رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

فيه والتانية فقرية وبترفس النعمة!

انقضت عدة أيام انشغل الجميع فيها بالترتيب لحفل عقد القران بالبلدة الريفية كذلك وصل أفراد عائلة الحاج طه وحلوا كضيوف كرام لدى الحاج إسماعيل الذي أصر على استقبالهم والقيام معهم بمتطلبات واجب الضيافة على أكمل وجه كما انتهى منذر من كافة الإجراءات القانونية الخاصة بنقل ملكية الأرضية من فتحي الذي كانت نيران حقده تآكله حيا لأنه خسرها ببساطة.

تحول المنزل إلى خلية نحل الجميع مشغول فيه بتجهيز العروس فاليوم هو ليلة حنتها التي تسبق عقد قرانها رفضت في البداية إقامتها لكنها رضخت لإلحاح عمتها وابنتها وإصرار جليلة واللاتي تعللن جميعا بكونها مناسبة طيبة لإدخال البهجة والسرور على العائلتين كتعويض عن تلك الفترة العصيبة التي مروا بها جميعا كل على حسب ظروفه الخاصة وعلى عكسهم تماما كانت نيرمين تتابع ما يقمن به بأعين مغلولة وقلب حقود متمنية في نفسها أن يفسد فرحتهم أي شيء فمن ستتزوجه هو الذي خفق قلبها له من ملأ فراغ حياتها واستحوذ على تفكيرها لم تستطع إخفاء نقمها وبات واضحا عليها انزعاجها حتى نظراتها كانت تشير إلى حنقها فعمدت أسيف إلى تجاهلها متجنبة التشاجر معها.

تجولت بسمة في البلدة بصحبة جليلة لتشتري بعض النواقص فاستغلت الأخيرة الفرصة للحديث معها عما يخص ابنها ولكن على طريقتها استهلت حديثها قائلة بود

عقبال ما نتعبلك كده يا بسمة

ردت عليها مبتسمة بلطف

شكرا يا خالتي!

أضافت قائلة بحماس

والله انتي بنت حلال وتستاهلي كل خير!

ثم ربتت على كتفها متابعة بنبرة ذات مغزى

وقريب أوي نصيبك هايجيلك لحد عندك

فهمت مقصدها سريعا وردت بحذر كي لا تحرجها متعمدة

احم.. أنا مش مستعجلة ومركزة في شغلي!

أصرت على إيصال ما تريد قائلة

كل بنت مسيرها للجواز ولا ايه رأيك

رفعت بسمة حاجبها للأعلى مستنكرة طريقتها المكشوفة رسمت على ثغرها ابتسامة مصطنعة وهي ترد بجدية

ايوه ده لما تكون أعدة في البيت فاضية لا شغلة ولا مشغلة لكن اللي زيي وراهم حاجات كتير كمان المدرسة واخدة كل وقتي! فمعنديش

وفت للجواز! 

زادت من ابتسامتها وهي تقول

سامحني يا خالتي ممكن نغير الموضوع ونركز في الحاجات اللي ناقصة!

هزت جليلة رأسها باستياء وهمست لنفسها بيأس

دماغك ناشفة أوي!

استغل وجوده بصحبة ابنه وأخته الصغرى ليرتب مقلب ما عله يتقرب إليها هو متأكد من حبها للأطفال وتعلقهم بها وأمر كهذا وإن كان مصطنعا ربما يعطي فرصة للتفاهم بينهما خاصة أنها كانت تتحاشى التواجد معه أو حتى على مقربة منه أكد دياب على صغيره ضرورة الالتزام بما طلبه منه لكي تنجح خطته وبالفعل حينما لمحها تقترب اختفى عن الأنظار ليسرع يحيى بالركض نحوها صائحا

مس بسمة مس بسمة!

انتبهت إليه وسألته بابتسامة ودودة

أيوه يا حبيبي

قائلا ببراءة وهو عابس الوجه

بابا عاوز يضربني!

قطبت جبينها متعجبة من جملته وردت باهتمام

ليه أكيد ضايقته في حاجة!

