رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

فنضطرب خجلا من اكتشاف أمرنا أخفضت رأسها حرجا منه رامشة بعينيها بحياء كبير اقترب منها ممررا عيناه ببطء على كل جزء فيها أصبحت لهفته مضاعفة نحوها لم يصدق أنها ستصبح زوجته سيكتب اسمها إلى جوار اسمه وتقترن به.

تقوس فمه بابتسامة عذبة وهو يقول

مبروك!

همست بنبرة غير مسموعة

الله يبارك فيك!

تحسس رأسه الممشط جيدا مداعبا

ولو إني مش سامع حاجة من الدوشة بس أكيد مبسوطة صح

عضت على شفتها السفلى بخجل أكبر واكتفت بإظهار ابتسامة صغيرة على ثغرها.

سحب منذر نفسا مطولا حرره دفعة واحدة وهو يقول بجدية

أسيف!

انتبهت لصوته الذي تحول للجدية وحدقت فيه بارتباك قليل عمق نظراته نحوها متابعا بثبات

أوعدك قبل ما نكتب الكتاب إني مش هاخلي حاجة تضايقك أو تزعلك طول ما إنتي معايا ولو حبتي لما نرجع ن....

استشعرت من طريقته التلميح إلى رغبته في الانفصال عنها حينما تنتهي الأمور هنا ليس أمرا مشوقا

على الإطلاق خفق قلبها خوفا وقبل أن يضيف كلمة أخرى قاطعته بتوتر

ماتكملش!

استغرب كثيرا مما قالته فسألها بعدم تصديق

ايه

حركت شفتيها لتجيبه لكن منعها من الكلام هتاف والدته الصائح

يالا يا ابني الناس مستنينا!

الټفت برأسه للخلف مبديا انزعاجه من مجيئها في تلك اللحظة تحديدا ورد بعبوس

ماشي جايين مش تدونا فرصة نتكلم!

عاود النظر إليها متسائلا بفضول

كنتي هاتقولي ايه

ابتسمت بخجل وهي ترد

يالا بينا!

زفر مستاء من ضياع فرصة ثمينة لسماع ما تريد قوله لكن استشعر قلبه شيئا مطمئنا منها نظراتها نحوه ابتساماتها حتى عيونها كل شيء يوحي بأمر محمود تمنى في نفسه أن يصدق حدسه ويحمل قلبها مشاعرا ما إليه حتى وإن كانت قليلة ثنى ذراعه لتتأبط هي فيه ارتجفت أطرافها من شدة الحماسة وهي تعلق رسغها به تحركت بحذر متمهل معه وسار للأمام محدقا بها بنظرات متيمة.

تعالت الزغاريد مجددا طوال سيرهما حتى السيارة واعتلت أصوات المزامير والدفوف المصحوبة بالأغاني المهنئة بالأفراح سبقها منذر بخطوة ليفتح لها الباب وتحركت بحذر لتجلس بالمقعد الخلفي ساحبة ذيل ثوبها معها وما إن تأكد من جلوسها حتى صفق الباب برفق ليدور حول السيارة لكي يحتل مكانه إلى جوارها.

تفاجأت بتلك الأضواء البارقة التي زينت الطريق الزراعي وصولا إلى ذلك المكان الذي حبست أنفاسها حينما خمنت وجهتها التالية حدقت بجمود فيه لم يطرأ ببالها مطلقا أن تعود إلى أرض والدها بل أن ترى سرادق الحفل مقاما عليه وبالقرب من تلك الشجرة التي ضمت الكثير من ذكريات طفولتها وصباها تهدجت أنفاسها متأثرة ولمعت عيناها ببريق واضح أحس منذر بما يختلج صدرها من مشاعر مختلطة فمال عليها برأسه قائلا

مكانش ينفع الفرح يتعمل إلا هنا!

التفتت ناحيته برأسها لتحدق مباشرة في عينيه العاشقتين لها خانتها العبرات التي تجمعت بكثافة عند طرفي مقلتيها وانهمرت سريعا على وجنتيها مبللة كلتاهما بغزارة غير مكترثة بمساحيق التجميل التي يمكن أن تفسد من بكائها مد منذر أنامله بحذر ماسحا بعضهم برفق وهو يضيف مبتسما

أحلامك أوامر بالنسبالي!

عجزت عن إيجاد الكلمات المناسبة لشكره لقد حقق لها حلما تمنته في حياة أبويها وظنت أنه ذهب مع رحيلهما لكنه صار واقعا بوجوده معها التفتت برأسها لتحدق في النافذة من جديد وارتسم على ثغرها ابتسامة أكثر اتساعا امتزجت بعبراتها الفرحة لم يرغب سوى في رؤيتها سعيدة تضحك لا تلقي بالا لهموم الحياة يكفيه أن تبتسم فتشرق الحياة من حوله وتتحول متاعبها إلى أمور هينة يمكن تحملها.

