رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

نظراته ببريق الحب.

لم يختلف حال أخيه عنه كثيرا بل ربما أشد وطأة منه هو ېحترق شوقا بداخله تبدلت تعابير وجهه للإشراق ولم يكترث بافتضاح أمره فالمهم الآن أن تشعر هي تحديدا بما يكنه لها في قلبه.

هتف الحاج طه قائلا وهو يضرب بعكازه الأرضية

تعالي يا عروستنا!

وضعت عواطف يدها على ظهرها لتدفعها

نحو الداخل متابعة بنبرة مشجعة

خشي يا بنتي سلمي على عمك الحاج طه والست جليلة!

أطرقت رأسها في خجل وهي تتجه نحوه أولا ثم مدت يدها لمصافحته وتحركت بحذر نحو جليلة لترحب بها التي رمقتها بنظرات شبه ضائقة لكن بقي وجهها خاليا من أي تعبيرات مزعوجة راقبتها أعين منذر ومع كل خطوة تخطوها بقربه كانت أنفاسه تتسارع وحماسه يزداد.

استقر الجميع في مجلسه وبدأ طه في إتمام مهمته بالتقدم لخطبتها.

سلط أنظاره عليها متسائلا بصرامة

ها يا عروسة ايه رأيك

فركت أسيف أصابعها بارتباك كبير صمتت للحظات تفكر في الأمر ورغم إعلانها موافقتها مسبقا إلا أن تنفيذ الأمر على أرض الواقع أصعب بكثير. تصارعت الأفكار في رأسها وتخبطت قرارتها مازالت تخشى من تلك الإقدام عليها.

كانت أحلامها حول تلك الليلة مختلفة كليا فقد تمنت أن يكون والدها جالسا بزهو في منزلها ومن حوله المعارف والأقرباء يبدي شروطه بإباء وثقة فمن سينال درته المكنونة لابد أن يستحقها أما والدتها فكانت تحلم بها تزينها تضع فوق حجاب رأسها تاجا صغيرا ليزيدها جمالا.

لمعت عيناها تأثرا وسحبت نفسا عميقا لتضبط انفعالاتها قبل أن تبكي بلا تبرير. طال صمتها وزاد قلقه أوشك صبره على النفاذ من سكوتها المريب.

تجمدت عيناه عليها محاولا سبر أغوار عقلها دوما تفاجئه بتهورها بقرارات عجيبة تصدمه للحظة ظن أنها ربما سترفض وستتعمد إحراج عائلته لكن تبددت أوهامه حينما همست بنبرة شبه متلعثمة وقد اعتلت الحمرة وجهها 

أنا.. انا موافقة!

تنفس الصعداء لموافقتها وهتف غير مصدق

يبقى نقرى الفاتحة!

أيده والده قائلا بابتسامة هادئة

وماله على بركة الله الفاتحة.. بسم الله الرحمن.....

كانت معظم الأوجه فرحة أو على الأغلب راضية بتلك الخطبة إلا وجهها الذي تحول للإظلام ونظراتها للقتامة كتمت حقدها في قلبها مجبرة لكن وعيدها بالاڼتقام وتعكير الصفو بينهما لن يخبو أبدا.

أطلقت عواطف زغاريد متعاقبة كتعبير رمزي عن فرحتها وإعلانا صريحا عن وجود مناسبة سارة بأهل هذا المنزل أعقبها هتاف جليلة

لبس عروستك الدبلة يا ابني!

أومأ برأسه مرددا

حاضر..

نهض من مكانه ومد يده ليتناول العلبة الصغيرة الحمراء التي تحوي خاتمي الخطبة من والدته ثم دنا من عروسه.

تنحت بسمة جانبا مفسحة له المجال ليجلس على مقربة منها ووقفت على الجانب تتابعهما بسعادة واضحة.

أخرج منذر الخاتم الخاص بها من العلبة وأسبل عينيه نحوها قائلا بهدوء

ايدك يا عروسة!