هز رأسه نافيا وهو يطالعها بنظراته الحنونة قائلا ببساطة

لأ أنا كنت بألعب مع عمتي أروى و...

لم يكمل جملته مضطرا حينما هدر والده بانفعال زائف

تعالى هنا يا يحيى!

رفعت بسمة أنظارها لتحدق في دياب الذي كان متجهم الوجه ويقف على بعد خطوات منها تمسك الصغير أكثر بها بذراعيه ورد معترضا

لأ مش جاي!

صاح به دياب بعصبية وهو يشير له بيده

قولتلك تعالى مش لازم أشخط فيك عشان تسمع الكلام!

انزعجت بسمة من طريقته الحادة خاصة أن الصغير يحيى كان يزداد تشبثا بها فردت قائلة بعبوس

بالراحة يا أستاذ دياب!

هتف الصغير بحزن واضح على ثغره

يا مس بسمة خليه يمشي!

رد عليه دياب بصوت غليظ

يا واد ده أنا أبوك المفروض تسمع كلامي مش هي!

ابتسم يحيى قائلا

أنا بأحبها! 

ثم أخرج لسانه متعمدا إغاظته وهو يضيف

إنت لأ!

حضرت أروى هي الأخرى لتكمل الجزء المتبقي من الخطة وركضت في اتجاه بسمة لټحتضنها من الجهة الأخرى قائلة بمرح

وأنا كمان بأحب المس!

مسحت بسمة على رأسها برفق وهي ترد

حبيبتي يا أروى!

وزع دياب أنظاره بينهم قائلا بغيظ

ده تكتل بقى!

هتف يحيى قائلا بمرح أكبر

بأحبك يا مس بسمة!

وأضافت أروى

وأنا كمان!

زاد الاثنان من احتضانها فلفت ذراعيها حولهما وهي تبتسم بإشراق جاء دوره ليكمل باقي التمثيلية المصطنعة فاقترب بخطوات ثابتة منها صائحا بتجهم أكبر

تعالى يا وله هنا!

أخفضت بسمة نظراتها لتحدق في وجه يحيى قائلة برقة طفيفة

خلاص سيبه معايا شوية!

اعترض عليها قائلا بجدية

لأ أنا عاوزه دلوقتي!

رفعت وجهها لتنظر إليه فوجدته يقف قبالتها محدقا فيها بنظرات قوية بادلته نظرات متحدية وهي تضيف بحذر

مش هايحصل حاجة لما يفضل شوية معايا بطريقتك دي هايخاف وهيعاند!

مد دياب ذراعه نحو ابنه مدعيا الإمساك به فلجأ الصغير إلى الابتعاد عنه مجبرا بسمة على الالتفاف معه ليتعذر عليه الوصول إليه.

هتف دياب قائلا بجدية

حسبي شوية كده يا أبلة!

شعرت بالحرج لحصارها بين الصغيرين ودياب فباتت كالمقيدة بأذراع الجميع وجاهدت للتملص منهم قائلة

خلاص بقى خليه شوية

أصر دياب على بلوغه هاتفا

لأ مش هاسيبه

رد عليه يحيى بعبث

وأنا مش جاي

بدأت

بسمة تدور حول نفسها بسبب حركة الصغيرين يحيى وأروى وتعالت ضحكاتهما الطفولية المرحة وهما يتقاتلان بمزاح مع دياب ليمنعاه من الاقتراب منهما أصابها دوار طفيف فهتفت بتوجس

كفاية أنا هاقع!

زاد عبثهما المرح حتى كادت تتعثر في حركتها فصاحت بتوسل

بالراحة شوية! أنا...

وقبل أن تكمل جملتها فقدت اتزانها بسبب جذبهما لها بقوة فلم تستطع السيطرة على حركتها ووقعت معهما على الأرضية ليسرع هو في مساعدتها هاتفا بعتاب

حاسبوا!

