رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

كلمتين!

دنت منها لتتابع بنبرة ذات مغزى_ 

عاوزاكي تشدي حيلك كده وتفرحينا قريب

عقدت أسيف ما بين حاجبيها باستغراب وهي تسألها_ 

مش فاهمة

أوضحت مقصدها بجدية أشد_ 

نفسي أشوف حتت عيل من منذر يا بنتي وخلينا نفرح بيكم!

تعجبت من تعجلها لتلك المسألة الغيبية التي لا دخل لها بها وهتفت معترضة بنبرة شبه مرتفعة_ 

بس لسه بدري احنا ملحقناش وبقالنا كام يوم متجوزين!

التقطت آذان منذر جملة زوجته وهو في طريقه إليهما فتوقف عن السير ليسترق السمع لحديثهما بانزعاج كبير ردت جليلة بإصرار واضح_ 

وماله أديني بوعيكي عشان تحطي الموضوع في بالك!

ثم شددت من لهجتها قائلة_ 

وابني نفسه في عيل يشيل اسمه ويكبر في حضنه!

تجهم وجهه تماما من أسلوبها الضاغط على زوجته لم يتحمل المزيد وولج إلى المطبخ صائحا_ 

أبويا بيسأل عليكي برا يا ست الكل!

التفتت الاثنتان نحوه فبدت المفاجأة واضحة عليهما تفرس هو وجه أسيف بنظرات قوية دون أن ينطق بكلمة لكنه كان مستشعرا ذلك التغيير الذي طرأ عليها أراد أن يخلصها من حصار أمه فتابع بهدوء_ 

معلش يا أسيف هاتي مياه لعمتك برا!

هزت رأسها إيجابا وهي ترد_ 

طيب

انتظرها حتى انصرفت من المطبخ فعاتب والدته بضيق_ 

ايه الكلام اللي سمعته ده

لم تكن أسيف قد ابتعدت تماما فوصل إلى مسامعها صوته الحاد والمزعوج تخوفت أن يحدث صداما بينهما فانزوت في الجانب لتتنصت عليهما خلسة بدت متوترة للغاية لمعرفة ردة فعله إن كان حقا قد سمع حديثهما فهمت والدته مقصده فورا وردت عليه ببرود_ 

الله يا ابني مش نفسي أفرح بعوضك!

عنفها منذر بانفعال طفيف ملوحا بيده في الهواء_ 

مش كده بردك هانعيده تاني يا حاجة

ردت بإلحاح_ 

وتالت ورابع كمان هو أنا غلطت مش أمك وعاوزة مصلحتك

اجتاح خلاياه ڠضبا جما من نفس الأسلوب القديم الذي كانت تتخذه معه من قبل لإقناعه بالزواج من نيرمين لأنها

تصلح للإنجاب متناسية أنه وجد الحب والسكنى مع زوجته الحالية رد عليها بقوة رغم هدوء نبرته_ 

وبعدين مين قالك إن أنا ملهوف على العيال أنا مبسوط كده

بررت إصرارها بنبرة حزينة_ 

يا ابني اللي زيك عنده أورطة عيال ونفسنا أنا وأبوك نشوف عيالك بيتنططوا حوالينا!

رد بجمود وقد ضاقت نظراته_ 

ربنا هيكرم في وقته فبلاش الله يكرمك تفتحي السيرة دي تاني مع أسيف

ضغطت على شفتيها قائلة بامتعاض رغم عدم اقتناعها_ 

طيب!

انسحبت سريعا قبل أن يكتشف أحدهما وجودها فيتسبب ذلك في إحراجها شعرت بعبء ثقيل يلقى على كاهلها وبهم كبير يجثو على صدرها فقلل من فرحتها جلست بجسدها وسط الحاضرين جاهدت لتبدو تعبيراتها طبيعية باقي السهرة لكن عقلها كان شاردا يحلل عبارات جليلة بتفكير عميق فماذا سيحدث إن لم تحمل ذلك الشهر أو حتى في الشهر الذي يليه ما الذي سيصيبها إن كان بها عطب ما أو مشكلة تحول دون حدوثه تلبك جسدها وشعرت بالرهبة من تخيل الأسوأ لاحظ منذر الوجوم الذي حل على قسماتها ورأى ذلك الحزن البائن في نظراتها توقع أن يكون حديث والدته أزعجها قطب جبينه مهتما وانتظر بترقب انصراف ضيوفه ليحدثها التهت في ترتيب الصالة فأجبرها منذر على التوقف قائلا بحدة_ 

أسيف

استدارت نحوه مبتلعة ريقها وهي ترد بابتسامة زائفة_ 

ايوه يا حبيبي!

