رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

مع افتتاح الفرع الجديد الخاص بالوكالة فقد عمد منذر إلى تغيير نشاط المحال بعد فض الشراكة مع عائلة أبو النجا ليتحول إلى معرض حديث مزود بالتصميمات الجديدة للأدوات الصحية الجميل في الأمر أن زوجها سينتقل لذلك الفرع للعمل إلى جوارها ليظلا على مقربة من بعضهما البعض.

قامت أسيف برص الباقات المعدة سلفا على أحد الرفوف متسائلة باهتمام

يعني اتفقتوا

أجابتها بسمة بتنهيدة مطولة

ايوه

لكزتها أسيف في كتفها معاتبة

بذمتك في عروسة تكون قالبة وشها كده!

ردت عليها بتجهم

أنا مكونتش حابة أستعجل

نظرت لها بغرابة رافعة حاجبها للأعلى وهي تقول

ده انتو بقالكم فترة كاتبين كتابكم

ردت بعدم اكتراث

في ناس بتفضل بالسنين

صححت لها

أسيف تفكيرها قائلة

ده لما يكونوا مش جاهزين!

زفرت بسمة بصوت مسموع وهي ترد

خلاص ارتاحوا كلكم من الزن أسبوعين وأتنيل أتجوز

انفرجت شفتي أسيف پصدمة واضحة لم تتوقع منها تلك العبارة فردت مدهوشة

وساكتة

قوست فمها للجانب متسائلة بفتور

هايحصل ايه يعني

تفاجأت بابنة خالها تجذبها من يدها بغتة لتتحرك معها نحو باب الدكان هاتفة بتلهف

ده احنا كده معندناش وقت خالص

استغربت من تصرفاتها المريبة والمبالغ فيها وهي تسألها

في ايه يا بنتي

ردت عليها بجدية

سيبي اللي في ايدك دلوقتي وخلينا نشوف هانعمل معاكي ايه يا عروسة

أشارت لها بكفها متابعة باندهاش

يا أسيف الدكان....

تأملتها بنظرات عميقة وذات مغزى قبل أن تقاطعها بحزم

مش وقته خالص ده احنا عندنا عروسة!

سحبت بسمة يدها من كف أسيف الممسك بها مرددة بقلق

بلاش توتريني خلي الأيام دي تعدي على خير!

لم تستدر بجسدها نحو الباب وهي تتحرك نحوه باندفاع طفيف وبالتالي لم تر دياب وهو يلج إليه لذا دون قصد منها ارتطم ظهرها بصدره فسقطت في أحضانه تلقفها من ذراعيها مانعا إياها من السقوط شعرت بقبضتيه عليها فالټفت نحوه برأسها لتحدق فيه پصدمة رمقها بنظرات عاشقة قريبة مليئة بالكثير من المشاعر المتأججة تلون وجهها بحمرة قوية وسريعة لم يفلتها منه وهمس لها بعبث مستغلا تلك الفرصة التي لا تتكرر كثيرا

وربنا أنا محظوظ!!

يتبع

الفصل الخامس والتسعون الأخير الجزء الثاني

وكأن الأقدار تلعب معها وتخدمه مهيئة له الظروف لتجمع بينهما رغما عن إرادتها حدقت فيه بنظرات مدهوشة وحاولت التحرر من قبضتيه المحكمتين حول ذراعيها لكنه رفض إفلاتها بدا الانزعاج واضحا على محياها وهي تصيح بتشنج

لو سمحت ماينفعش كده!

لم يضغط عليها كثيرا فالمكان والزمان غير ملائمين تماما للجدال أو حتى لإظهار المشاعر والأحاسيس أرخى قبضتيه عنها قائلا بابتسامة متسلية

وماله!

وما إن نالت حريتها حتى تراجعت مبتعدة للخلف محدقة فيه بنظرات تحمل الضيق ظل دياب يطالعها بنظراته أخرجته الأخيرة من تحديقه المطول متسائلة

ازيك يا دياب إيه الأخبار

رد قائلا بهدوء وهو يعبث بمؤخرة رأسه

الحمدلله يا مرات أخويا!

عاود دياب التحديق في بسمة ابتلعت ريقها مرددة بارتباك

أسيف أنا هارجع البيت!

سد عليها دياب الطريق بجسده ليمنعها من المرور أو التقدم خطوة للأمام قائلا باستنكار

ايه ده! انتي ماشية

فركت أصابع كفها بتوتر وهي ترد بتجهم زائف

ورايا حاجات في البيت مش فاضية للهزار البايخ ده!

دنا منها فتوترت أكثر من اقترابه الغير حذر تلفتت حولها مبدية حرجها من تصرفاتها المتجاوزة لكنه لم يكترث بما يفعله همس لها بتنهيدة 

بس أنا ملحقتش !

تنحنحت بسمة بصوت خفيض ثم دفعته بيدها من كتفه لتتمكن من المرور قبل أن يحاصرها أكثر من ذلك اندفعت مسرعة نحو الباب قائلة بجدية شديدة

سلام يا أسيف!

