رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

فعلى عكس أخيه أراد دياب ألا يحرم عروسه من كل أحلام الفتيات من زفاف مميز وزينات براقة وصورا تذكارية مختلفة ورغم كون اليوم مشحونا منذ بدايته إلا أنه كان سعيدا بكل ما يفعله فالمهم أنها ستصبح بعد ذلك زوجته.

شغلت نيرمين طرحة أختها بيدها بحب أخوي صادق فحينما ارتدتها بدت أكثر إشراقا وجمالا تأملت بسمة نفسها في المرآة غير مصدقة أنها عروس بالفعل ارتسمت تعابير السعادة والفرحة على محياها رفعت أبصارها نحوها لتقول بامتنان

ربنا يخليكي ليا يا نيرمين حلوة أوي

ردت عليها بابتسامة لطيفة

إنتي اللي حلوة من يومك!

صدحت أصوات الدفوف والمزامير لتعلن عن قدوم الزفة أسفل البناية أعقبها إطلاق الزغاريد العالية فارتبكت في غرفتها وانقبض قلبها بقوة شعرت بدقات قلبها تخترق أذنيها من فرط الاضطراب الممزوج بالتوتر وضعت نيرمين يدها على كتفها هامسة لها بعبث

اهدي يا عروسة علقة تفوت ولا حد ېموت!

ضاقت نظراتها وهي ترد پخوف 

بلاش توتريني بزيادة أنا أعصابي تعبانة

والله ما في أحلى منك عروسة

قالتها أسيف بنبرة رقيقة وهي تدنو منها حاملة في يدها عطرا أنثويا لټغرق به ثوبها حركت بسمة رأسها نحوها مرددة

إنتي شايفة كده

أكدت لها بثقة

طبعا!

أطلت نيرمين برأسها من النافذة مرددة بحماس

العريس جه تحت والزفة جاهزة يالا بينا

هتفت بسمة پخوف

لالالا استنوا شوية!

غمزت لها نيرمين بعبث

خدي راحتك يا بسوم!

تصلب جسدها من فرط التوتر فتابعت بتهور غير مدركة سذاجة تفكيرها

أقولكم على حاجة احنا نأجل الجوازة دي كام يوم أنا مش مستعجلة!

حدقت فيها أسيف بغرابة وهي تسألها

إنتي شايفة كده

أومأت برأسها مرددة

أيوه

اقتحم الغرفة دون استئذان الصغيران يحيى وأروى هاتفين بحماس مرح

مس بسمة

ركضا نحوها ففتحت ذراعيها لتستقبلهما في أحضانها مرددة

حبايبي

هتفت أروى بابتسامة متسعة

مبروك يا مس

أضاف يحيى ببراءة وهو يشير بيده

بابي طالع ورايا بس أنا سبقته!

ارتبكت من مجرد ذكر اسمه وحاولت الحفاظ على ثباتها مرددة بحذر

أوكي يا حبيبي

تابع الصغير قائلا ببراءته المحببة

بابي قالي إنك هتنامي

معانا بعد كده صح يا مس

تورد وجهها كليا من تلك العبارة الصريحة وردت بخجل

احم... ايوه

وضعت أسيف يديها على كتفي الصغيرين قائلة بهدوء

يالا يا حلوين نطلع برا عشان....

لم تكمل جملتها للأخير حيث انتبه الجميع لدقات دياب الخاڤتة المصحوبة بصوته المتسائل

ينفع أدخل

انتفض جسد بسمة في مكانه من مجرد سماع صوته وانكمشت على نفسها رهبة من الموقف برمته رمشت بعينيها في ارتباك وبدأت في الضغط على أصابعها محاولة تخفيف حدة التوتر التي تعتريها ردت نيرمين بترحاب

طبعا

بتمهل متشوق ولج إلى داخل الغرفة باحثا بعينيه عنها تجمدت أنظاره على شخصها الذي سلب عقله فغر فمه للأسفل مبديا انبهاره بجمالها الذي زاد توهجا بارتدائها لثوب الزفاف هتف غير مصدق

اللهم صلي على النبي هو في كده أخيرا هنتجوز!

