رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

الأوضة وطالعة!

سحبت أول ما التقطه يدها من على الرف صافقة ضلفة الخزانة بعصبية ثم اندفعت للخارج مبرطمة بكلمات مزعوجة ردت عليها نيرمين بغل

غوري ياختي بلا هم! 

وضعت يديها على رأسها ضاغطة عليه وهي تقول بتبرم

آه يا نافوخي إلهي يجيلك صداع ماتعرفي تقومي منه!

تجول في أروقة مدرسته الجديدة بعد أن استقر بها متباهيا بمآثره فالوساطة قد لعبت دورها وجعلته ينتقل إلى مكان آخر مغاير لذلك الذي كان يعمل به إلى أن عاد إلى غرفته المنزوية 

في تلك الأثناء أراد يحيى الدخول إلى المرحاض لكن تعذر على الصغار المتواجدين بطابق رياض الأطفال استخدامه لوجود صيانة حالية به نتيجة انسداد المواسير فلجأت العاملات لاستخدام المراحيض المتواجدة بالطابق الأرضي والقريبة من غرفة تدريس مادة الصيانة والترميمات توجه بصحبة إحداهن نحو المرحاض هتفت العاملة متسائلة

عاوزين التواليت

ردت عليها أخرى

خليه يستنى في 3 جوا وبتاع البنات مشغول

طيب

التفتت العاملة نحو يحيى قائلة بجدية

معلش يا حبيبي امسك نفسك شوية لحد ما يفضى واحد

هز رأسه بالإيجاب قائلا

طيب

تلفت حوله متأملا ذلك المكان الواسع بنظرات شمولية فدفعه فضوله

لاكتشاف المكان من حوله ريثما يصبح المرحاض شاغرا وببراءة الصغار تجول في المكان مشبعا فضوله البسيط ضل طريقه ولم يعرف كيف يعود دار حول نفسه بحيرة ودلف إلى رواق منزوي مقارب للحديقة معتقدا أنه طريق العودة لمح تلك الغرفة البعيدة فاتجه نحوها راكضا 

فتح ناصر الباب على مصراعيه ليجد ذلك الطفل متواجدا بالخارج صاح به ناصر بحنق من بين شفتيه المضغوطتين

إنت بتعمل ايه هنا

بكى الصغير خائڤا من نبرته الجهورية وبال على نفسه

مامي!

تفحص مظهر ثيابه المختلفة نسبيا عن المعتاد واستشف سريعا أنه من أطفال قسم الرياض الملحق بالمدرسة ثم دقق النظر في بطاقة الهوية المعلقة حول عنقه مرددا بهدوء

مممم اسمك يحيى دياب! 

غمز له بعينه اليسرى متابعا بتسلية

شوفت أنا عرفت اسمك لوحدي ازاي 

رد عليه يحيى بصوت مخټنق من بين بكائه

أنا عاوز مامي!

قهقه ضاحكا من براءته ثم اعتدل في وقفته قابضا على رسغه ليسحبه خلفه وهو يقول

تعالى نشوف إنت جاي منين 

جرجره خلفه بسهولة رغم تعمد يحيى إلقاء ثقل جسده للخلف عله يشكل عائقا أمامه لكن ما يفعله لا يشكل فارقا معه لمحتهما العاملة من على بعد فركضت ناحيتهما مرددة پخوف

الحمدلله إنك لاقيته يا أستاذ ناصر ده أنا دوخت عليه

جذب الصغير إلى حضنه بذراعه قائلا 

أه ماهو تايه وعمال يعيط وأنا مش عارف أفهم منه حاجة!

أشارت بيدها للأعلى مبررة سبب تواجده هنا

ده من الحضانة فوق

قطب جبينه مهتما وتساءل 

وإيه اللي جابه تحت

أجابته العاملة بامتعاض مرهق

التواليتات بايظة

هز رأسه متفهما وهو يضيف محذرا

أها قولتلي طب خدوا بالكم كويس مش كل مرة هتعدي على خير جايز عيل يجري كده ولا كده وتحصل مشكلة!

