رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

الشجرة التي كان يستظل بها أبيها بنظرات مطولة ثم أخرجت من صدرها تنهيدة عميقة التفتت برأسها نحو عمتها الواقفة على مقربة منها قائلة بابتسامة باهتة

بابا كان متعود يقضي اليوم كله تحت الشجرة دي!

زادت ابتسامتها تدريجيا وهي تضيف

وكنت أنا وماما بنستناه لما يخلص عشان نروح ناكل معاه!

أصغت عمتها لها دون مقاطعة مستمتعة بتلك الذكريات التي لم تعرف عنها شيئا واستشعرت من طريقة حديثها عن عائلتها أنها عاشت ذكريات سعيدة وطيبة طالعتها بنظرات ودية حينما هتفت بحماس 

ماما مكانتش حابة تتحرك إلا معاه وبالا كان بيحبها أوي!

انضم إليهما منذر وحرص على عدم إزعاج أسيف حتى تستمر في استرسالها دون خجل نظرت له عواطف بترحيب فأشار لها بسبابته كي لا تنطق فامتثلت لأمره الصامت وفضلت أن تنسحب لتترك لهما مساحة من الحرية للتقارب سويا رمقها بنظرات ممتنة على موقفها المتفاهم وثبت أنظاره على حبيبته التي لم تشعر بوجوده خلفها 

أكملت أسيف قائلة بتنهيدة متأثرة

أد ايه كان عظيم معها عمره ماتكسف منها بالعكس كان بيفتخر إنها مراته وإن أنا بنته!

جمد أعينه عليها متابعا باهتمام ما تبوح به فهي فرصة طيبة ليعرف عنها أكثر سحبت نفسا عميقا لتضبط به انفعالاتها المتأثرة خاصة بعد أن لمعت عيناها بقوة بدت نبرتها مهتزة وهي تقول

ياما لعبت هنا أحلى ذكرياتي كانت معاهم بس خالي فتحي ربنا يسامحه استكتر ده عليا!

أزعجه بشدة ذكر ذلك المقيت الذي سبب لها الأذية وحفر في عقلها ذكريات أليمة بصعوبة واضحة عليه سيطر على أعصابه وفضل ألا يصدر صوتا أخرجت من صدرها تنهيدة أكثر حزنا وهي تقول

كان نفسي يكونوا معايا أوي عارفة يا عمتي ماما كانت بتفكر تشتريلي فستان فرح بس بصراحة أنا مكونتش عاوزة كده كنت حابة ألبس فستانها!

اختنق صوتها نوعا ما وهي تقول

حتى الأمنية دي كمان اتحرمت منها!

استدارت فجأة للجانب لتحدق في وجهها فصدمت من رؤيته شهقت بتوتر ورمشت بعينيها بحرج كبير وبلا تردد سألته بارتباك

انت انت هنا من امتى

ابتسم لها بعذوبة قائلا بتريث

من بدري!

توترت بشكل ملفت للأنظار من حضوره المباغت وزاد احمرار وجهها حتى بات ككتلة ملتهبة من الحرج همست بتلعثم

أنا هاروح أشوفه إن كانوا محتاجين مساعدة

تحرك منذر سريعا ليعترض طريقها قائلا بلطف

ممكن نتكلم شوية!

تسمرت في مكانها مجبرة وأخفضت نظراتها قائلة بخجل

أستاذ منذر!

ابتسم لها قائلا برجاء ودود

ينفع نشيل التكليف بينا

أسبلت عيناها نحوه متحرجة أكثر منه فتابع موضحا محاولا إقناعها بوجهة نظره بطريقة عقلانية

يعني كوضع مؤقت! الناس هنا هايقولوا ازاي هايتجوزوا ولسه بينادوا بعض بالألقاب شكلها غريب!

هزت رأسها بتفهم وأخفضت نظراتها لتحدق في أي شيء إلا هو زفر مطولا رافعا رأسه للأعلى ودس يديه في جيبي بنطاله أردف قائلا بهدوء

المكان هنا حلو!