وقف قبالتها مسلطا أنظاره عليها وهو يسألها باقتضاب_ 

مالك

ردت بهدوء_ 

مافيش

بدا غير مقتنع بما تقوله فكل ما فيها يشير إلى العكس وهو متأكد من أن حديثه والدته قد أثر عليها بشكل ما سألها مجددا بجدية_ 

في ايه شكلك متغير

تعمدت الحفاظ على ابتسامتها اللطيفة وهي تكافح لمنع أفكارها من الظهور علنا لتكشف ضيقها المكتوم بداخلها رفعت يدها لتداعب طرف ذقنه قائلة_ 

صدقني عادي!

قبض على أصابعها بيده وحدجها بنظرات حادة وترتها هتف قائلا بصلابة_ 

أسيف أنا مش بأحب المناهدة ولا اللف والدوران وشك مقلوب ومش مريحني

ارتعشت من أسلوبه الجاف وتوترت أنظارها نحوه حاولت أن تختلق عذرا ما لتبرر سبب حزنها فكذبت قائلة_ 

تلاقيني بس تعبانة و...

قاطعها بحدة_ 

متحوريش يا بنت رياض!

بدت لهجته متشنجة إلى حد ما فهمست عفويا_ 

بنت رياض!

تقوس فمها للجانب مضيفة بابتسامة صغيرة_ 

بقيت تقريبا فهماك لما تكون مضايق من حاجة تقولي بنت رياض

رد عليها بجمود_ 

كويس إنك عارفة ده فيا ريت نكون صرحة مع بعض!

هزت رأسها متفهمة طلبه امتص غضبه قبل أن يسيطر عليه مكملا بجدية_ 

أسيف! أنا مش عاوزك تخبي عني حاجة أقل حاجة بتزعلك ممكن ټعصبني وتضايقني

ردت برقة ناعمة_ 

حاضر

لف ذراعه حول خصرها ليضمها هامسا_ 

سيبك من ده وتعالي ارتاحي

اعترضت بدلال 

مش هاينفع لازم أروق الصالة و..

رمقها بنظرات قوية هاتفا بصلابة_ 

أنا قولت ايه

ابتسمت بخجل وهي ترد ممتثلة_ 

حاضر يا حبيبي

حاوطها أكثر بذراعيه نظراته نحوها

همس لها بتنهيدة متقدة بأشواق العشق_ 

بأحبك! وعمري ما هاسيبك!

لفت هي الأخرى ذراعيها حوله أغمضت عينيها مرددة بصوت خاڤت_ 

ربنا يخليك ليا ومايبعدنيش عنك!

اختبأت في أحضانه الدافئة مستشعرة الأمان بقربها خشيت أن تكون سعادتها لحظية أن تتلاشى مع مرور الوقت وتعذرها في الحمل والإنجاب أخرجت تنهيدة مطولة من صدرها نافضة عن عقلها مؤقتا تلك الأفكار التي باتت هاجسها الحالي.

تحسنت أحوالها الصحية تحسنا طفيفا بعد ارتفاع معنوياتها النفسية ورغم التغيرات الطارئة على هيئتها العامة من تساقط كثيف لخصلات شعرها وسواد أسفل جفنيها إلا أن ذلك لم يؤثر عليها بفضله نعم هو كان له الدور الأكبر في ذلك بحماسه الدائم فأزاح عنها الكثير من الهموم والأحزان بتفائله الدائم وبثقته في شفائها صدقت إدعاءاته رغم حدسها الذي يؤكد العكس لكنها تمسكت بذلك الأمل الجديد الذي أوجده في روحها الفانية وتشبثت به.