لوت العاملة ثغرها مرددة بتوجس

ربنا يستر كتر خيرك يا أستاذ ناصر!

مدت يدها لتمسك بالصغير فرأت سرواله المبتل زاد تجهم تعبيراتها وهي توبخه بلطف

كده بليت هدومك يا يحيى!

اڼفجر الصغير باكيا وهو ېصرخ پخوف

أنا عاوز مامي!

أمسكت به من قبضة يده مرددة

استنى أما نشوف عند المس في غيار زيادة ليك ولا لأ مش هاتفضل كده مبلول!

تنحى ناصر جانبا مسلطا أنظاره عليه ثم لوح له بأصابعه قائلا بثبات

باي باي يا يحيى !!

يتبع التالي

الفصل التاسع والسبعون

رغم تبرمها من تعجله في تلك الخطوة تحديدا لكن فرحته الواضحة عليه جعلتها تتقبل الأمر بعاطفة أمومية صادقة من أجل سعادته هو فقط راقبت باهتمام تصرفاته المليئة بالحيوية والنشاط لإنجاز ماهو مطلوب في أقل وقت ممكن نعم مر وقت طويل منذ أن رأته متحمسا لأمر ما أدركت عن ظهر قلب أن الحب يفعل المستحيل تنهدت بعمق مبدية ندمها في نفسها لسعيها الدؤوب على إجباره على زيجة لم تكن لتحقق له الهناء والسرور مثلما تراه اليوم واجتهدت هي الأخرى في تجهيز ما يلزم لتصبح غرفته جاهزة لاستقبال العروس.

أشرفت بنفسها على ترتيب الأثاث الجديد بالغرفة محذرة بجدية

حاسبوا التسريحة مش عاوزين حاجة تتبهدل!

استدار منذر ناحية والدته متسائلا

ها يا أمي ايه رأيك

أبدت إعجابها بالأثاث الحديث ذو اللون البني الداكن قائلة بابتسامة عريضة

ماشاء الله حاجة حلوة على الأخر!

ربتت على كتف ابنها مضيفة

تتهنى فيها يا رب

أمسك بكفها بين راحتيه ليربت عليه برفق كنوع من الامتنان لدعمها له ثم سألها بقلق طفيف

تفتكري ذوقي هايعجبها

حرر قبضتها من يديه مكملا بامتعاض

هي مرضتش تنزل معايا تختار وده مضايقني شوية و...!

قاطعته مبررة بهدوء

بكرة تفرشوا بيتكم براحتكم وتناقوا كل حاجة على ذوقكم!

هز رأسه موافقا رأيها فأضافت بجدية

المهم إن ربنا يبعد عنكم أي شړ

يا رب أمين

تابعت جليلة وهي تشير بسبابتها

أول ما العمال ينزلوا أنا هابخرهالك وهاشغل قرآن في الأوضة عشان الحسد!

اتسعت ابتسامته الودودة قائلا

ماشي يا أمي اللي يريحك!

ربتت على ظهره مجددا وهي تدير رأسها في اتجاه العمال لتتابعهم عن كثب بينما شرد هو في أحلامه المستقبلية مع حبيبته.

..............................................

استندت برأسها على مرفقها شاردة في ذلك المشهد الحميمي بينهما رغم نفيه لأكثر من مرة عدم وجود أي رابط يجمعهما سوى ابنه أزعجها تكراره في مخيلتها وكأنه عقاپ خاص بها لتعذيبها تنهدت بمرارة زافرة عن صدرها هما أخرا يطبق على روحها لم تشعر بأسيف التي كانت تحدثها للحظات حتى هتفت باسمها بنبرة شبه مرتفعة

بسمة انتي مش معايا خالص!

انتبهت لصوتها فأفاقت من سرحانها المؤقت قائلة بصوت شبه متحشرج

معلش!