حدقت أمامها قائلة باقتضاب

ايوه!

تعرفي أنا شكلي هاحسدك إنك اتربيتي في مكان زي ده! 

اكتفت بالابتسام دون أن تعلق عليه وظلت مثبتة أنظارها في الخضرة الممتدة

على مرمى البصر الټفت ناحيتها ممتعا عينيه بقربها الساحر شعرت بأنظاره عليها رغم عدم استدارتها فحافظت على ثباتها كي لا يزيد حرجها بدا عقلها في صراع كبير محاولا الوصول إلى طريقة مثلى في التعبير عن امتنانها له لمساعدتها إياها دون تأخير شعرت بصعوبة الأمر رغم بساطته عضت على شفتها السفلى كاتمة توترها فابتسم لعفويتها 

تجرأت للحظة قائلة بخفوت رغم اهتزاز نبرتها

أنا كنت حابة أشكرك على كل حاجة عملتها عشاني!

اهتم بما تقوله مبتسما فلأول مرة تظهر له تقديرها لمواقفه فركت أصابع كفيها معا وهي تكمل بارتباك أكبر

أنا عارفة إني ضايقتك كتير وساعات كنت يعني متسرعة معاك وانت استحملت مني حاجات محدش يقبلها على نفسه!

أخرج يده من جيبه ووضعها على رأسه ليمررها بثبات خلال خصلاته قائلا بهدوء

ولا يهمك!

أغمضت عينيها متمتمة بخفوت مضطرب

وفي كل مرة كنت بأقع فيها في مشكلة كنت بتقف معايا حتى لو في بينا خلافات!

طالع تعابير وجهها بنظرات متيمة ورد عليها هامسا بصدق

اللي بيحب حد بيحبه زي ما هو كده!

فتحت عينيها مستديرة نحوه بخجل كبير فعمق منذر نظراته أكثر نحوها لتصبح هي محاصرة بين وميض عينيه المتقدتين شوقا لتذوق حبها الدافئ أحست بنظراته تخترقها تصيبها مباشرة في قلبها تزيد من نبضاته وتؤكد لها وجود شيء ما في كيانها توترت بشدة من حضوره القوي فتنهد مضيفا بنبرة عاشقة صادرة من فؤاد ذاق لوعة الحب

وأنا حبيتك كده !!

يتبع الجديد

الفصل الثالث والسبعون الجزء الأول

جلست منزوية في أحد الأركان بمنزلها محدقة بنظرات خاوية في تلك الورقة التي لم يعد لها أي قيمة اعتقدت أنها ملكت الدنيا باستحواذها على مبلغ كهذا لكن تحولت أحلامها إلى سراب حينما اكتشفت الخدعة كان الشيك بدون رصيد خدعها بسذاجة ليضمن عدم تقدمها بأي شكوى ضد أخيه وانطليت عليها الأكذوبة بسهولة هربت من عينيها عبرات خائڼة فمسحتها سريعا قبل أن تراها ابنتها وتكتشف الأمر.

دنت منها ولاء متفرسة في تعبيراتها الحزينة ومتأملة بفضول حالتها الشاردة وقفت أمامها لبرهة منتظرة أن تشعر بوجودها لكنها كانت كمن في عالم آخر فصاحت باستغراب

ماما! مالك في ايه

انتبهت شادية لوجودها فاضطربت بدرجة ملحوظة وازدردت ريقها بتوتر وهي تطوي الورقة لتدسها في جيبها دون أن تنتبه لها ابنتها سريعا عمدت إلى إخفاء حزنها وقوست فمها لتظهر ابتسامة باهتة وهي ترد

مافيش يا بنتي

لم تقتنع الأخيرة بما قالته فسألتها بفضول

شكلك مش طبيعي هو في حاجة حصلت

أسندت رأسها على مرفقها قائلة بتبرم

لأ بس يحيى واحشني وكده!