مدت يدها المرتجفة نحوه وزادت رجفتها وهو يتلمس كفها محاولا وضعه في إصبعها سحبت يدها للخلف مكملة إرتدائه وتحاشت النظر نحوه تماما انتظر أن تفعل مثله لكنها بقيت على جمودها فمال عليها هامسا بمرح

وأنا مش هالبس دبلتي ولا ايه أنا معاكي في الخطوبة دي!

ابتسمت رغما عنها لتصرفها الأخرق وتناولت منه خاتمه ثم بإصبعين مرتعشين جاهدت لوضعه في إصبعه الغليظ ضغطت على شفتيها بقوة وهي تفعل هذا فبدت كمن يقوم بعملية جراحية حساسة للغاية نظر لها مدهوشا لكنه لم ينكر استمتاعه بالأمر.

على الجانب الأخر استغل دياب الفرصة للتودد إلى حبيبته فاقترب منها بدرجة كبيرة حتى أوشك ذراعه على ملامسة ذراعها. شعرت بسمة بالحرج من جرأته فنظرت له بقوة فابتسم لها بسخافة.

رفع فجأة باقة الورد أمام وجهها دون أن يعلق فسألته بغرابة

ده ليا

أجابها مازحا

لأ للفازة لاقيتها فاضية كده ومكتئبة فقولت أنعنشها!

انعقد ما بين حاجبيها بدرجة كبيرة وردت عليه بعبوس قليل

حضرتك جاي تهزر!

رد عليها معاتبا

هو في حضرتك بعد دش المياه إياه فاكراه يا أبلة

توردت وجنتاها كليا من تذكيره لها بذلك الموقف المشحون بينهما.

تابع قائلا بابتسامة لطيفة

عموما احنا اتصفينا خلاص والورد ده ليكي يا أبلة!

شعر

بانجذاب بنطاله الرمادي للأسفل فأخفض بصره ليجد صغيره ممسكا به داعب دياب خصلات رأسه بكف يده بحنو أبوي واضح.

هتف يحيى ببراءة

سلامتك يا مس بسمة!

ردت عليه بنبرة رقيقة

الله يسلمك يا حبيبي

أشار الصغير نحو ساقها متسائلا بفضول طبيعي

رجلك بټوجعك يا مس

أجابته باقتضاب وهي تعض على شفتها السفلى

يعني.. شوية!

تابع الصغير مرددا ببراءة وهو يوزع أنظاره بينهما

خلاص قولي لبابي يشيلك!

ارتفع حاجباها للأعلى في صدمة واضحة وشهقت پصدمة خاڤتة

نعم

تفاجأ دياب هو الأخر من جملة ابنه فوضع يده على فمه قائلا بابتسامة حرجة

مسحوب من لسانه العفريت ده!

أبعد الصغير يحيى كف والده عن شفتيه ليوضح مقصده ببراءة

أنا لما رجلي بتوجعني بأقول لبابي ده وهو بيشلني على طول فمش بأحس بأي ۏجع فانتي قوليله زيي!

رفعت بسمة أنظارها نحو والده لترمقه بحدة وهي ترد بسخرية طفيفة

لأ فيه الخير حنين من يومه!

حك دياب مؤخرة رأسه مضيفا بسذاجة مرحة

احم.. مش عارف الواد ده طالع غلباوي لمين حاجة غريبة أنا مش كده خالص!

ضاقت نظراتها نحوه حتى كادت تخترقه وهي تقول بجدية

انت هاتقولي!

وقبل أن تفيق من حرجها الواضح أمام الجميع اندهشت من إعلانه الصريح بنبرة ثابتة

دي بقى هديتي للعروسة يا رب بس تعجبك!

حركت أسيف عينيها نحوه لتحدق فيه بعدم تصديق ابتسم لها منذر وهو يخرج تلك العلبة المغلفة من الحقيبة القماشية ليضعها أمامها أومأ لها بعينيه متابعا بهمس جاد

افتحيها يا عروسة!

