصال بذلك الشخص الهام.

هتف بحماس عجيب

سلامو عليكم ازيك يا باشا أنا مصدقتش نفسي ان سيادتك بتتصل بيا!

أتاه صوته الهاديء قائلا بجدية

لأ صدق وعاوزك تطمن أمر نقلك للمدرسة الجديدة هي خلال ساعات!

تهللت أساريره أكثر وهو يرد بعدم تصديق

بجد يا باشا

رد عليه الشخص بصوته الجاد

هو أنا بأهزر في الحاجات دي رجالتي دايما أحب أريحهم وزي ما بيخدموني أنا برضوه بأشوف طلباتهم!

شكره ناصر قائلا

كتر خيرك يا باشا إنت اطلب اللي عاوزه وي هاتكون سدادة

تابع الشخص حديثه مضيفا بغموض

قريب هحتاجك في مصلحة كده بس عاوزك تشوفلي حد ثقة ويكون مضمون!

هتف دون تردد

عندي يا باشا واحد حبيبي وأنتيمي وقديم في الشغلانة كمان!

سمع صوته يقول باقتضاب

حلو بعدين نتكلم في التفاصيل!

رد عليه ممتثلا وهو يوميء برأسه

اللي تؤمر بيه!

هاكلمك تاني مع السلامة

هتف مودعا بامتنان كبير

ألف سلامة يا باشا! في انتظار سيادتك!

أنهى المكالمة معه ملوحا بقبضته بحماس زائد في الهواء.

تنهد بارتياح ماسحا بكفه على ه فقد تحقق مبتغاه وسينقل إلى مدرسة أخرى بالمدينة بعيدا عن تلك النائية الفقيرة.

التوى فمه بابتسامة صفراء عريضة وهتف محدثا نفسه بسعادة

وأخيرا هاسيب أم المكان ال......ده وأروح مدرسة أنضف!

حصلت على رقم أحد الأشخاص المبروكين كما تظن من إحدى جاراتها لتستعين به في حل کاړثة الحجاب المشؤوم وفكرت في الذهاب إليه بصحبة نيرمين كي تكون شاهدة معها على الأمر. فهي تخاف أن تتواجد هناك بمفردها قطع تفكيرها المتعمق صوت قرع الجرس فأسرعت نحو الباب لتفتحه. فرأت بسمة واقفة على العتبة مبتسمة لها بخفوت فبادلتها نفس الابتسامة وهي تفتحه على مصرعيه سامحة لها بالولوج للداخل.

استطردت بسمة حديثها قائلة بهدوء 

صباح الخير

انحنت عليها جليلة لتا من وجنتيها بطيبتها المعهودة معها مرددة

صباح النور يا بنتي اتفضلي!

تنحنحت بسمة بحرج قائلة بتوضيح

أنا جيت بدري عشان أدي الدرس ليحيى زي ما كلمتك 

ردت عليها جليلة بود وهي تشير بيدها

تنوري يا بسمة في أي وقت وأنا صحيته وهو مستنيكي في أوضته

هزت رأسها بتفهم وهي تضيف بنبرة موجزة

تمام!

اتفضلي!

ثم سارت بصحبتها نحو غرفة الصغير يحيى لتستذكر معه دروسه.

انتهت