مد يده ليعاونها على النهوض فاضطرت مجبرة أن تمسك بكفه الممدود نحوها أسند مرفقها بيده الأخرى لتتمكن من الوقوف على قدميها شعرت پألم قليل في قدمها فعنفهما بضيق

كده بهدلتوا الأبلة!

حدقت في عينيه المتطلعتين إليها بنظرات حانقة نوعا ما بدت غير مقتنعة بكل ما يدور أحست بوجود أمر مريب في المسألة خاصة حينما رأت تلك الابتسامة العابثة تلوح على ثغره وقبل أن تجد الجواب لشكها حصرت من جديد من الصغيرين اللذين تعمدا ضمھا مع دياب بأذرعيهما لتصبح أسيرة أحضانهم مجبرة........!!

يتبع التالي

الفصل الرابع والسبعون الجزء الأول

شهقت مصډومة من اندفاعها المباغت نحوه واستندت بكفيها على محدقة فيه بنظرات مشدوهة ممزوجة بالخجل تحول لون بشرتها إلى حمرة صريحة بادلها نظرة شغوفة متلهفة لاقترابها الساحر نجحت خطته وباتت معه حتى وإن كان الأمر مفتعلا لكنه حاز على مراده في الأخير وبارتباك يسيطر عليها من تغلغل ذلك الشعور فيها لم يتحرك من مكانه وبقى كالصنم مسلطا فقط أعينه عليها وبحذر واضح انسلت مبتعدة عنه مبدية انزعاجها من تصرفات الصغيرين الطفولية التي وضعتها في موقف محرج كهذا 

أنا أسفة مقصدش!

أخفضت عينيها بحرج أكبر شاعرة بتلك المربكة المنبعثة من وجهها لم ترغب في حدوث ذلك ولكنه القدر 

رد عليها دياب بهدوء واضعا يده على مؤخرة رأسه

ولا يهمك حصل خير!

انسحبت من أمامه دون إضافة المزيد مسرعة في خطواتها رغم عرجها الملحوظ وبقيت أنظاره متعلقة بها حتى اختفت من أمامه فأخر تنهيدة ملتهبة استدار للخلف ليحدق في الصغيرين بنظرات ممتنة ثم فتح ذراعيه لهما ليندفعا في أحضانه ضمهما قائلا

حبايب قلبي!

سأله يحيى ببراءة

أنا شاطر يا بابي

أجابه وهو يقبله من وجنته

انت أستاذ زي أبوك!

رغم انتهاء الموقف إلا أن وجنتيها احتفظتا بتلك الحمرة البائنة حتى شعرت أن أمرها سيفضح بمجرد تطلع أحد ما لوجهها وتفرس في تعابيره المرتبكة استغرقها الأمر بعد الوقت لتتلاشى تدريجيا منها وتعود بشرتها إلى طبيعتها العادية انزوت في أحد الأركان بالغرفة المعدة للاحتفال بليلة الحناء محدقة فيمن حولها بنظرات شاردة 

تراجعت لتقف بالشرفة الخارجية مستنشقة نسمات الهواء العليلة ومستعيدة في ذاكرتها لمحات خاطفة من ذلك الموقف المخجل أطرقت رأسها حرجا وشبكت أصابعها معا تفركهم بارتباك 

لامت نفسها عشرات المرات لأنها

 

لم تتخذ حذرها جمدت أنظارها على يديها متذكرة تلك الدقات لقلبه أغمضت عينيها بقوة نافضة عن عقلها تسلله إليها

ولجت أسيف إلى الشرفة بعد أن لاحظت اختفائها فتعجبت من سكونها المريب دققت النظر أكثر في هيئتها المزعوجة ودنت منها متسائلة باهتمام 

مالك يا بسمة في حاجة حصلت

انتبهت لوجودها فاعتدلت في وقفتها وابتسمت لها بتوتر وهي تجيبها

لأ عادي!

ردت عليها بعدم اقتناع معللة

أصل شكلك متاخد كده و 

قاطعتها بجدية زائفة

تلاقيني بس تعبانة من المجهود الكتير فباين على وشي!