تجهمت قسمات وجهها إلى حد كبير حينما رأت ما أهداها إياه لقد انتقى لها من المشغولات الذهبية ما يخطف الألباب ويذهب العقول شعرت بخفقان قوي في قلبها وهي ترى بريق ذلك الذهب الذي تتخطى قيمته الألوف بكثير وما زاد من توترها هو تعمده اختيار تحديدا ما أحبته من أشكال رقيقة.

حدقت فيه مرة أخرى بنظرات معاتبة وقبل أن تحرك شفتيها لتعترض هتف بصرامة جادة

النبي قبل الهدية وهدايا منذر حرب مش بتترد مهما حصل!

رمقها بنظرات أكثر شدة وصرامة ليمنعها من الرفض.

صڤعة أخرى مهلكة تلقتها نيرمين على وجهها بعد تصرفه المفاجيء. لم يطرأ ببالها أن يقدم لها ذلك الكنز الثمين كهدية متواضعة لمجرد خطبتهما.

صرت على أسنانها بقوة حتى كادت تحطمهم من فرط غيظها المحتقن فتلك التعيسة المعدمة حازت على الهيبة والمال معا...!!!

يتبع التالي

الفصل الرابع والستون الجزء الأول 

رجفة غريبة تسربت إلى جسدها بعد مفاجأته تلك رمشت بعينيها متحرجة من اهتمامه الزائد بأصغر التفصيلات فلم يطرأ ببالها أن يقدم لها شيئا باهظا كتلك المشغولات الرقيقة هو انتقى من أجلها ما أحبته حقا شعرت أسيف بسخونة طفيفة منبعثة من وجنتيها فاستشفت على الفور أنهما توردتا من الخجل وعلى قدر المستطاع تجنبت النظر إلى عينيه 

ابتسم لها منذر بعذوبة لطيفة أراحه ردة فعلها الهادئة فهي لم تعترض على هديته أو حتى تنبذها كعادتها حينما يقدم لها أي شيء لكن تلك المرة مختلفة من وجهة نظره فهو تعامل معها كمحب حقيقي متيم بها عبر لها بصدق عن مشاعره بطريقته الخاصة حتى وإن كلفته الكثير فالأهم أن يصل إلى قلبها أن تثق به وأن تشعر بما يكنه نحوها 

هتفت عواطف بتفاؤل 

ربنا يجعل الفرحة دايمة عليكم يا رب!

رد عليها طه بإيماءة خفيفة من رأسه 

أمين!

ظلت أنظار منذر مثبتة عليها يطالعها بشغف وتمني اليوم اقترب منها خطوة وغدا سيكون الأقرب إلى وجدانها 

لن يجعلها أبدا تمرق على خير دون أن يضع لمسته المعكرة لصفو الأجواء الهادئة طالع شرفة المنزل بأعين ڼارية متأججة وبنظرات تحمل البغض والحقد اللا محدود له ولعائلته اعتبر المسألة أمرا شخصيا تعديا على ما يخصه ولن يتركه هكذا 

وصل إلى مسامعه أنباء الخطبة فالأخبار تتناقل في تلك المنطقة كما

 

تنتشر الڼار في الهشيم ترقب بأعصاب محترقة مجيء لحظته المناسبة لإفساد كل شيء وقټله إن لزم الأمر 

شدد مجد من أصابعه القابضة على رأس تلك العصا الغليظة ثم أخفض عينيه الحادتين ليلتفت برأسه نحو رجاله المرابطين خلفه هاتفا فيهم بقوة متشنجة 

خالوهالي على الأرض!

رد عليه أحدهم بابتسامة عابثة 

أوامرك يا معلم مجد!