جلست ولاء إلى جوارها مخرجة تنهيدة عميقة من صدرها وهي تضيف

أنا هاحاول أرتب مع جليلة ميعاد نشوفه فيه!

انعقد ما بين حاجبيها باستغراب من جملتها الأخيرة واستدارت برأسها نحوها لتنظر في عينيها قائلة بجدية

احنا مش معانا الحضانة يعني من حقنا....

قاطعتها ولاء بحدة

ماما أنا مش عاوزة مشاكل تاني مع دياب خليني أحاول أرجع المياه لمجاريها معاه!

توقفت لتسحب نفسا أخرا وهي ترجع رأسها للخلف متابعة بيأس

ولو إن ده صعب يحصل دلوقتي!

بدت جملتها مريبة لوالدتها فسألتها مهتمة

هو انتي كلمتيه تاني

ردت باقتضاب غامض

يعني!

انتصبت أكثر في جلستها وسألتها بتلهف علها تروي فضولها الثائر

وعرف إنك هاتخلعي مازن

اه

سألتها باهتمام أكبر

ها ورأيه ايه

أغمضت ولاء عينيها حسرة ابتلعت غصة عالقة في حلقها لترد بمرارة

ولا فرق معاه!

لامتها شادية على تهورها قائلة بانزعاج

انتي اتسرعتي كنتي اصبري مع مازن شوية و....

ملت من طريقتها التي تستثير أعصابها فهبت واقفة من مكانها والټفت برأسها ناحيتها لتصيح مقاطعة بانفعال

ماما! كفاية تحكمات في حياتي أنا خدت القرار وانتهيت!

زفرت بعدها بصوت مسموع قبل أن تسرع في خطواتها وتتركها بمفردها تابعتها شادية بأعين منكسرة وهي تختفي من أنظارها متمتمة بتحسر كبير

مش انتي بس اللي انتهيتي!

.................................

لوهلة شعرت بانفصال تام عما يحيط بها وكأن العالم قد بات خاليا إلا من كليهما حدقت فيه بأعين لامعة وأحست بتلك الدقات العڼيفة التي حمست قلبها وزاته نشاطا وعنفوانا هو صرح بعشقه لها دون سابق إنذار بلا زيف أو تجميل أحبها كما هي استشعرت تلك السخونة الشديدة التي انبعثت من وجهها فخمنت أنه صار كثمرة البنادورة من فرط الخجل.

ابتسم منذر لحيائها وأسبل عينيه نحوها متأملا خجلها المحبب إليه واصل حديثه المسترسل قائلا بتريث جاذب للأسماع

عارفة لما الواحد يحس فجأة إن قلبه دق كده من غير ميعاد!

أخفضت

نظراتها مطرقة رأسها بحرج أكبر عاجزة عن الرد عليه رغم استمتاعها بما يقول شعرت بدفء كلماته وبصدق إحساسه حينما قال

وده اللي حصل معاكي!

تنهد بعمق ثم وضع يده على قلبه مضيفا باشتياق ومشيرا إليه

نفسي تحسي بده أوي!

رفعت أنظارها لتحدق في كفه الموضوع على صدره زاد ارتباكها الخجل

 

منه ولم تعترض أبدا على ما يبوح به أو حتى على ما يفعله وكأنها مخدرة تحت تأثير سحره الآسر للعقول قبل الأفئدة كان على وشك إضافة المزيد لكن قاطع خلوتهما الحاج إسماعيل الذي هتف بصياح مرتفع

أستاذ منذر كويس إني لاقيتك هنا!

استدارت أسيف برأسها نحوه متحرجة باضطراب ملحوظ على تعابيرها من رؤيته لها معه حتى وإن كان الأمر مقبولا له سارع منذر بالرد عليه ليجذب انتباهه إليه

اتفضل يا حاج إسماعيل لسه كنا بنتكلم عن كرمك مع المرحوم رياض!

