رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

بس خليهم عشرة يا سي منذر!

شعر بالنفور من طريقتها التي لا يستسيغها على الإطلاق لكنه مضطر لتحملها حتى يدفعها نحو العلاج للحظة تنفس بعمق ثم رفع رأسه نحوها وجمد أنظاره على وجهها قائلا بثبات

شوفي يانيرمين

شردت في عينيه البنيتين متأملة حدقتيه باشتهاء واضح رأت انعكاس وجهها فيهما شعرت بدفء ينبع منهما همست لنفسها متوهمة

هاه نيرمين قالي اسمي كده عادي للدرجادي أنا مهمة عنده!

كان مستشعرا نظراتها الهائمة نحوه وقاوم قد الإمكان إظهار علامات النفور منها كي لا تفسد خطته هو أوشك على إنهاء الجزء الأخير المتبقي فلا داعي للتعجل واصل استرساله مشددا

وبنتك محتاجاكي واللي بتعمليه ده مش كويس عشانها ترضي هي تخسرك

أفاقت من خيالاتها الحالمة على صوته الذي أضاف بجدية

أنا عاوزك تبدأي تاخدي العلاج لو فعلا بتحبي بنتك و...

سألته بتنهيدة حارة وهي تحدق فيه بنظرات والهة

و.. ايه يا سي منذر

جاء إلى تلك الجزئية التي كرهها كثيرا لكن لا مفر منها الخطة في الأساس تعتمد عليها وبالتالي هو مجبر على اللجوء إليها كي يضمن خنوعها ابتسم لها ابتسامة زائفة وهو يقول عن عمد

وبتحبيني يبقى تخفي عشانا!

هتفت بنزق ودون تفكير

أيوه أنا بأحبك يا سي منذر وانت عارف ده كويس!

أغمض عينيه للحظات مسيطرا على ضيقه الذي تسلل إلى تعابير وجهه خاف من افتضاح أمره لأنه يرفض تلك المشاعر بكل قوة فقلبه لم يخفق إلا من أجل واحدة فقط هي تلك التي عاهد نفسه ألا يحب سواها عاود فتح عينيه مضيفا بهدوء

وهو ينفع اللي بيحب حد ېموت نفسه

توترت من كلمته تلك وزادت تخبطا حينما وضع يده على كفها مؤكدا

عاوزك تتعالجي يا نيرمين!

أخفضت عينيها لتنظر بعدم تصديق في

يده مرددة پصدمة

الكلام ده ليا سي منذر

هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يقول بحذر متعمدا اختيار كلماته

ايوه خدي علاجك عشان نفسك الأول وعشان بنتك وبعد كده عشان الناس اللي بتحبيهم!

ارتسم على محياها ابتسامة متلهفة وهي ترد

أنا مستعدة أعمل أي حاجة انت تطلبها مني

سحب يده بحذر من على كفها قائلا بجدية

ده طلبي الوحيد!

رمشت بجفنيها عدة مرات وهي تتأمل كفها الذي كان يلامس كفه قبل لحظات لم يكن وهما أو حلما عابرا بل واقعا ملموسا شعرت به وملأ روحها وأنعشها من جديد رأى تأثيره عليها فهب واقفا ليقول باقتضاب جاد

هاستأذن أنا بقى

وقفت هي الأخرى تسد عليه الطريق بجسدها مرددة بتنهيدة حارة

ما لسه بدري ده...

قاطعها بهدوء

معلش ورايا شغل في الوكالة!

أرادت أن تستفزه أن تلعب على وتره الحساس كي ترى ردة فعله لذا سألته بنزق

ومراتك!

رغم انزعاجه مما يحدث إلا أنه حافظ على ثبات نبرته وهو يرد بجدية

أنا جايلك انتي وبس!

برقت عيناها بوميض شديد غير مصدقة عبارته الأخيرة التي اخترقت قلبها بسهم نافذ لتلقى حتفها صريعة حبه رددت بابتسامة عريضة قد تشكلت على ثغرها

أنا بس

وقبل أن يترك لها الفرصة لتسرح في خيالات وردية لا يحبذها جمد نبرته وهو يقول باقتضاب

سلامو عليكم

تنحت للجانب ليمرق من جوارها فأغمضت عينيها لثانية مستنشقة عبيره الرجولي ليكتمل المشهد ويحفر بالكامل في ذاكرتها فتحت عينيها لتتابعه فرأته يخرج من الغرفة تنهدت مرة أخرى بحرارة وتعلقت أنظارها به وهي تسير خلفه لتوصله إلى باب المنزل شعرت بانتفاضة كبيرة في روحها بعد حديثها معه رغبت في تنفيذ مطلبه على الفور يكفيه أنه قد جاء خصيصا اليوم من أجلها راقبتها الاثنتان من على بعد بدقة شديدة مالت بسمة على ابنة خالها هامسة

الظاهر منذر أقنعها

اعتصر قلبها ألما لرؤيتها معه تبث إليه مشاعرها بأريحية تامة على مرأى ومسمع منها لكن ذاك كان اختيارها وتعهدت لنفسها أن تتحمل تبعاته حتى يأتي بثماره ردت بنبرة مخټنقة نسبيا

ماهو واضح عليها!