أخجلها غزله الصريح وتوترت أكثر جاهدت أسيف ونيرمين لإخفاء ضحكاتهما المتسلية اقترب دياب أكثر فزاد ارتباك بسمة أمسكت بكف ابنة خالها هامسة برجاء

خليكي يا أسيف!

ردت عليها بصوت خفيض وهي تشير بعينيها

خليني ايه بس ده العريس مستني!

سحبت يدها منها ببطء تاركة إياها بمفردها مع عريسها الذي ېحترق تلهفا في مكانه نظرت بسمة إلى نيرمين هامسة لها بتوسل

نيرمين ماتمشيش! أنا...

قاطعتها بجمود زائف

باين ماما بتنادي برا هاروح أشوفها!

نظرت لها باستنكار معاتب لتخليها هي الأخرى عنها وتركها بصحبته ظل يتابع باستمتاع تصرفاتها الخجلة دون أن يعلق عليها وانتظر بشوق انصراف الجميع من الغرفة ليصبحا سويا سلط أنظاره اللامعة عليها مرددا بعبث

ايه بقى

تراجعت للخلف مبتلعة ريقها بتوتر كبير ثم ردت بحدة وهي تشير بسبابتها محذرة

في ايه لو سمحت مش هاسمح بأي تجاوز

مازحها مرددا

هو أنا في القسم ولا حاجة يا أبلة

تابعت محذرة بلهجة شديدة

خليك مكانك!

رد ببلاهة

ده أنا جاي أديكي الورد خاېفة ليه

أخفضت أنظارها لتحدق في باقة الورد التي كانت بحوزته عاودت النظر إليه مرددة بعبوس

طيب هاته!

استغرب تجهمها المبالغ فيه ولكنه برر ذلك لنفسه بكونها في حالة ارتباك تلك الحالة التي تسيطر على أغلب العرائس في ليلة زفافهن لم يتعجل أي شيء منها حتى وإن كان الانتظار ېقتله شوقا إلا أنه لم يرد إرغامها على شيء على الأقل حاليا نظر لها بوجه خال من التعبيرات قائلا

مش يالا بينا الناس مستنية تحت لسه ورانا حاجات كتير!

ردت باقتضاب

ماشي

تابع آمرا وهو يشير بعينيه

هاتي إيدك

قطبت بسمة جبينها متسائلة بحدة طفيفة

ليه

رد ساخرا من تساؤلاتها العجيبة

محتاجها خمساية مش هنأنجش نرتبط بعض واحنا خارجين!

ردت بامتعاض

طيب

تحركت بتمهل جاذبة ثوبها للأعلى لتتمكن من السير دون أن تتعثر فيه وقفت قبالته متحاشية النظر فيه لكنه بالطبع لم يضيع الفرصة هباء جاب بأنظاره ببطء على ثوبها المميز محدقا فيها بإعجاب شديد حينما رأه لأول مرة في محل ثياب الأفراح لم يتردد لثانية في شرائه اقتناه فورا هو صمم من أجلها هي فقط تأبطت في ذراعه باستحياء شعر برجفتها وهي تتناول منه باقة الورد فابتسم لها بسعادة همس بأنفاس حارة لفحت وجنتها 

بس والله قمر!

ردت عليه بإيجاز وهي تتجنب التطلع إلى وجهه رغم يقينها بنظراته التي تخترقها

شكرا

مال عليها متسائلا باستجداء محبب

مافيش كلمة حلوة ليا

ردت بعبوس

لأ

مط فمه هامسا

براحتك ادلعي زي ما إنتي عاوزة!

أدارت رأسها في اتجاهه متسائلة بحدة

بتقول ايه

ابتسم لها ببلاهة وهو يجيبها

يالا عشان الزفة يا حبيبتي بيزمروا تحت وبيضربوا كلاكسات بيب بيب سمعاهم!