وضعت أسيف يدها تفركه برفق ثم ابتسمت لها قائلة بود

طب ارتاحي شوية

اعترضت عليها مرددة

لا مش عاوزة أنا مبسوطة معاكي!

رمشت أسيف بعينيها متابعة بامتنان حقيقي

بجد أنا مش عارفة أقولك ايه أنا ربنا مارزقنيش باخوات بس فعلا انتي بالنسبالي أكتر من أختي!

على ايه يا بنتي هو أنا عملت حاجة

مش لازم تعملي حاجة كفاية إنك قربتي مني و 

قاطعتها قائلة بجدية

بطلي عبط! احنا قرايب قبل ما نكون اخوات!

زاد لمعان عينيها متأثرة بما قالته وردت عليها بود

ربنا يقدرني وأقفلك يوم فرحك وأتعبلك!

لم تتمالك بسمة نفسها فضمتها إليها بحب

واضح ث

نظرت لها الأخيرة باستغراب قليل فأكملت بجدية أكبر

بصي كل حاجة جت بسرعة وجايز تكوني اضطريتي تعملي حاجات 

قاطعتها أسيف قبل أن تكمل عبارتها هامسة بابتسامة خجلة

لأ يا بسمة اطمني!

سألتها باهتمام وقد بدا على تعبيراتها الاندهاش

يعني انتي موافقة على 

أومأت برأسها هامسة

ايوه

فغرت بسمة مصډومة وهي تسألها

بتهزري!

ردت أسيف بهدوء

لأ أنا فعلا بأعمل ده وأنا مقتنعة!

احتضنتها بسمة مجددا وهي تقول

ربنا يقدملك اللي فيه الخير ويبعد عنكم أي شړ!

راقبتهما من على بعد متعجبة من تلك الألفة الزائدة بينهما فأثر ذلك الأمر فضولها فاقتربت منهما وهي تحدجهما بنظرات حقودة متسائلة بامتعاض

مالكم أخدين جمب كده ليه

نظرت لها بسمة بانزعاج فهي تعلم أن قدومها دوما يحمل المصائب لذا ردت باقتضاب غامض

عادي يا نيرمين!

سلطت أنظارها على أسيف لتظهر لها تأففها منها وهي تضيف بعبوس

ولا بتقولوا سر شكلها كده!

لم تعلق عليها واكتفت بإشاحة وجهها للجانب متجنبة نظراتها المقيتة لكن لم تتركها الأخيرة بمفردها فاستأنفت قائلة بازدراء

جايز المحروسة بتقولك على خبراتها في توقيع الرجالة اتعلمي منها يمكن دماغك الحجر تلين و 

صدمت أسيف من كلماتها الفجة في الإساءة إليها واستدارت نحوها لترمقها بنظرات أكثر كراهية وقبل أن ترد عليها بها بسمة مستنكرة اللا محدودة

نيرمين!

ردت أسيف هي الأخرى بقوة

اتكلمي عدل عني!

نظرت باحتقار لها مقوسة ثغرها للجانب وهي تضيف بسخط

هو أنا قولت حاجة غلط ما أديكي جبتي سيد الناس على رجله لحد عندك! مش دي الحقيقة!

لم تطق تلك الافتراءات الباطلة عليها فيها بعصبية رافضة ما تتهمها به

أنا مش كده!

لوحت نيرمين بيدها قائلة ببرود مستفز

مش لازم ترسمي الوش ده عليا أنا مش بيخيل عليا الألاعيب دي وياما شوفت!

استشاطت نظرات أسيف على الأخير وكادت ټنفجر غيظا منها لكن أسرعت بسمة بالتدخل لتمتص 

تعالي يا أسيف سيبك منها هي كده وكلامها يفور الډم!

ثم جذبتها من ذراعها بعيدا عنها متمتمة بكلمات خاڤتة محاولة تهدئتها فنظرت للاثنتين پحقد وصاحت ساخرة

اتلم المتعوس على خايب الرجا!

أسرعت بسمة بإبعادها عن الشرفة ناظرة لها برجاء لطيف فردت أسيف بهمس مزعوج

بني آدمة