التفتت بسمة ناحيتها قائلة بإعجاب

أنا مصدقتش إنك انتي تفكري في حاجة زي كده!

ابتلعت غصة مريرة في حلقها وهي ترد

كان لازم أساعدها حتى لو على حساب نفسي

رغما عنها لفت بسمة ذراعيها حولها لټحتضنها بقوة هي خالفت كل توقعاتها تجبرها يوما بعد اليوم على إبداء ندمها لظنها السوء فيها ومعاملتها بفظاظة وجفاء من قلب كان الأكثر رقة الأكثر رفقا بغيرها هي تملك من الرحمة والحب ما لا يقارن بغيرها قبلتها من وجنتيها متابعة بامتنان صادق

انتي قلبك طيب يا أسيف وربنا هيجازيكي خير عن اللي بتعمليه في غيرك!

ردت بتضرع واثق في قدرة المولى على تدبير شئون خلقه

يا رب هو اللي عالم باللي فينا وقادر يزيح عنها البلاء ويشفيها!

تحفزت حواسها بعد كلماته الباعثة للتفاؤل على الشروع في خطة علاجها ولجت إلى داخل غرفتها لتلقي بجسدها على الفراش حدقت في السقفية مستعيدة صورة وجهه الرجولي المحبب لها في مخيلتها تنهدت نيرمين قائلة

بأحبك يا سي منذر!

تقلبت على جانبها متابعة بنبرة متمنية

آه لو تحس بيا وتفكري فيا شوية! 

أغمضت عينيها مجبرة عقلها على تكرار مشهد حديثهما سويا مضيفة عليه الكثير من مخيلتها لتنتفض مشاعرها من جديد وبقوة.

كان مدركا لكونه سلاح ذو حدين اللعب على مشاعر الأخرين ورغم نبل غرضه إلا أنه كان ممتعضا من منحها فرصة للتعلق به من جديد بعد أن حطم آمالها رأى منذر انعكاس ذلك على حالها خاصة حينما أبلغته أسيف بتحديدها موعدا مع الطبيب اكتفى بتمني الشفاء لها واقتضب في زياراته لزوجته كي لا

ينكشف أمره لكونه مزعوجا من تلك المسألة.

لاحظ والده عبوسه المستمر فاستطرد قائلا

هاتفضل مسهم كده كتير

رد عليه بتبرم

ڠصب عني مش عاجبني الوضع!

تفهم موقفه ومع ذلك حاول تهوين الأمر عليه فبرر له

انت قاصد خير مالوش لازمة تحاسب نفسك كل شوية اللي حصل حصل!

رد عليه متسائلا بضيق

وبعدين يا حاج أخرتها ايه!

هز رأسه هاتفا

كل خير قدم المشيئة وربنا عليه جبر الخواطر!

ولج إلى داخل مكتبهما أحد العمال قائلا بارتباك واضح عليه

حاج طه في.. برا... 

قطم عبارته مترددا في إكمال الباقي فصاح به طه بجدية

ما تتكلم يا ابني في ايه برا

اقتحم المكان أخر فرد يمكن توقعه قدم قدما وأخر الأخرى وهو يقول بحذر

أنا يا حاج طه!

ارتسمت علامات الصدمة الممزوجة بالاندهاش على وجهيهما فقد كان الابن الأصغر لغريمهما اللدود سريعا ما تحولت قسمات منذر للشدة ونظراته للعدائية والشراسة فهب واقفا من مكانه ليكز على أسنانه هاتفا بحنق

مازن..!!!

يتبع التالي

الفصل الرابع والثمانون

اندفعت دمائه الغاضبة في عروقه سريعا حينما رأى وجهه المقيت أمامه لم يتحمل وجوده في نفس المكان معه ملامحه تذكره بوجه أخيه المقيت الذي تعرض له ولزوجته تشنجت قسماته كليا ومنع نفسه بصعوبة من إطلاق السباب النابي احتراما لوالده ومع ذلك ثار فيه هادرا

جاي ليه انت مش اتحرم عليك انت وأهلك تعتبوا المكان هنا ولا....

قاطعه والده محذرا

اهدى يا منذر مش كده!

رد عليه معترضا بشراسة وهو يحدج غريمه بنظرات مخيفة

لأ يا حاج هما الظاهر نسيوا اللي عملوه!

كز على أسنانه مضيفا وهو يلوح بيده مهددا

وأنا ڼاري لسه مابردتش!

ابتلع مازن مرارة الإهانة مجبرا فهو مضطر للقبول بأي شيء حتى يحقق مطلب أبيه الأخير رد عليه مطأطأ الرأس مكسور النظرات

أنا محقوقلك مهما قولت ولو عاوز ټشتم براحتك!

وضع يده على مؤخرة عنقه متابعا پانكسار بائن

أنا راضي ورقبتي تحت جزمتك بس هاستسمحك في حاجة!