لم تتمكن من إخفاء ضحكتها هي بالفعل أسرته بعفويتها بعنادها بحدتها بعصبيها وبطريقتها الغير متكلفة فبات معشوقها وباتت حبه الأول والأخير بعد سنوات عجاف من المعاناة والبكاء على أطلال الماضي المشين فقط ساعات معدودة ويصبح الحلم حقيقة..!!!

يتبع

التالي

الفصل الخامس والتسعون الأخير الجزء الثالث 

جلست باستحياء على المقعد الخاص بالعروسين في منتصف القاعة تراقب بنظرات شمولية ومتوترة أوجه المتطلعين إليها من المدعوين رسمت تلك الابتسامة المصطنعة على ثغرها لتخفي ارتباكها الكبير انتفض جسدها قليلا حينما شعرت بتلك اليد توضع على كتفها أدارت رأسها للجانب لتجد والدتها محدقة فيها بنظرات حانية وهي تربت عليه برفق مالت عليها هامسة 

زي القمر يا بنتي ربنا يحميكي ويكفيكي شړ العين

اكتفت بسمة بالابتسام المجامل لها وهي تهز رأسها بإيماءة خفيفة ثم عاودت التحديق أمامها جاهدت لتخفي حالة التوتر والصراع التي تعتريها هي خائڤة مما هي مقبلة عليه فتنتظرها حياة جديدة مليئة بالكثير من التحديات والقرارات عليها أن تكون فيها عقلانية تفكر بتريث وتتجنب حالة الاندفاع الأعمى التي تسوقها في بعض التصرفات تنفست بعمق لتحافظ على جمودها الزائف توجهت أنظارها نحو عريسها الذي كان يرقص طربا مع محبيه بالطبع لم يدخر وسعه في دعوة معارفه وأقربائه وأصدقائه ناهيك عن كل من له صلة به امتلأت القاعة عن بكرة أبيها وتسابق الجميع في تقديم التهنئات والمباركات له كل على طريقته الخاصة تنهدت مطولا حامدة الله في نفسها أنها أثرت الجلوس على التمايل والرقص أمام تلك الأعين الذكورية التي تعج القاعة بها.

سعادة لا توصف تملكته حينما رفضت النهوض من مقعدها وتضاعفت أكثر ببقائها في مكانها كالملكة شامخة لا تطالها الأيدي دق قلبه بقوة معلنا عن حبه اللا محدود لها لم تفارقها عيناه وبين الحين والأخر كان يلتفت نحوها ليرمقها بنظراته العاشقة بالرغم من إحاطة الشباب له ممن يماثلونه عمرا أو أصغر بقليل ليقوموا بواجبهم معه تسابق دياب معهم في إظهار فرحته بليلة العمر وزادت الأجواء حماسة مع انفعالهم المندمج بالأغاني الشعبية الملهمة.

كان يترقب على جمر متقد مرور الساعات لينفرد بها فيتمكن من التعبير لها عن مشاعره العميقة ألهى عقله بما يحدث حوله مؤقتا كي لا يهلك من كثرة الانتظار والتفكير.

على الجانب الأخر جلست نيرمين على الطاولة القريبة من مقعد العروسين واضعة على حجرها رضيعتها لم تفارق البسمة شفتيها وتمايلت برفق مع النغمات المحفزة للحواس مداعبة ابنتها التي كانت تضحك ببراءة انحنت على جبينها تقبلها ضمتها إليها وأكملت دندنتها مع الأغاني أبعدت أسيف أعينها المتطلعة إليها لتستدير برأسها نحو والدة زوجها كانت بحاجة للعون فتحركت صوبها سألتها بنعومة وهي تقف إلى جوارها 