حاولت أن تبتسم لتبدو أكثر إقناعا وهي تتابع بتردد

ت.. تلاقيني مصدعة شوية

اقتربت منها أسيف أكثر لتتفرس في ملامح وجهها الذابل رأت عينيها الملتهبتين بحمرة واضحة فخمنت على الفور سبب حمرتهما سألتها بنزق

انتي كنتي بټعيطي

انتفضت في مكانها خيفة من كشف أمرها وهزت رأسها نافية بقوة هاتفة

لأ أبدا ده بس..

بدت طريقتها غير منطقية بالمرة ومتنافية مع تعبيراتها المنكسرة فأصرت على رأيها قائلة بجدية

بسمة في ايه مضايقك اتكلمي بصراحة!

انزعجت من تضييق الحصار عليها فهبت واقفة من مكانها قائلة بخفوت حزين

ولا حاجة!

أولتها ظهرها كي لا تفضحها عيناها علنا وبدأت في فرك أصابعها بتوتر كبير استشعرت أسيف وجود خطب ما بها فلم تقتنع بردها لذا تابعت مضيفة بحذر علها تعلم ما بها

بس أنا مش حاسة كده إنتي....

قطمت عبارتها مجبرة حينما هربت من أمامها فجأة ارتفع حاجباها للأعلى باندهاش كبير وركضت ورائها مرددة پصدمة

استني رايحة فين!

لم تتحمل المزيد من الضغوطات والأسئلة المحاصرة لها هي اكتفت من كتم كل ما تشعر به في صدرها حتى اختنق على الأخير فرت من أمامها كي لا ټنهار لكن لم تتركها بمفردها حدسها ينبؤها بسوء حالتها النفسية وقسمات وجهها تؤكد لها الأمر لذلك تساءلت بتلهف

مالك يا بسمة طمنيني

وضعت يدها على كتفها وأدارتها نحوها متابعة باهتمام قلق

في حاجة حصلت حد ضايقك

تشنجت نبرتها وهي تجيبها

أنا مخڼوقة يا أسيف مخڼوقة ومش قادرة خلاص!

لاحظت عصبيتها الزائدة وحالتها الثائرة فجاهدت لامتصاصهما هاتفة بتوجس

طب اهدي

في ايه لكل ده

اڼهارت باكية وهي تجيبها بصوتها المخټنق

أنا مش عارفة مالي!

تراجعت للخلف لتجلس على طرف الفراش ډافنة وجهها بين راحتيها وهي تكمل بصعوبة

مضايقة جدا حاسة زي ما يكون في حاجة كاتمة على نفسي!

جلست أسيف إلى جوارها محاوطة إياها بذراعها ظلت تمسح على ظهرها برفق ودود ثم همست لها

احكيلي يا حبيبتي أنا مستعدة أسمعك

ظلت مخبئة لوجهها متحرجة من كشفه ردت بلا وعي بنبرة متقطعة

أنا.. خاېفة أكون....

لم تسمع بوضوح ما الذي تردده لكن قطعا الأمر مزعج بدرجة كبيرة معها سألتها بتلهف مهتم وهي مستمرة في المسح على ظهرها

تكوني ايه

أجابتها من بين بكائها المكتوم

اتعلقت بيه!

ضاقت عيني أسيف باهتمام كبير من جملتها المقتضبة المٹيرة للفضول متسائلة

مين ده!

راقبت حديثهما العابر دون أن تدخل فيه علها تعرف ما الذي أصاب ابنتها لتبدو على تلك الحالة الشاردة الحزينة هي أمها وتشعر بها وبحزنها الملموس ومنذ عودتها من الخارج وهي تراها واجمة يعكس وجهها الكثير لكنها لم ترغب في إجبارها على الحديث لتيقنها من رفضها الإفصاح لها عما يجيش في صدرها فتركت تلك المهمة لابنة أخيها التي لم تتأخر عنها واهتمت بها على الفور.