توقفت السيارة عند مقدمة السرادق وصدحت أكثر أصوات الدفوف والطبول المتراصة على الجانبين لم تستطع منع نفسها من البكاء فرحا هي تعيش يوما مميزا في حياتها ذكرى جديدة ستحفر في عقلها للأبد ترجلت منها حينما فتح بابها لها وحدقت فيه بنظرات ممتنة ابتسم لها ابتسامة عذبة واصطحبها بتمهل إلى الداخل..

ركض الصغيران

يحيى وأروى أمامهما قاذفين الورود على وجهيهما وهما يلهوان لتتسارع أنفاسها من فرط السعادة استدارت للجانب لتنظر إلى ذلك الذي سلب قلبها رغما عنها بفرحة جلية قبض بأنامله على كفها ضاغطا عليه برفق قائلا بصوت خفيض

مبروك!

واصلا سيرهما حتى بلغا الكوشة الموضوعة في أحد الأركان ليجلس كلا منهما على مقعد منفصل تجمع حولهما الأحبة والمقربين فيما عدا نيرمين التي جلست على المقعد المواجه لهما تحدجهما بنظراتها الغاضبة نيران غيرتها تآكلها كم تمنت أن تحظى به زوجا يحبها وتحبه يلاطفها بمعسول الكلام فتغدق عليه من حبها الفطري لكن بقي لها فقط أحلام مؤودة.

هتف الحاج إسماعيل قائلا بصوت جهوري

يالا يا أستاذ منذر شرفنا مع الرجالة عشان نكتب الكتاب

لوح له بيده قبل أن ينهض من مقعده متوجها نحوه وقبل أن يبتعد عنها رمقها بنظرة أخيرة عاشقة شعرت بها تخترقها ببساطة لتصيب قلبها وتحمسه.

بدأت مراسم عقد القران بهدوء تام وقبل أن يشرع المأذون في إتمام باقي الإجراءات المعروفة قاطعه منذر قائلا بجدية

لازم الحاج فتحي يكون وكيل العروسة!

اندهش الجميع من مطلبه الغريب واستدار برأسه مسلطا أنظاره على قريبها المتجهم الوجه متسائلا بنبرة موحية

ولا ايه رأيك يا حاج مش إنت برضوه وكيلها!

أشار له بحاجبيه مؤكدا مغزى عبارته الخفي فامتعض وجه فتحي على الأخير ولم يجد بدا من الاعتراض ضغط على فمه هاتفا بصوت متحشرج

طبعا ده أنا خالها!

شهقت أسيف مصډومة مما سمعته توا لم تكن أوهاما أو تخيلات اختلقها عقلها لقد أعلن قريبها صراحة أمام الجميع أنه وكيلها الشرعي في عقد القران ليقضي بهذا الحديث الجاد على أخر ذرة ڼزاع بينهما مؤكدا على عودة علاقات الود معها حركت عينيها نحو منذر لترمقه بنظرات مذهولة غير مصدقة ما يفعله من أجلها كل لحظة يثبت لها أنه جدير بها أنه يستحقها ويحبها حبا جما بل يثبت لها أيضا أنها كانت مخطئة في حقه منذ البداية لم يكن بالبشاعة أو الطمع الذي تخيلته عليه بل هو أكثر الرجال شهامة ورجولة...!!!

يتبع الجديد

الفصل الخامس والسبعون الجزء الثاني

اشرأبت بعنقها محاولة رؤيته لكن غطى حضوره المهيب أجساد الرجال المحاوطين له فبات الأمر عسيرا عليها أخرجت تنهيدة مطولة من صدرها ونكست رأسها بإحباط واضح للحظة شردت في لمحات سريعة من ذكريات جمعتهما سوى لم تكن البدايات مبشرة لكن حتما النهايات طيبة هو عرف الطريق الصحيح لدربها وسار بتمهل عليه حتى وصل إلى قلبها فاتخذ مكانه فيه ابتسمت بخفوت ممررة أنظارها على الجميع.

مالت عليها بسمة مداعبة

هيكتبوا كتابك يا قمر!

رفعت أسيف رأسها نحوها محدقة فيها بأعين لامعة واكتفت بابتسامة خجلة على محياها بالطبع لم تفارقها نظرات نيرمين المحتقنة غيظا شعرت بدمائها الفائرة ټحرق خلايا عقلها بل إنه كاد ينفجر من كثرة ما تكتمه في نفسها مجبرة وخزات حادة ألمتها في رأسها فكزت على أسنانها بقوة غير قادرة على إخفاء حزنها الممزوج بۏجعها.

قول ورايا يا أستاذ منذر إني استخرت الله!

انتبه الجميع إلى صوت المأذون الجهوري الذي صدح في السرادق لتنخفض الأصوات العالية تدريجيا ويخفق مع نبرته قلبها أكثر إنها الآن تزوج إليه ووكيلها قريبها الذي أنكرها يوما الآن ترفع رأسها عاليا وترد كرامتها بين الأشهاد كذلك سيجمع القدر بينها وبين أكثر الرجال احتراما ومهابة في رابط له قدسيته اعتلى خلجاتها فرحة خافية رغم وضوحها في نظراتها لكنها أيقنت أنها مستعدة كليا إلى تلك الخطوة الحاسمة في حياتها ستصنع مما تمر به ذكريات أخرى خاصة بها تحمل السعادة والبهجة وستمحو أثار ما خلفه الزمن من أحداث مؤلمة نعم عقدت العزم بشدة على نسيان ما يؤلمها والتشبث أكثر بحاضرها ومستقبلها.