كذلك تعلقت أكثر برضيعتها وأفضت عليها بعاطفة حرمتها منها بجفائها وقسۏتها قبل أن تعتل صحتها متعة لا تضاهيها أي متعة وهي تتنعم ببراءة قطعة منها معها شكرت والدتها لأنها واظبت على إحضارها لها لتمتع عينيها برؤيتها هدهدت نيرمين صغيرتها قائلة بحنو_ 

حبيبة قلب أمك

هتفت أمها بحماس_ 

ماشاء الله عليها ربنا يحفظهالك!

ردت بتنهيدة متعبة وهي تجمد أنظارها على الرضيعة_ 

يا رب ويكون نصيبها أحسن مني!

أضافت عواطف بامتنان_ 

الحمدلله على كل حال احنا كنا فين وبقينا فين

ايوه

انتبهت كلتاهما إلى صوت الدقات الخاڤتة على باب الغرفة فتحركت أنظارهما نحوه ليجدا الطبيب نبيل بوجهه البشوش يطل عليهما وهو يقول_ 

صباح الخير

ردت عليه عواطف بابتسامة متسعة_ 

صباح النور يا ضاكتور تعبينك معانا!

احتج عليها قائلا_ 

متقوليش كده يا حاجة ده واجبي!

تحركت عيناه نحو نيرمين ليطالعها بنظرات مهتمة مضيفا بهدوء_ 

وبعدين هو في أغلى من مدام نيرمين عندنا!

تحرجت منه قائلة بخفوت_ 

متشكرة

رأى رضيعتها التي تداعب الهواء بكفيها ببراءة فدنا منها يلاعب أناملها الصغيرة متسائلا باهتمام_ 

ماشاء الله الكتكوتة دي بنتك

هزت رأسها بإيماءة خفيفة وهي تجيبه_ 

ايوه اسمها رنا

رد مبتسما_ 

عاشت الأسامي ربنا يخلي المهم أنا عندي ليكي أخبار حلوة

سألته بجدية وهي قاطبة لجبينها_ 

أخبار ايه

تساءلت عواطف هي الأخرى بقلق_ 

خير يا ضاكتور

أجابهما بتمهل_ 

إن شاء الله كل خير!

ظلت أنظاره مثبتة على وجه نيرمين وهو يضيف بهدوء_ 

بصي يا ستي مبدئيا كده الحالة مستقرة وده شيء كويس الحمدلله!

أصغت له بانتباه تام فتابع مشددا_ 

بس طبعا هانستمر في جرعات العلاج

تساءلت عواطف بتلهف_ 

يعني بنتي هاتخف

كان يعلم جيدا أن العلاج لن يحرز تقدما إيجابيا كبيرا في وضعها الحرج لكنه على الأرجح سيخفف من آلامها ويؤجل مصيرا حزينا تترقبه بيأس لن تحدث بالطبع معجزة تشفيها تماما لكن الأهم هو الحفاظ على ارتفاع روحها المعنوية وإشعارها بأهمية وجودها في الحياة استمر نبيل في رسم ابتسامة

لطيفة شيقة على ثغره وهو يقول_ 

كل حاجة من عند ربنا خير المهم إنها تبقى معاكو وفي وسطكم!

هزت عواطف رأسها قائلة_ 

الحمدلله

تابع بحزن مصطنع_ 

وتقدري ترجعي بيتك بالسلامة مع إن ده هيزعلني أوي!

استقبلت كلماته بابتسامة صغيرة فأكمل بجدية وهو يناولها بطاقة صغيرة تحمل رقم هاتفه الخاص_ 

عموما ده رقمي كلميني في أي وقت!

تناولتها منه قائلة باقتضاب_ 

متشكرة

صاحت عواطف بامتنان كبير وهي تبتسم له_ 

ربنا يكتر من أمثالك يا ضاكتور

نظر لها بأعين لامعة ثم عاود التحديق تارة في وجه نيرمين وتارة أخرى في وجه رضيعتها البريء استأذن بعدها للخروج لتقترب أمها منها هامسة بمكر_ 

طيب وجدع الضاكتور ده صح!

