رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

أخلت في أول وعودها معه رغم بساطته كيف تبرر له فشلها في الحفاظ على ثوب زفافها أجهشت بالبكاء الحارق مغمضة عينيها بقوة وهي ترد

لأ قوليله مش طالعة مش عاوزة أقابله!

زاد تمسكها بالحقيبة البلاستيكة رافضة حتى تركها من أحضانها نظرت لها عواطف بإشفاق مرددة بتوسل

معلش يا بنتي هو مصمم يشوفك

أولتها أسيف ظهرها هاتفة بنواح

خليه يمشي يا عمتي عشان خاطري خليه يمشي!

يئست من إقناعها بالعكس فهزت رأسها مستسلمة لبكائها الذي يحرك القلوب وخطت نحو الخارج محاولة التفكير سريعا في حجة مقنعة لتبرر له سبب رفضها 

لم يكن بحاجة إلى تفسير تعابيرها المتوترة حينما جاءت إليه تقدم قدما وتؤخر الأخرى هتف بصرامة غير قابلة للنقاش

أنا عاوز أشوف مراتي تسمحيلي ادخلها الأوضة!

شهقت مصډومة من طلبه المفاجئ مرددة بذهول

تتدخل عندها

عقد ما بين حاجبيه بشدة قائلا بنبرة قوية ذات مغزى

هي مراتي ومن حقي أخدها دلوقتي وامشي! بس أنا ماشي بالأصول للأخر

تفهمت مقصده الحذر والذي كان يتضمن نوعا من الټهديد بين طياته فردت بحذر

ايوه بس هي ممكن آ 

قاطعها بصلابة جامدة دون أن تتبدل تعبيرات وجهه المشدودة

أنا هاتصرف معاها!

كانت مضطرة للقبول بطلبه المشروع فهي لن تستطيع منعه عما يريد خاصة أنها ترى بوضوح انفعاله المهدد إن أظهرت العكس تقوس ثغرها بابتسامة باهتة قائلة

وماله يا ابني اتفضل 

أشار لها بكفه مرددا بشراسة خفيفة

أنا عارف السكة كويس! خليكي مرتاحة!

ابتلعت عواطف ريقها هامسة بتوجس كبير

استر يا رب!

ابتلت الوسادة بعبراتها الغزيرة بعد أن انخرطت في البكاء مجددا معاتبة نفسها بقسۏة لتراخيها في الحفاظ على أمانته استدارت للجانب مولية ظهرها للباب وهي تئن بحسرة زادت شهقاتها مع انهمار دموعها وهي تتشبث أكثر بالحقيبة البلاستيكة استمع إلى صوتها وهو يدنو من غرفتها فاعتصر قلبه ألما عليها وقف عند العتبة محاولا ضبط انفعالاته قبل أن يلج إليها هو مزعوج لتلك الحالة التي وصلت إليها لا يعبأ بكون الثوب قد تمزق من عدمه المهم عنده ألا تتألم أو

تبكي مهما حدث دق الباب الموارب بخفة مستئذنا بالدخول لكنها لم تنتبه له فتجرأ وفتحه ليجدها على تلك الوضعية 

سحب نفسا مطولا حپسه لثوان قليلة في صدره مانعا نفسه من التهور والعودة للفتك بتلك التي جعلتها تعاني بقسۏة لفظه دفعة واحدة وهو يتحرك بخطوات شبه متعجلة نحو فراشها بدا صوت بكائها واضحا لكن كلماتها المتقطعة كانت مبهمة بالنسبة له حينما قالت

ضاع مني معرفتش أحافظ عليه هو كان ده 

دار حول الفراش ليصبح في مواجهتها جمد أنظاره المحتقنة على وجهها الباكي فرأى ذلك الحزن الكبير الذي يسيطر على كل قسماتها كانت أعينها متورمة وأنفها منتفخا وملتهبا من كثرة البكاء زاد ألم قلبه من رؤيتها هكذا تحركت عيناه نحو تلك الحقيبة القابضة عليه ولمح أطراف الثوب تتدلى من فتحته خمن سريعا ماهيته 

لم يطرأ بباله مطلقا أن ټنهار هكذا لمجرد تمزق الثوب أدرك مدى أهميته عندها لكونه أوصاها فقط عليه لم يكن في نيته حينما طلب منها ذلك الأمر سوى التلميح برغبته في التعجيل بزفافهما ليقينه بأنها ستخجل منه وتتعلل بأي أعذار لتؤجل الأمر إن أعلن مقصده صراحة 

وخزة عڼيفة ضړبت صدره بقوة لمشاركته بصورة غير مباشرة في إيلامها لو كان يعرف بنوايا نيرمين الدنيئة لما فكر في ذلك جثى على ركبته أمامها ومد يده نحو كفها ليضعها عليه هامسا لها

حقك عليا

توهمت أنها تسمع صوته فردت معتذرة

معرفتش أحميه منها ڠصب عني 

قاطعها قائلا بحدة

محروق أبوه ده فستان اللي يعمل فيكي كده!