انتهت الإجراءات الخاصة بعقد القران ووقعت بأنامل ثابتة على ورقة زيجتها لتعلو بعدها

 

أصوات الزغاريد والتهليلات الفرحة تهدجت أنفاسها أكثر وهي تبتسم لمن حولها لكن سريعا اكتسى وجهها حمرة قوية حينما سمعت صوت المأذون يردد

كلنا يا أحباب الله ندعلهم ونقول بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير!

ترددت العبارات بقوة بداخل السرادق ليزداد مع أصواتهم خفقات قلبها المتحمس زاد توترها حينما التقطت أذنيها نبرته وهو يقول بانزعاج زائف

ممكن أعدي بعد اذنكم!

أفسحت النساء والفتيات المجال له ليمر فوقعت أنظاره عليها سريعا تجنبت النظر إليه متحرجة بشدة من كم الأعين المراقبة لهما بينما دنا منذر منها هاتفا

مبروك يا عروسة ربنا يقدرني وأسعدك

هتفت جليلة بسعادة وهي تربت على ظهر ابنها

والله ربنا بيحبك وعوضك خير يا بني!

الټفت ناحية والدته مبتسما فتابعت مضيفة بتفاؤل

يجعلها جوازة الهنا وعقبال الليلة الكبيرة!

هتفت عواطف بنبرة عالية وهي تشير بيديها

يالا يا بنات انزلوا تحت خلوا العرسان يقعدوا سوا!

عدلت بسمة من طرحة العروس قبل أن تبتعد بحذر من جوارها لتنسحب في إثرها باقي النساء والفتيات واحدة تلو الأخرى من الكوشة تاركين فسحة للعروسين للجلوس سويا فيما عدا أروى التي أصرت على

الجلوس على مسند مقعد العروس متغنجة بنفسها بمرح وهي ترتدي مثلها.

سلط منذر أنظاره على وجه حبيبته التي كانت تختلس النظرات إليه بحياء مكشوف عليها تعالت دقات قلبه حتى باتت أكثر عڼفا وهو يتخيلها معه تدفقت دمائه المتحمسة في عروقه من فرط الانفعال الفرح نعم هو غارق حتى النخاع في حب امرأة سلبت قلبه وسيطرت على عقله تمنى في نفسه أن تدوم تلك الفرحة وألا تنتهي بذهابهما من هنا وعودة الأمور إلى سابق عهدها.

على الجانب الأخر لمح الصغير يحيى ذلك الجرو الصغير الذي يلهو بالخارج فأثار فضوله لتتبعه واللعب معه فانسل دون أن ينتبه له أحد من السرادق ليلحق به رأته بسمة مصادفة فتوجست خيفة أن يرتكب شيئا أحمقا دون أن يعي أو أن يضل الطريق فيقلق الجميع عليه لذا أسرعت خلفه محاولة اكتشاف ما الذي يفعله.

دوما كانت أعينه عليها متابعة لكل ما يصدر منها فاستغرب كثيرا لابتعادها عن أجواء الحفل دون إبداء أي مقدمات بدا مزعوجا من خروجها بمفردها خاصة أنها ترتدي ثوبا لافتا للأنظار رغم احتشامه لكنه لا يعرف نوايا البشر لذلك بلا أدنى لحظة تفكير أو تردد انطلق ورائها وهو متجهم الوجه.

وجد صعوبة في ضبط انفعالاته حينما سمع أحد الشباب يعلق عليها قائلا بعبث لاه

بنات بحري دول حكاية

رد عليه أخر مؤكدا بضحكة غير مريحة

بالظبط زي الكتاب ما قال!

استدار ناحيتهما مسلطا أنظاره الڼارية عليهما تشنجت تعابيره وبدا على وشك الفتك بهما وهو يقول بانفعال

ما تلم نفسك انت وهو

اعتدل الشاب في وقفته المائلة قائلا بجفاء

خير يا أستاذ حد جه جمبك!

صاح به بنبرة غاضبة ملوحا بذراعه بټهديد صريح

انت عارف إنت بتكلم عن مين

تفهم الشاب سريعا سبب ثروته المتعصبة فلكز رفيقه قائلا بتوجس

شكلها تبعه!

سلط دياب عينيه المتقدتين بشرر مخيف عليه وهو يرد بصوت متشنج

اه يا سيدي تبعي دي المدام!

تبادل الشابين نظرات حرجة وهتف أحدهما معتذرا

احنا أسفين والله منقصدش اعذرنا يا أستاذ!

حقك علينا زلة لسان و...

قاطعه دياب