هز الأخير رأسه متأسفا وهو يرد

ربنا يغفرله كان راجل طيب فعلا

أمن منذر على جملته قائلا

يارب!

كورت أسيف قبضتها بقوة ضاغطة على أناملها المتوترة وأشارت بالأخرى هامسة بصوت شبه متحشرج

أنا رايحة أشوف عمتي إن كانت محتاجة حاجة!

رد عليها الحاج إسماعيل مرددا

وماله يا بنتي واطمني الحريم كلهم مجهزينلك كل اللي يلزمك!

هتف منذر قائلا بجدية

كتر خيرك يا حاج إسماعيل هي مش هتحتاج حاجة أنا متكفل بكل طلباتها

أصر عليه بشدة

دي عوايدنا يا ابني!

لم يجد بدا من المجادلة معه فمثل تلك الأمور تعد من الأعراف السائدة لديهم وتجاهلها يعد نوعا من الإهانة أضاف الحاج إسماعيل باهتمام

أنا رتبتلك ميعاد مع المأمور أعدة ودية كده تاخد وتدي معاه في الحوار بعد صلاة العشا في دوار العمدة على اعتبار إنك هاتعزمه على كتب الكتاب!

ابتسم منذر قائلا

حلو أوي!

حدق الحاج إسماعيل أمامه متابعا بعزم وهو يشير بيده موضحا

احنا إن شاء الله هانعمل الصوان قصاد المضيفة عندي في حتة فاضية و...

قاطعه منذر قائلا بصرامة

سامحني إن كنت هاقاطعك بس أنا عاوز منك خدمة

أؤمرني

الأمر لله وحده!

زفر منذر بعمق ثم دس يديه في جيبي بنطاله ليحدق مباشرة في عينيه تابع بثبات مشيرا بحاجبه

أنا كنت حابب ننصب الصوان في أرض المرحوم رياض عند الشجرة اللي كان بيقعد عندها!

اجتهد لينهي الكثير من الأعمال العالقة بالوكالة قبل أن يسافر مع عائلته للترتيب لحفل عقد القران وقف على مقربة من مكتبه اثنان من عمالته مترددين في إخباره بما حدث من مشادات كلامية بين زوجة الجزار وابنة عواطف فقد تابع كلاهما ما حدث ولكنهما لم يتدخلا لأنها انتهت بتجاهل الأخيرة لها مما اضطر الزوجة في النهاية للانصراف.

عقد العزم أحدهما على إبلاغه فتحرك بخطى ثابته نحوه هاتفا بحذر

ريس دياب!

لم يلتفت نحوه وسأله باقتضاب وهو يعيد ترتيب الأوراق على مكتبه

خير

حك العامل مؤخرة رأسه مجيبا إياه بتردد

في حاجة حصلت كده وكنت عاوز أعرفك بيها

نفذ صبر دياب من مماطلته فصاح به بعصبية

طفيفة

قول على طول أنا مش فايقلك!

احم.. بنت الست عواطف!

انتبهت حواسه كليا فور سماعه لتلك الجملة وتوقف عما يفعل ليستدير نحوه متسائلا بتوجس

مين

ابتلع العامل ريقه قائلا بتخوف

الأستاذة!

ارتفع حاجبي دياب للأعلى واتسعت حدقتيه پخوف كبير وبلا وعي اقترب منه ليصيح فيه بشراسة

مالها في حاجة حصلتلها قول!

زادت سرعة حركة بؤبؤيه وهو يجيبه بتلعثم

أصل..مرات الجزار جت و.. وكانت.....

لكزه دياب پعنف في كتفه هادرا بنفاذ صبر

انطق بسرعة في ايه

سرد له على عجالة ما حدث بينهما فاستشاط الأخير ڠضبا مما حدث علنا على مسمع ومرأى من الجيران برزت عروقه بدمائه الفائرة واحتدت نظراته على