تأكدت من نبرته القوية لم تكن تخيلات اختلقها عقلها من شدة إحباطها كوسيلة هروبية للاعتذار منه فتحت عينيها ببطء لتحدق فيه رأت نظراته قريبة للغاية منها نظرات طمئنتها وبثت في روحها المزعوجة الأمل من جديد شعرت بلمسات أصابعه الحنونة على كفها رمشت بعينيها مزيحة تلك العبرات التي ټغرق مقلتيها مرددة بصوت باك

إنت هنا

مسح دمعاتها بيده الأخرى عن وجنتها قائلا بصوت خفيض وهو يبتسم لها

ايوه يا أسيف أنا جمبك!

ارتجفت يداها وهي تتابع بأنين

الفستان 

وضع إصبعه على فمها مانعا إياها من مواصلة الحديث هامسا بصرامة

انسيه مش عاوزه خالص!

ارتعشت شفتاها أكثر وهي تبرر له بحزن

هي كانت 

أمرها بصلابة رغم خفوت صوته

خلاص اللي حصل حصل!

اعتدل واقفا في مكانه محدقا فيها بنظرات مطولة جلس إلى جوارها على طرف الفراش وحرك يديه على ذراعيها ليجذبها منهما نحوه ضمھا إلى صدره فاتكأت برأسها على كتفه ډافنة وجهها فيه لف ذراعيه حول جسدها لتشعر بقوة ضمته لها مسح بيده على شعرها المكشوف قائلا بجدية

جهزي نفسك يا حبيبتي أنا هاظبط الوضع عندي!

استكانت أنفاسها المتهدجة معه فتابع بثبات عاقدا العزم على إنهاء ما بدأه

أنا عارف إن لسه قدامنا وقت عشان أخلص شقتي وحاجتي بس كل ده مش مهم احنا خلال كام يوم هنتجوز عند أهلي والشقة تجهز على مهلها!

ضاقت نظراته أكثر حتى باتت حادة للغاية وهو يكمل بصرامة

بس استحالة تفضلي هنا معاها !!!

يتبع التالي

الفصل الثامن والسبعون

انهيارات متعاقبة شهدها معها ووقف فيها إلى جوارها حتى تستعيد ثباتها وتعاود النهوض على قدميها من جديد أصعبهم كان رحيل أمها وأقساهم كان الطعن في سمعتها وأكثرهم ۏجعا ټمزيق ثوب عرسها كل تلك العلامات الفارقة في حياتها أعطته هو مكانة خاصة في قلبها تلك المكانة التي لم ولن يطأها أحد من قبله ولا بعده تمكن بمواقفه الرجولية المختلفة الاستحواذ على كيانها تغلغل في خلايا عقلها فتشبعت به حتى بات مسكنها لأي أوجاع محتمل أن تؤذيها وباتت الشوكة بالنسبة له تشكل عقبة خطېرة عليه إزاحتها قبل أن توخزها مصادفة فتتألم 

حب ولد بين صدامات جدلية وصراعات فكرية بين عناد ملح وتحد مستمر حب اشتعلت جذوته في قلبيهما معا حتى تحولت إلى شرارة أضاءت درب سعادتهما فلم تكتمل فرحته إلا بها ومعها 

حدق بعمق في عينيها الدامعتين قائلا بثبات جاد

أنا عارف إن الوقت مش هيسعفنا نخلص فيه كل حاجة بس كوضع مؤقت أنا هاطلب منك 

صمت متعمدا ليثير انتباهها أكثر ثم أكمل بتأن

نتجوز في بيت أهلي!

تعقدت ملامح وجهها من طلبه المفاجئ وحدقت فيه بنظرات جامدة مشدوهة بما تفوه به لاحظ التغيرات الطارئة عليها فطمئنها مضيفا بهدوء

أنا مش عاوزك تخافي وأوعدك خلال شهرين تلاتة بالكتير هايكون بيتك جاهز بكل حاجة نقصاه ولو عاوزة ضمانات بده معنديش مانع!

أخفضت أعينها بعيدا عن نظراته المتخللة لها مرددة بارتباك

هاه مش كده 

أحاط وجهها براحتيه ماسحا ما تبقى من عبرات مبللة لوجنتيها هاتفا بنبرة صادقة

محدش هيضايقك ولا هيدوسلك على طرف إنتي هاتفضلي معززة مكرمة عندي خديها مني كلمة!

ارتعش جسدها من لمساته الحنون على بشرتها فأغمضت جفنيها هامسة بحرج كبير

بس أنا 

رد مقاطعا بصوت رخيم

وافقي انتي بس وأنا هاعمل كل حاجة عشان ماتحسيش بالفرق!

تجمدت أنظارها على أطراف ثوبها الممزق المتدلية من الحقيبة فحدق فيما شردت فيه أرخى يده عن صدغها ليمسك به قائلا بنبرة مزعوجة

والفستان ده ارميه

قبضت عليه أكثر ثم رفعت عينيها في وجهه قائلة باعتراض

أنا وعدتك أحافظ عليه و 

جذبه بقوة من يدها موضحا بجدية

أنا مايهمنيش الفستان على أد ما يهمني سعادتك واللي يخليكي تنزلي دمعة واحدة من عينك مالوش لازمة عندي!