رفع الرجال عصيهم للأعلى ليهوا بعدها على سيارة منذر المرابطة أمام مدخل البناية محطمين الزجاج بأكمله ومتعمدين تخريبها دوى صوت التكسير عاليا فانتفض أغلب القاطنين بالمنطقة للشرفات وللطرقات لرؤية ما يحدث لكن لم يتحرك أحدهم قيد أنملة فالمتسبب في الشجار هو ابن أبو النجا البلطجي الشهير 

استند مجد بكفه على مقدمة السيارة ليصعد عليها بثقل جسده وانتصب واقفا عليها أمسك بقبضتيه الغليظتين برأس عصاه ورفعها عاليا في الهواء ثم هوى بكل غضبه المكتوم بداخله على سقفيتها ليحدث بها انبعاجا قويا هلل رجاله بصياح مرتفع مظهرين حماستهم المفرطة لجرأته العڼيفة وزادوا من شراستهم 

تعللت بحاجة رضيعتها لتبديل حفاضها لتنأى بنفسها عن تلك الأجواء الخانقة لها وولجت إلى داخل غرفتها كاظمة غيظها إلى أقصى حد ألقتها بإهمال على الفراش ضاغطة على رأسها المشتعل بداخلها بيديها 

سحبت نفسا عميقا وزفرته على مهل محدثة نفسها بحنق 

دي مش النهاية أبدا!

بكت الرضيعة رنا بصړاخ حاد فالتفتت ناحيتها محدقة

فيها بنظرات جافة اقتربت منها لتحملها على كتفها وبدأت في إطعامها وفجأة جذبتها تلك الأصوات الحامية بالخارج فاتجهت للشرفة لترى ما الأمر اتسعت نظراتها فزعا حينما رأت ما يحدث بسيارته لوهلة تجمدت في مكانها مشدوهة لكن سريعا ما ارتخت ملامحها لتتشكل على ثغرها ابتسامة لئيمة 

همست لنفسها بمكر 

أحسن خليها تولع!

زادت ابتسامتها حتى برزت نواجذها وتابعت مستمتعة تنفسيه عن غضبه حتى توقف عما يفعل لتلتقي نظراتها بأعينه الشرسة رفعت نيرمين حاجبها للأعلى مبدية إعجابها به ورمقها هو بنظرات قوية قاتمة ناوله أحد رجاله فرفعها أمامها قبل أن يقذفها پعنف بداخل السيارة لتطلق جذوة 

رأت ألسنة اللهب تتراقص ببراعة فشعرت بارتياح رهيب ها قد حقق ذلك البلطجي غرضها دون أن تبذل أدنى مجهود تحركت بتمهل نحو الداخل وأسندت رضيعتها على الفراش ثم تعمدت تصنع العبوس والخۏف وهرولت ناحية غرفة الصالون صاړخة بفزع زائف 

الحق يا سي منذر الحق عربيتك!

انتبه لها متسائلا باقتضاب 

خير في ايه

أشارت بيدها قائلة بنبرة مذعورة 

م مجد ورجالته بيولعوا في العربية تحت!

حلت الصدمة على أوجه الجميع وتباينت ردود أفعالهم حيث هب منذر واقفا من مكانه مرددا پصدمة واضحة 

مين!!

وضعت عواطف يدها على فمها كاتمة شهقة قوية بينما برقت نظرات أسيف بهلع كبير 

تجمدت أنظار بسمة على وجه دياب الذي تحول لكتلة ملتهبة من الحمرة الغاضبة حينما هدر بصوته المتشنج 

ابن ال مش هاسيبوه! الظاهر نسى نفسه

انكمش الصغير يحيى في نفسه وضمته أروى بذراعيها لطمت جليلة على صدرها متوجسة خيفة مما سيحدث وصاحت بلا تردد محاولة منعهما من الاشتباك معه 

استنوا يا ولاد رايحين فين

اندفع منذر إلى خارج الغرفة صائحا بصوت محتد 

مش سايبه النهاردة!

انطلق والده في إثره قائلا بامتعاض 

اهدى يا منذر أنا هاتصرف!

لم يصغ إليه بل واصل ركضه المتهور إلى الخارج وتبعه