لم تستطع ابنة خالها الرد عليها بسبب فرارها الغير مبرر من الدكان واكتفت بالابتسام المتعجب صاح دياب بامتعاض مستنكرا جفائها معه

شايفة المعاملة

حافظت على ابتسامتها الرقيقة وهي ترد بهدوء

معلش بتدلع عليك

احتدت نظراته قائلا بوعيد

بكرة يطلع عليها إن شاء الله أنا ماسك أعصابي لحد النهاية!

وضعت يدها على أنفها مانعة نفسها من الضحك على طريقته المضحكة ثم قالت

اصبر على رزقك ده حتى بيقولوا الصبر مفتاح الڤرج!

رد ساخرا بعبوس

ده لو فضل فرج عايش!

انحنت بجسدها للأمام لتجمع بقايا روث البهائم من الحظيرة بعد أن أمرها عمها كامل بتولي مهمة تنظيفها يوما بعد يوم لم تتصور مطلقا أن تتحول حياتها من الترفه والرفاهية للشقاء والذل لو أخبرها أحدهم أنها بعد أشهر ستكون في تلك الحالة وعلى هذه الوضعية لظنت أنه مچنون لكنها الحقيقة المرة نعم هي حصلت على وثيقة طلاقها من زوجها مازن وباتت حريتها مشروطة حتى انتهاء عدتها لتزف إلى ذلك العامل الذي حكم عليها بأن تكون زوجته هو لا يبحث عمن يبادلها مشاعر الحب بل عمن تلبي له رغباته المنزلية وتؤدي واجباتها بإخلاص هو يعاني من مشاكل في الإنجاب ولم يسبق له الزواج لكن لرغبة عمها في تأديبها وفي سترها عرض عليه الزواج بها وارتضى الأخير بها ممتعضا ولما تنكر ذلك وهي من ألقت بنفسها في التهلكة

بكت ولاء قهرا على حالها البائس انتحبت بصوت خفيض محدثة نفسها

أنا اللي جبت ده كله اللي نفسي أنا افتريت وطمعت وضاع مني كل حاجة!

لم تستطع التركيز في أداء عملها فاڼهارت باكية بحړقة أشد لطمت على رأسها بكفيها متابعة پانكسار

كنت غبية! غبية!

أخفضت كفيها لتلطم على صدغيها حينما تذكرت ابنها ذلك الصغير الذي تناسته في خضم معاركها الطامعة لم ينل من أمومتها ولا أحضانها إلا القليل لم تكن أما بالمعنى الحقيقي شعرت بوخزة عڼيفة ټضرب قلبها الذي انفطر على بعده صاحت بنواح

حبيبي يا يحيى! وحشتني أوي يا ترى هاعرف أشوفك ولا لأ!

اشتعلت رأسها بنيران الغيرة حينما اقتحم عقلها صورة بسمة بابتسامتها التي تستفزها وهي متأبطة لذراع دياب احتقنت أعينها الباكية وامتلأ وجهها بحمرة ملتهبة بالتأكيد تربعت على عرش قلبه

واحتلت مكانها الطبيعي ما أصابها بخيبة الأمل هو إحساسها بأنه متيم بها ويعشقها پجنون كورت أصابع يدها بقوة ضاغطة عليهم وهي تردد لنفسها

بقيت نهايتي هنا وهي خدت كل حاجة!

أخرجها من شرودها الغاضب صوت زوجة عمها الصائح بحدة

إنتي يا بت لسه مخلصتيش

كفكفت عبراتها بظهر كفها هاتفة

أهوو على طول

أشارت بيدها متابعة بلهجة آمرة

طب يالا أوام لسه عندنا خبيز وموال أد كده!

أسرعت في خطواتها متجهة نحو منزلها هاربة من حصار مشاعره الصادقة والتي تضعف بقوة جمودها الزائف معه هو استحوذ على كامل تفكيرها رغم إنكارها لذلك أمامه لكن انفعالاتها تعكس حقيقتها دون أن تضطر للبوح به توقفت في مدخل البناية لتلتقط أنفاسها قبل أن تصعد إلى منزلها فتظهر عليها علامات التوتر والاضطراب عليها مما يجعلها فريسة لأسئلة أختها التي لا تنتهي عنه أرادت الحفاظ على بقايا عقلها من كثرة إلحاح الجميع عليه نعم هي تفكر فيه وبكثرة لكنها تقاوم إحساس الرهبة الذي يعتريها من آن لأخر ليوترها من مستقبل مجهول معه أحيانا يلوح في الأفق توترات علاقته السابقة مع طليقته ناهيك عن وجود ابنه الذي ربما لن يتقبل وجودها في حياته لاحقا إن اعتقد يوما أنها سلبت مكان والدته واحتلته تصارعت أفكارها المتخبطة بداخل رأسها فأتعبتها تنفست بعمق هامسة لنفسها بتوجس

ربنا يستر إن شاء الله هايحصل كل خير

أكملت صعودها على الدرج بخطوات سريعة ولجت إلى داخل منزلها متلفتة حولها بهدوء حمدت الله في نفسها أن الصالة كانت خاوية من والدتها فأسرعت في خطواتها مختبئة داخل غرفتها وقفت أمام المرآة متأملة وجهها الذي كان يحتفظ بحمرته الملتهبة تحسسته بظهري كفها فشعرت بسخونته المتقدة شردت سريعا في تقاربهما الشديد نظرات الوله التي يطالعها بها هي تزداد عمقا يوما بعد يوم وجدت نفسها تبتسم عفويا كما زادت ابتسامتها اتساعا مع تخيلها لقرب موعد زواجهما ثم تجهمت بشدة محركة رأسها مستنكرة شرودها الطائش همست معاتبة نفسها

مچنونة بلاش الحاجات دي! 