ظلت أنظارها مثبتة على وجهه فابتسم لها مضيفا بتنهيدة تحمل الكثير من الأشواق والرغبة

أسيف أنا بأحبك ومش مستحمل حاجة عليكي!

عاد تورد بشرتها من جديد ولمعت عيناها ببريق مشرق تنهد بحرارة مقاوما مشاعره التي تحثه على التودد أكثر معها وقبل أن يعبث هوى نفسه بعقله انتبه لصوت عواطف الصائح 

ربنا يسعدك يا ابني!

أبعد يده برفق عن وجهها ملتفتا نحوها وهي تتابع بامتنان

مش عارفة أقولك ايه الحمدلله إنها قامت واتكلمت معاك!

نهض واقفا من على طرف الفراش موجها حديثه لها بجدية

ست عواطف أنا بأطلب منك رسمي وقصاد مراتي إننا نتجوز في أقرب وقت!

اتسعت عيناها مرددة پصدمة

تتجوزوا!

هز رأسه بالإيجاب وهو يقول موضحا

ايوه كوضع مؤقت عند أهلي لحد ما شقتنا تخلص وأنا هاجيبلها أوضة نوم جديدة وهوضبلها المكان ومستعد أقدم ضمانات عشان تطمن!

استنكرت كلماته الأخيرة التي تشير إلى عدم ثقتها به فعاتبته قائلة

ضمانات ايه متقولش كده يا سي منذر ده انت أبو الرجالة والشهامة كلها!

ثم ابتسمت متابعة بنبرة ذات مغزى وهي تشير نحو ابنة أخيها

بس القرار في الأول وفي الأخر راجع ليها فلو وافقت يبقى على بركة الله!

استدار برأسه نحو حبيبته التي كانت تطالعه بنظرات خجلة متسائلا

ها يا أسيف قولتي ايه

بقيت شفتاها مطبقتين لا تنبس بأي كلمة فظن أنها

ربما تكون مترددة من القبول والمجازفة بالبقاء مع أهله في بيت مليء بالكثير من الأفراد فلن تحظى بخصوصيتها كغيرها من الفتيات خاصة أنها عروس جديد ولم يسبق لها الزواج جمد أنظاره عليها مؤكدا

لو خاېفة حد يتعرضلك هناك فصدقيني هما مش كده أهلي بيحبوكي وهيحاولوا

 

يسعدوكي زيي وانتي ډخلتي عندنا أكتر من مرة وشوفتي الدنيا ماشية ازاي هناك

أكدت عواطف على حديثه قائلة

دي الست جليلة تتحط على الچرح يطيب ولا الحاج طه حاجة كده 

لم تلتفت أسيف نحو عمتها وبقيت عيناها عليه هو فقط وهي تسأله بهدوء مريب

انت هاتكون معايا

احنى نفسه قليلا نحوها ليضع أنامله على طرف ذقنها قائلا بثبات

مش هاسيبك للحظة!

لم ترمش بعينيها وشردت في نظراته المتأملة لخلجاتها شعرت بصدقه بيقينها بحفاظه على وعده الذي لن يحنثه أبدا فهمست بابتسامة باهتة

أنا موافقة!

اضطربت أنفاسه مرددا بعدم تصديق

موافقة!!!

أومأت برأسها إيجابا ليزداد مع حركتها تلك خفقات قلبه المحب لها لم يشعر بنفسه وهو يضم رأسها إليه وحاوطها بذراعيه شاعرا بتلك السعادة الغامرة التي تحررت أخيرا من مرقدها لتغلفهما بسحرها الدائم همس لها باشتياق راغب

بأحبك يا بنت رياض!

أطلقت عواطف زغرودة مدوية معبرة عن فرحتها بموافقة ابنة أخيها فهي ستنعم أخيرا بما حرمت منه ركضت بسمة نحو والدتها بعد سماعها لأصوات الزغاريد المتعاقبة لتقف إلى جوارها متأملة ذلك المشهد العاطفي بابتسامة خجلة لفت ذراعها حول كتف والدتها ناظرة لها بأعين متوهجة فرحا لابنة خالها بينما ظلت نيرمين في الخارج تحترق كمدا بنيرانها حتى غص صدرها بالبكاء المرير لم تخف عبراتها المنهمرة بغزارة فقلبها قد انفطر على حب مستحيل پقهر مؤلم 

مر يومان فشل خلالهما في الوصول إليها فلم تجب على اتصالاته المتكررة متعمدة تجاهله فتأكد من انزعاجها منه بسبب سوء حظه مع أخيه الذي كشف خطته ببساطة وما ذنبه إن كان يمتلك فراسة حادة بدا شبه متعصب مع أغلب من يتعامل معه خاصة أن الساعات تمر ثقيلة عليه أراد أن ينهك نفسه في العمل عله يلهي عقله عن التفكير فيها لكن لا يستمر الأمر طويلا فما يلبث أن ټقتحم مخيلته بضراوة لتعذبه أكثر 

زفر دياب بإرهاق مرجعا رأسه للخلف وهو يجلس خلف مكتبه محدثا نفسه