نظرت لها نيرمين بغرابة وهي تقول_ 

ايوه

ابتسمت أمها مضيفة بتريث قاصدة الضغط على كل كلمة فيها_ 

ربنا يصلح حاله وحالك!

فهمت ما ترمي إليه والدتها فهزت رأسها مستنكرة محدودية تفكيرها لا وجود في قاموس حياتها التعيس لعلاقة مثل التي تتمناها والدتها هو ظهر في حياتها فقط ليعيد لها روحها المفقودة ليكسبها ثقتها بنفسها هو أنعشها ببث الحماسة والسعادة المختبئة في أبسط الأشياء وقتل فيها الرهبة من المصائر المجهولة أغمضت عينيها متنهدة بتعب فقد أرهق التفكير عقلها وأتعبها ومع ذلك كانت سعيدة في داخلها لأنها ستعود إلى المنزل من جديد كم اشتاقت لفراشها ولأشيائها الخاصة تقوس فمها بابتسامة راضية هي حصلت على سلام داخلي وتصالحت أخيرا مع نفسها لم يعد بداخلها ذلك السخط الدائم الذي أظلم قلبها وحجب بصيرتها عن رؤية النعم الموجودة في حياتها اكتسبت شخصيتها خلال تجربتها القاسېة

 

سماتا جديدة غيرتها للأفضل وحسنت علاقاتها بالجميع فباتت محبوبة وحظت على الاهتمام الذي كانت تنشده..!!!

يتبع التالي

ألف عجيبة تخللت مشاعرها الجافة واشتياق لا يوصف تملكها حينما عادت بعد فترة غياب إجبارية إلى منزلها استقبلها والدتها وأختها بالابتسامات والعبرات الفرحة تأثرت لإحاطتها بذلك الكم الفياض من المشاعر الطيبة خاصة حينما أصرت أسيف على الحضور معاها وإيصالها للمنزل كذلك لم يتركها منذر وسدد كامل المستحقات المادية للمشفى أدركت أنها كانت تحمل بذور الغل والحقد والكراهية في صدرها وحينما تخلصت من أثارهم السيئة بدت كمن ولد من جديد رغم فظاعة المړض الذي يوشك أن يفتك بها إن استسلمت له.

دثرتها عواطف في الفراش هاتفة بحماس رهيب

نورتي بيتك يا بنتي ألف حمدلله على السلامة

اعتدلت نيرمين في نومتها واضعة الوسادة خلف ظهرها لتستند عليها ثم ردت بتنهيدة متعبة

الحمدلله

أخفضت أنظارها لتحدق في رضيعتها التي وضعت إلى جوارها لتبدأ في مداعبتها بلطف وحب هتفت بسمة بمرح

أخيرا هنرجع ناقر ونقير مع بعض

اكتفت نيرمين بالابتسام الودود لها بينما أضافت أمها قائلة بهدوء

ارتاحي شوية يا حبيبتي وأنا هاجهزلك الأكل و...

قاطعتها بصوت خاڤت

مش عاوزة حاجة!

أمسكت بيد رضيعتها الصغيرة تلاعب أصابعها وهي تتابع

كفاية إني أقعد مع بنتي شوية وأملي عيني منها

ردت عليها بسمة بأعين متأثرة

ربنا يخليكي ليها

هزت رأسها بإيماءات خفيفة مرددة

يا رب

وضعت عواطف يدها على ظهر بسمة قائلة

خليها مع رنا شوية وبينا احنا نشوف اللي ورانا

ماشي

قالتها وهي تستدير للخلف تاركة أختها مع رضيعتها لتقضي معها بعض الأوقات الطيبة فقد افتقدتها مؤخرا واشتاقت لوجودها في أحضانها.

خلال الشهرين التاليين استمرت الأجواء الهادئة سائدة في العائلتين دون وجود ما يعكر الصفو العام وتوطدت العلاقات العاطفية مع كل من منذر وأسيف وباتا كيانا واحدا كذلك تقربت نيرمين من رضيعتها وأغدقت عليها بالكثير من الحب الأمومي الذي حرمتها منه منذ لحظة ميلادها وظل الوضع متأرجحا بين بسمة ودياب بدا عابسا نوعا ما وهو