باحت بسمة بما تكنه في صدرها مزيحة تلك الأثقال عنها فقد فاض بها الكيل وامتلأت روحها على الأخير حتى خبت قواها واستسلمت علمت منها اعتراف دياب بحبه لها برغبته في الزواج بها برفضها لتلك الزيجة وإحساسها بالاختناق والضيق لرؤيته مع غيرها خشيت أن تعترف لنفسها بحقيقة مشاعرها بوجود بذرة لشيء ما في قلبها نحوه شيء أرادت ودأه منذ البداية كي لا يتحول إلى عبء كاسح لها.

أشفقت عليها أسيف كثيرا وابتسمت لها محاولة إزالة ذلك التوتر المشحون مرددة بلطف

طب ليه مافضفتيش معايا من الأول

تهدل كتفيها پانكسار وهي تجيبها

مش عارفة جايز لأني مش عاوزة الموضوع ده!

محدش هايجبرك على حاجة!

أنا عارفة بس.. اللي بيحصلي ده و...

وايه

سردت لها تلك المشادة الكلامية الحامية مع زوجة

 

الجزار أثناء سفرهما للبلدة الريفية وما تبعها من حضور دياب للمنزل وإصراره على الارتباط خاڤت أن يكون إلحاحه نابعا من كونه مجرد مساعدة منه لإيقاف تلك الألسن التي تطاولت عليها انزعجت أسيف من تفكيرها المحدود مرددة بعتاب رقيق

غلطانة يا بسمة دياب مش كده وإنتي أكتر حد شوفتي مواقفه ده نسخة من منذر!

هزت رأسها بأسف وهي ترد بنبرة محبطة

بس للأسف في حاجة هتفضل بينا

قطبت جبينها متسائلة باهتمام

ايه هي!!

سحبت نفسا مطولا لفظته ببطء وهي تجيبها

ابنه يحيى وطليقته!

ردت عليها أسيف بحماس طفيف

طب والله ابنه بيحبك جدا بالعكس أنا بأشوفه متعلق بيكي جدا يمكن أكتر من أبوه وأمه!

ارتجفت نبرتها وزاد ترقرق العبرات في مقلتيها حتى بدت على وشك البكاء مرة أخرى وهي تقول

أنا بأحبه أوي بس خاېفة من التجربة خاېفة يحصل معايا زي نيرمين!

امتعضت تعبيرات أسيف بانزعاج بائن لم تخفيه فأختها تثير الأعصاب بتصرفاتها المستفزة وبالتالي تأثر بسمة بمواقفها لا مفر منه هي نفسها عانت من قسۏتها وجحود قلبها في أحلك الظروف لذلك ردت بجدية

ماتحطيش نفسك دايما في مقارنة مع غيرك وخصوصا نيرمين!

شعرت عواطف برجفة قوية ټضرب جسدها بعد سماعها لتلك الاعترافات المٹيرة ابنتها تحت وطأة ضغوط مهلكة للأعصاب وتجاهد للبقاء قوية صلبة وصلدة أمام الجميع كذلك كانت الظروف والأوضاع مختلفة تماما بين الأختين فكلتاهما تعاصر وتعايش تجارب لا علاقة لها بالأخرى لذلك من المجحف المقارنة بينهما وتوقع نفس النتائج.

............................................

لم يتوقف عن البكاء رغم انتهاء اليوم الدراسي حتى أصبحت معلمته مزعوجة من صمته المريب ورفضه الحديث عما أصابه

ليبدو على تلك الحالة المقلقة كان كل شيء طبيعيا حتى عاد مجددا إلى الفصل ظنت في البداية أن للأمر علاقة بثيابه المبتلة فتحرج الصغير من الموقف بين أقرانه لكن مع استمرار نحيبه وبحكم خبرتها نشأ عندها اعتقادا أن المسألة أعمق من هذا حاولت تهدئته والحنو عليه لكنه رفض الاستجابة