ألقت بجسدها على الفراش لتكمل تحديقها الفارغ في سقفية الغرفة مستسلمة للذكريات الشيقة التي تجمعهما سويا والتي لا تخلو منالنظرات الحالمة تحركت أعينها نحو خزانة الثياب حيث يوجد داخلها ثوب عرسها الذي اشتراه لها دياب كانت رافضة لتلك الفكرة في البداية أرادت استئجار ما يليق بها لكنه عارضها وأهداها إياه تنهدت بعمق وهي تنهض من على الفراش لتتجه نحوها فتحت الضلفة لتطالعه بأعين لامعة مدت يدها ببطء تتحسس ملمسه من فوق الحافظة البلاستيكية التي تغطيه عضت على شفتها السفلى بخجل ثم سحبت يدها لتغلق الضلفة من جديد استندت بظهرها على الخزانة لتشرد من جديد في أحلام وردية.

أشرف بنفسه على وضع اللمسات الأخيرة لافتتاح فرعه الجديد بالتزامن مع دكان زوجته ونقل إدارته إلى هناك ليكون إلى جوارها أغلب الأوقات بينما سيتولى أخيه متابعة الأعمال بالوكالة مع والده لم ينزعج منذر من رغبة أسيف في تأجيل الإعلان عن ميعاد الافتتاح النهائي لانشغالها مع ابنة عمتها بل على العكس رحب بذلك كثيرا فالطرف الأخر في الموضوع هو أخيه الأصغر والذي سيحظى أخيرا بالحب والاستقرار بعد فترة ليست بالقليلة من مشاكل متواصلة انعكست عليه لكنه في

 

الأخير خرج منتصرا وظافرا بحب جديد أنعش روحه كذلك رتب منذر لسفرة قصيرة يقضيها مع حبيبته وبصحبة العائلة بعد الانتهاء من تجهيزات العرس فالجميع بحاجة لوقت مثل ذلك لتجديد النشاط والترويح عن النفس.

وعلى مدار الأيام التالية خصصت أسيف أغلب وقتها لتظل إلى جوارها فالوقت المتبقي محدود

للغاية وتجهيز العروس يتطلب فترة كافية للتأكد من تجهيز كل شيء كانت أسعد أوقاتها هي مشاطرتها تلك الفرحة خاصة أن نيرمين كانت على قدر المستطاع تعاونهما خفف ذلك من وطأة الضغوط النفسية التي كانت تعانيها بسمة وشعرت بدفء العائلة الذي حمسها كثيرا وبدد خۏفها تدريجيا هي تخشى من تبعات الإقدام على تلك الخطوة الفارقة في حياتها وجاهدت لصرف أي أفكار متوترة عن ذهنها.

انتهت عواطف من إعداد الكعك والبسكويت الخاص بتلك المناسبة السارة وبدأت في وضعه في علب نظيفة لتوزعه على الأحباء ورغم تعجب نيرمين من مبادرة والدتها في عمل ذلك إلا أنها أوضحت غرضها قائلة بود

خلي الناس تفرح وبعدين فرصة يا بنتي إنتي معايا وإيدك بإيدي! هو أنا في ديك الساعة لما تكوني وسطنا وبتجهزي حاجة أختك ويايا ده الفرحة مش سيعاني يا بنتي ربنا يديمها علينا ويكمل شفاكي على خير!

تلألأت عيناها بعبرات طفيفة تأثرا بحديث والدتها ربما هي سعت لإسعادها بطريقة غير مباشرة أرادت أن تشعرها بأهمية وجودها بأن الفرحة لن تكتمل إلا بحضورها معهم تملكها إحساس سعادة صاف دون تردد احتضنها قائلة بنبرة شبه مخټنقة

يا رب يا أمي!

ربتت عواطف على ظهرها بحنو ثم تابعت هاتفة

يالا يا بنتي تعالي نشوف ناقصنا ايه!

بدا المنزل بمن فيه كخلية النحل خاصة حينما حانت ليلة الزفاف فلم تتوقف التنهئات ولا المباركات من الجيران والمعارف الذين تسابقوا في ذلك ولم تهدأ صديقات العروس من الاحتفاء بها على طريقتهن أصرت بسمة على إقامة زفة حتى لو كانت متواضعة عند منزلها قبل الانتقال للقاعة للاحتفال