نظر إليه طه بإشفاق هكذا تتداول الأيام بين الناس فتارة تظن نفسك في أعلى عليين وفي أخرى تجد نفسك تهوي في أسفل القاع تمتم بتعجب

لا حول ولا قوة إلا بالله سبحانه المعز المذل

بدا منذر أكثر جمودا وصلابة عن أبيه لم ينس للحظة عنفهم وتجبرهم على الضعفاء بطشهم الذي طال مداه عائلته وخاصة أخته الصغرى ناهيك عن مشكلاته مع أخيه بالإضافة إلى أسيف والتي كان لها واضعا خاصا مع البلطجي مجد زاد وجهه تعقيدا وهدر متسائلا بانفعال

عاوز ايه

ازدرد مازن ريقه قائلا بتلعثم

لو.. ينفع.. أفتح المطعم..و...

قاطعه صائحا بعصبية وهو يكاد يهجم عليه

إنت بتحلم!

استشف مازن احتمالية رفضه لطلبه فتابع مستعطفا

مش عشاني والله بس....

هدر فيه منذر بنفاذ صبر

على چثتي إن ده حصل!

استشعر طه اندفاع ابنه الأهوج الذي ربما يودي به إلى مشكلة ما خاصة أن طريقته الموحية تؤكد نيته في الاعتداء عليه لذلك تدخل في الحوار قائلا بنبرة عقلانية

إديله فرصة يتكلم يا ابني ماتبقاش ظالم وتجور عليه!

زفر ضاغطا على أسنانه بعصبية

استغفر الله العظيم!

رد مازن بنبرة ذليلة

أبويا بيحاسب على أخر أيامه وأنا مش عاوزه ېموت بقهرته بسببي أنا وأخويا!

حدق فيه الاثنان بجمود جدي فأضاف متوسلا عل قلبيهما يرقان نحوه

فإذا سمحت يعني تخليه يفتح المطعم شقى عمره فيه!

رد عليه منذر بتهكم ساخر وهو يحدجه بنظرات مهينة

ومافتكرتش ده ليه وإنتو عاملين عصباجية علينا

لوح طه بذراعه قائلا بجدية

اهدى شوية

سلط منذر أنظاره على عدوه ليرمقه بنظرات احتقارية دونية وهو يرد بتشنج

بلاش كلام مجانين!

ابتلع مازن من جديد مرارة الإهانة والذل هو من جنى على نفسه بذلكيستحق من التوبيخات والمهانة أضعافا مضاعفة

 

فهو أضاع نفسه ووالده بغبائه المستحكم فلا يلومن الآن إلا نفسه طأطأ رأسه ذليلا أمامهما متوقعا الرفض ها قد خسر أخر محاولة لإرضاء أبيه لكن أعاد إليه الأمل طه حينما هتف بهدوء

سيبنا نفكر في الموضوع وروح لحالك دلوقتي

اشتعلت عيناي منذر أكثر عقب جملته المحفزة لانفعالاته المتعصبة فاستدار ناحية والده ليسأله بصوت محتد يحمل حنق صريح

إنت بتديله فرصة يا حاج

رفع عكازه بيده هاتفا بصرامة

منذر!

اضطر أن يصمت قسرا احتراما لشخصه المهيب فكظم غضبه في نفسه لكن نظراته عكست ما بداخله تساءل مازن بحذر وقد برقت عيناه

هاترد عليا طب امتى يا حاج طه

أشار له طه برأسه قائلا بجمود

قريب اتوكل على الله!

رد عليه مازن بابتسامة باهتة وهو يتراجع للخلف

كتر خيرك ومعروفك ده مش هنساه أبدا وهايفضل دين في رقبتي لحد ما أموت!

انتظر على أحر من الجمر اختفائه من أمامه ليصيح بعصبية في أبيه معاتبا بغيظ

إنت بتديله فرصة يا حاج

عاود والده الجلوس على مقعده ثم

سحب

نفسا عميقا زفره على مهل قبل أن يجيبه بحكمة اكتسبها من تجارب الزمن

ربنا مايحكم عليك ظالم أبوهم مالوش ذنب في عمايل ولاده وجيته هنا النهاردة أكبر دليل على ذلهم وكسرتهم ولما احنا نسمح بفتح المطعم الناس هتقدرنا بزيادة وهيتكلموا عنا بالخير وبعدين مين قالك إني هاسيبه يفتحه من غير ضمانات وشروط!

كان غير مقتنع بما قاله فجلس بعصبية خلف مكتبه هاتفا بامتعاض

اتصرف إنت يا حاج طه لأن أنا جايب جاز مع العالم ال....... دول!

عاونتها في غسل الصحون المتسخة بالمطبخ لينتهيا سويا في وقت قليل بعد ترتيب المنزل واستغلت كلتاهما الوقت في الثرثرة المعتادة لكن لم ينتبها إلى المتنصتة عليهما عاودت عمتها فتح الحديث في ذلك الموضوع الحرج الخاص بزوجها وابنتها ورغم إقتناعها بنبل نواياها إلا أنها كانت رافضة لتلك الوسيلة جففت أسيف يديها في المنشفة القديمة متنهدة بإرهاق وهي تقول

ماشي أنا موافقاكي يا عمتي جايز