عاوزة مساعدة مني يا طنط

أجابتها جليلة بقلق 

اتأكدي يا بنتي إن كل حاجة موجودة في البوفيه ده مش عاوزين الناس تاكل وشنا

حاضر

أشرفت معها على إعداد الطاولات المعدة بالطعام الشهي وساعدهم الطهاة في رص الصحون بطريقة منمقة تمكن المدعوين من تناول ما يشتهون دنا منهما منذر متأملا زوجته المنهمكة فيما تفعل بهيام مرر أنظاره ببطء على ثوبها الكريمي بنظرات لامعة هو ملائم لها ويزيدها رونقا وتميزا أخرج من صدره تنهيدة حارة تحمل الكثير وصرف عن ذهنه التفكير في أمور لا تصلح إلا في منزلهما التوى ثغره ببسمة عذبة وهو يتساءل باهتمام 

إيه الأخبار

ردت جليلة بابتسامة عريضة 

اطمن يا منذر كل حاجة تمام

هز رأسه بإيماءة خفيفة ثم وضع يده على ظهر زوجته متسائلا 

عاملة ايه يا حبيبتي

أجابته بهدوء رقيق 

كويسة يا حبيبي!

دس منذر يديه

 

في جيبي بنطاله متابعا بمرح 

الواد دياب أصحابه مولعين الفرح على الأخر

التفتت برأسها حيث ينظر وردت ضاحكة 

ايوه ماهو باين!

أضاف بجدية مشيرا بحاجبيه 

كويس إن بسمة مقامتش ترقص مع أصحابها!

ردت عليه أسيف موضحة

هي من الأول قيلالي إنها مش حابة تعمل كده

أحسن

ارتفع حاجبي أسيف للأعلى مبدية تفاجئها بظهور ذلك الشخص عند مدخل القاعة هتفت فجأة باندهاش 

إيه ده

نظر لها منذر بغرابة متعجبا تبدل حالها وقبل أن يحرك شفتيه ليسألها تابعت هاتفة 

بص هناك شايف من جه

نظر إلى حيث أشارت متسائلا باقتضاب 

مين

ارتسم على ثغرها ابتسامة متحمسة وهي تجيبه 

دكتور نبيل!

حل الوجوم على وجهه وتبدلت تعابيره للانزعاج نظر لها مرددا بتجهم 

والله ومالك مهتمة أوي كده!

ردت بحماس وابتسامتها لم تفارق شفتيها 

أنا مش مصدقة ده جاي الفرح أكيد نيرمين هتفرح أوي ده إنسان كله ذوق و...

اشتعلت نيران الغيرة بصدره لمجرد مدحها لغيره لم يتحمل المزيد من الترهات عنه فقاطعها صائحا بحدة 

أسيف!

زادت تعجبها من صلابته الحادة وردت متسائلة بحذر 

في ايه

تابع بجمود لا يبشر بأي خير 

مش واخدة بالك إنك زودتيها

قطبت جبينها مبررة حديثها 

ليه بس بالعكس والله د. نبيل محترم وأخلاقه عالية المفروض نرحب بيه!

كانت على وشك التحرك نحوه لتستقبله لكنه أوقفها جبرا قابضا على ذراعها تأوهت من قوة ضغطته وهتف آمرا بلهجة صارمة 

إياكي تتحركي من هنا!

استنكرت هجومه الغير مفهوم عليه بالإضافة إلى طريقة إمساكه بها حاولت نزع ذراعها من قبضته لكنه لم يفلتها ظلت أنظاره المحتقنة مسلطة على وجهها ضغطت على شفتيها قائلة بامتعاض 

مايصحش يا منذر ده ضيفنا ومايعرفش حد إلا احنا

هتف محذرا بټهديد ضمني 

هي كلمة يا بنت رياض ولو خالفتيها هايبقلنا كلام تاني مع بعض!

فغرت ثغرها مصډومة من نبرته العدائية ردت متسائلة بعدم تصديق 

قصدك ايه إنت عاوز تمد إيدك عليا

أرخى أصابعه عنها قائلا بصلابة 

افهمي انتي بقى!

احتدت نظراتها نحوه مستنكرة ما يفعله ردت بغيظ 

بقى كده يا منذر!

انتبهت جليلة للشجار الدائر بينهما فتدخلت على الفور قبل أن يتفاقم